نجمات تهزّهن الأمومة فتكاد قلوبهن تنفجر من الحب

إيميه الصياح وريتا حايك ورندة كعدي يتحدثن لـ «الشرق الأوسط»

ريتا حايك إنسانة أفضل بوجود طفلها
ريتا حايك إنسانة أفضل بوجود طفلها
TT

نجمات تهزّهن الأمومة فتكاد قلوبهن تنفجر من الحب

ريتا حايك إنسانة أفضل بوجود طفلها
ريتا حايك إنسانة أفضل بوجود طفلها

ليت الصفحات تتسع للغَرف العذب من أعماق جميع الأمهات. لكن ثلاثاً منهن يفتحن القلب لـ«الشرق الأوسط». رغم تعب الحياة، تمر أيام جميلة على إيميه الصياح وطفليها. تغني وتقرأ معهما، وتستفيد من الوقت. تتحدث ريتا حايك عن «Ups and Downs» تواجهها الأم، وتقول إنها تفعل ما في وسعها لإسعاد طفلها. تشعر بذنب حين تعمل طويلاً، لكنها ترى في «الأم المثالية» اختباراً لصراع نفسي يزيد الضغوط عليها ويؤثر في اندفاعها تجاهه. تصف الأمومة بـ«ولا أحلى»، ولولا ابنها لما كانت المرأة التي هي عليها. ورندة كعدي من أعظم الأمهات. «تفضحها» أمومتها حين تؤدي أدواراً خشنة. لديها ابنتان شابتان تمنحهما حباً فريداً. رافقتهما في محطات العمر، فملأت وزوجها حياتهما بالفن والموسيقى.
يلازم شعور الأمومة إيميه الصياح على الدوام. منذ وعيها الأول، وهي تهتم بلعبتها كاهتمام الأمهات بالأبناء. تُطعمها وتُلبسها، وحين تغادر المنزل تصطحبها معها. ترسخت فيها الأمومة وتغذت من عاطفتها. راح شكلها يتعدل، ومن الاهتمام بـ«الباربي»، توجهت الرعاية نحو أولاد أقاربها فأولاد أختها. وفي «ذا فويس كيدز»، أُحيطت طوال الوقت بالصغار، تشاركهم براءتهم وعفويتهم، فتُعانقها سعادة صافية.
إيميه الصياح مقربة من والدتها، تجمعهما صداقة. تتخذها مثالاً في الإرادة والتربية، فتقول: «أثرت عميقاً في أمومتي، واليوم يتضاعف تقديري لقيمتها وتضحياتها وتعبها. أتذكرها حين يرميني التعب. أصبح أقوى وأنا أتخيلها تقوم بما أقوم به، بظروف أصعب. هي عنادي. أمي هادئة، عقلانية، صبورة، شخصيتها رائعة. ازداد تأثري بها حين أصبحتُ أماً. ما أريده هو السير على خطاها».
تُحمل طاقة إيجابية من منزلها إلى عملها، ثم تعود بالطاقة نفسها من العمل إلى المنزل. خطان متوازيان لإعلاء قيمة العطاء. تشبه الأمر بدورة الطبيعة لبلوغ الربيع: «في البداية كان الظرف صعباً. أنجبتُ توأمين، ثم سقط العالم في قبضة (الكوفيد)، وأنا في دبي بعيدة عن أهلي. راودتني استحالة العودة إلى العمل، فإذا؛ بدعمهم ودعم زوجي، أستعيد تماسكي. تسعدني العودة وتشعرني بأنني وُلدت مجدداً، رغم التعب. عمل الأم في المنزل وخارجه شقاء. الشغف يهون الصعب».

رندة كعدي مع ابنتيها

ضغوط، دموع، إحساس بالذنب... مشاعر تؤلم النجمة اللبنانية حين تغيب عن عائلتها. لا تُبين حياة الأمومة وردية، ففيها التحديات والتضحيات. لكن ما يُذلل هو الحب وحضن العائلة: «لا أنام ليلة خارج المنزل. أعود لأرى ولدَيّ وأستمد منهما طاقتي ثم أتابع التصوير».
تذكر يوم علمت بأنها حامل بتوأمين، فتتغير نبرة صوتها. تصبح كالزجاج الدامع لحظة ملامسة المطر. تختصر بكلمة: «واو!»، وتجهد لوصف تلك اللحظة: «أعلم أنها لا توصف. هي مليئة بالحب والمفاجأة الجميلة. لحظة امتنان قصوى وإيمان يغمر روحي. صليت لله شاكرة، ولم أجد أروع من الصلاة لتقدير النعمة. بدل الطفل طفلان! مع الوقت رحتُ أستوعب الأمر. (واو)، لكن المسؤولية هائلة. كانت لحظة العمر».
أجمل ما يحدث مع إيميه الصياح هو الأمومة: «تهزني وتغيرني، تجعلني أعيد ترتيب أولوياتي وتبدل نظرتي للمهم والأهم. تمنحني الكثير وتوقظ بطريقها بعض الهواجس. أصبحتُ أكثر قلقاً، أستيقظ في الليل لأتفقد الطفلين. الأمومة تجعلني إنسانة أفضل».
تطلب الأمر وقتاً لتعيد التوازن إلى حياتها، بين إيميه الأم والزوجة والنجمة. هي اليوم غيرها قبل طفليها: «أحاول ضبط عصبيتي وانفعالاتي منذ أن أصبحتُ أماً. يزداد صبري وتفهمي لعائلتي، ويكاد قلبي ينفجر من الحب!».


إيميه الصياح تغيّرت حياتها بعدما أصبحت أماً

تحب ريتا حايك الأولاد بطبيعتها قبل أن تدرك بوضوح مفهوم الأمومة. منذ كانت في الكشافة، اتخذت دور المسؤولة عن الفريق، فأحسنت التعامل والتفاعل. لكنها لم تفكر يوماً بأن تصبح أماً، حتى تعرفت إلى زوجها. ظنت أن أقصى ما قد تفعله هو التبني. حين أصبحت أماً، شعرت بالأمومة للمرة الأولى. بثلاثة أحرف تختزل عظمتها: «أوف»!
اتخذت وزوجها قرار الإنجاب وهي في مرحلة تصوير مسلسل «ثواني» (عُرض عام 2019). كان ذلك قبل حفل الـ«أوسكار» في لوس أنجليس، فاعتذرت من عدم تصوير مسلسلات وأفلام للتفرغ للطفل المنتظر. عادت من الحفل لتتأكد من حملها، فتقول: «لا أنسى تلك اللحظة. سعادتي تفوق الوصف! في أحشائي ما يجعل الكون صغيراً أمام الفرح».
نوع ريتا حايك يتحمس إلى أقصى درجات الحماسة ويذهب إلى النهاية فيما يقوم به؛ في النجومية والحياة والأمومة. حين وضعت ابنها، بدأت تلمح الجانب الآخر: ليالٍ بلا نوم، ومسؤولية. في الفترة الأولى، لم يكن سهلاً ترك الطفل استجابة لنداء المهنة، فاضطرت أن تفعل: «تمزقتُ من الداخل. هنا أيقنتُ بأن حياتي لم تعد كالسابق».
تصف طفلها بحبيب قلبها، و«ما فيي عبر». تصبح المرأة شاعرة حين تحركها الأمومة: «نظن أننا أحببنا، لكننا قبل أن نصبح أمهات، لا ندرك حقيقة الحب. طفلي هو الدنيا». تتعثر كلماتها لفرط التأثر، هي العائدة من حفل عيد الأم في مدرسة ابنها. يستحيل تخيل حياتها من دونه، ورغم التعب، تنتهي بنتيجة: «كل جمال في داخلي، خرج إلى الضوء حين أصبحتُ أماً. يجعلني إنسانة أخرى».
تتخذ، أيضاً، من أمها مثالاً للإلهام والعطاء، ولاختصاصها في علم نفس الطفل، تساعدها في تربية ابنها. وماذا عن صراع ريتا النجمة مع ريتا الأم؟ تتنهد فتخرج الـ«آه»، لتجيب: «هذا صراع دائم. جزء كبير مني هي ريتا الفنانة المليئة بالطاقة، فإن لم أفجرها في عملي وحيث أحب، أصبح شخصاً متقلب المزاج داخل المنزل. ما يتغير هو أنني أصبح انتقائية في أعمالي، فغيابي عن طفلي يكون من أجل دور يستحق. أريده أن يفتخر بي كما أفتخر بوالدتي».
من فرط ما هي أُمّ، تنادي القديرة رندة كعدي صاحبة السطور بـ«ماما». تذكر يوم كانت تلعب الـ«بيت بيوت» مع أولاد الحي وتؤدي دور الأم: «من هنا بدأت أمومتي، ثم تشبعتُ بها مع ابنتَي. أنا اليوم أم سعيدة».
تولى المنزل صقل نموها العاطفي وساهم في تكوين تركيبتها الحنون. نشأت رندة كعدي مع عائلة متفهمة، تؤمن بالحوار ومساحات الفرد. والدها كاتب ومؤرخ، تصفه بـ«سابق جيله». شجعها على التمثيل، بدعم من أم تراها «مثالية بمحبتها». هكذا كبُرت «ماما رندة».
الأمومة المذهلة بالوعي والحب، تنقلها من منزلها الأول إلى منزلها الزوجي. كيف تستطيع أن تكون أماً بهذه العظمة في أدوارها؟ حضورها الرائع في دور «الحجة ضحى»، والدة قصي خولي في «عشرين عشرين» هز الملايين. تجيب بأنها تتبنى الشخصية ولا تكتفي بتمثيلها: «أشعر بأنني أواجه مواقف في الدراما تصادفني مع ابنتَي، وأتعامل معها كأنني في الواقع. أما أدوار الأم المتسلطة، فهنا اللعب الأكاديمي. ومع ذلك، تخونني عيناي حين ألفظ كلمة (ماما). صدق الأمومة، فشلي».
تُربي ابنتيها كما تربت، على طريق الحوار. تشدد على ضرورة تدارك الثغر بين الأجيال، وتتخذ من فكر جبران خليل جبران فلسفة حياة، حين قال «أولادكم ليسوا لكم». لا تخفي أنها تساءلت وهي في الثلاثين، لماذا تؤدي أدوار الأم فقط، رغم أنها ممثلة أكاديمية تستطيع التحليق بأي شخصية. رجت القدر كسْر القفص. ولم يصل صدى الصرخة. اليوم تقول: «الأمومة مصيري. بـ(الحجة أم صافي) أعايد أمهات الأرض».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».