ليت الصفحات تتسع للغَرف العذب من أعماق جميع الأمهات. لكن ثلاثاً منهن يفتحن القلب لـ«الشرق الأوسط». رغم تعب الحياة، تمر أيام جميلة على إيميه الصياح وطفليها. تغني وتقرأ معهما، وتستفيد من الوقت. تتحدث ريتا حايك عن «Ups and Downs» تواجهها الأم، وتقول إنها تفعل ما في وسعها لإسعاد طفلها. تشعر بذنب حين تعمل طويلاً، لكنها ترى في «الأم المثالية» اختباراً لصراع نفسي يزيد الضغوط عليها ويؤثر في اندفاعها تجاهه. تصف الأمومة بـ«ولا أحلى»، ولولا ابنها لما كانت المرأة التي هي عليها. ورندة كعدي من أعظم الأمهات. «تفضحها» أمومتها حين تؤدي أدواراً خشنة. لديها ابنتان شابتان تمنحهما حباً فريداً. رافقتهما في محطات العمر، فملأت وزوجها حياتهما بالفن والموسيقى.
يلازم شعور الأمومة إيميه الصياح على الدوام. منذ وعيها الأول، وهي تهتم بلعبتها كاهتمام الأمهات بالأبناء. تُطعمها وتُلبسها، وحين تغادر المنزل تصطحبها معها. ترسخت فيها الأمومة وتغذت من عاطفتها. راح شكلها يتعدل، ومن الاهتمام بـ«الباربي»، توجهت الرعاية نحو أولاد أقاربها فأولاد أختها. وفي «ذا فويس كيدز»، أُحيطت طوال الوقت بالصغار، تشاركهم براءتهم وعفويتهم، فتُعانقها سعادة صافية.
إيميه الصياح مقربة من والدتها، تجمعهما صداقة. تتخذها مثالاً في الإرادة والتربية، فتقول: «أثرت عميقاً في أمومتي، واليوم يتضاعف تقديري لقيمتها وتضحياتها وتعبها. أتذكرها حين يرميني التعب. أصبح أقوى وأنا أتخيلها تقوم بما أقوم به، بظروف أصعب. هي عنادي. أمي هادئة، عقلانية، صبورة، شخصيتها رائعة. ازداد تأثري بها حين أصبحتُ أماً. ما أريده هو السير على خطاها».
تُحمل طاقة إيجابية من منزلها إلى عملها، ثم تعود بالطاقة نفسها من العمل إلى المنزل. خطان متوازيان لإعلاء قيمة العطاء. تشبه الأمر بدورة الطبيعة لبلوغ الربيع: «في البداية كان الظرف صعباً. أنجبتُ توأمين، ثم سقط العالم في قبضة (الكوفيد)، وأنا في دبي بعيدة عن أهلي. راودتني استحالة العودة إلى العمل، فإذا؛ بدعمهم ودعم زوجي، أستعيد تماسكي. تسعدني العودة وتشعرني بأنني وُلدت مجدداً، رغم التعب. عمل الأم في المنزل وخارجه شقاء. الشغف يهون الصعب».
رندة كعدي مع ابنتيها
ضغوط، دموع، إحساس بالذنب... مشاعر تؤلم النجمة اللبنانية حين تغيب عن عائلتها. لا تُبين حياة الأمومة وردية، ففيها التحديات والتضحيات. لكن ما يُذلل هو الحب وحضن العائلة: «لا أنام ليلة خارج المنزل. أعود لأرى ولدَيّ وأستمد منهما طاقتي ثم أتابع التصوير».
تذكر يوم علمت بأنها حامل بتوأمين، فتتغير نبرة صوتها. تصبح كالزجاج الدامع لحظة ملامسة المطر. تختصر بكلمة: «واو!»، وتجهد لوصف تلك اللحظة: «أعلم أنها لا توصف. هي مليئة بالحب والمفاجأة الجميلة. لحظة امتنان قصوى وإيمان يغمر روحي. صليت لله شاكرة، ولم أجد أروع من الصلاة لتقدير النعمة. بدل الطفل طفلان! مع الوقت رحتُ أستوعب الأمر. (واو)، لكن المسؤولية هائلة. كانت لحظة العمر».
أجمل ما يحدث مع إيميه الصياح هو الأمومة: «تهزني وتغيرني، تجعلني أعيد ترتيب أولوياتي وتبدل نظرتي للمهم والأهم. تمنحني الكثير وتوقظ بطريقها بعض الهواجس. أصبحتُ أكثر قلقاً، أستيقظ في الليل لأتفقد الطفلين. الأمومة تجعلني إنسانة أفضل».
تطلب الأمر وقتاً لتعيد التوازن إلى حياتها، بين إيميه الأم والزوجة والنجمة. هي اليوم غيرها قبل طفليها: «أحاول ضبط عصبيتي وانفعالاتي منذ أن أصبحتُ أماً. يزداد صبري وتفهمي لعائلتي، ويكاد قلبي ينفجر من الحب!».

إيميه الصياح تغيّرت حياتها بعدما أصبحت أماً
تحب ريتا حايك الأولاد بطبيعتها قبل أن تدرك بوضوح مفهوم الأمومة. منذ كانت في الكشافة، اتخذت دور المسؤولة عن الفريق، فأحسنت التعامل والتفاعل. لكنها لم تفكر يوماً بأن تصبح أماً، حتى تعرفت إلى زوجها. ظنت أن أقصى ما قد تفعله هو التبني. حين أصبحت أماً، شعرت بالأمومة للمرة الأولى. بثلاثة أحرف تختزل عظمتها: «أوف»!
اتخذت وزوجها قرار الإنجاب وهي في مرحلة تصوير مسلسل «ثواني» (عُرض عام 2019). كان ذلك قبل حفل الـ«أوسكار» في لوس أنجليس، فاعتذرت من عدم تصوير مسلسلات وأفلام للتفرغ للطفل المنتظر. عادت من الحفل لتتأكد من حملها، فتقول: «لا أنسى تلك اللحظة. سعادتي تفوق الوصف! في أحشائي ما يجعل الكون صغيراً أمام الفرح».
نوع ريتا حايك يتحمس إلى أقصى درجات الحماسة ويذهب إلى النهاية فيما يقوم به؛ في النجومية والحياة والأمومة. حين وضعت ابنها، بدأت تلمح الجانب الآخر: ليالٍ بلا نوم، ومسؤولية. في الفترة الأولى، لم يكن سهلاً ترك الطفل استجابة لنداء المهنة، فاضطرت أن تفعل: «تمزقتُ من الداخل. هنا أيقنتُ بأن حياتي لم تعد كالسابق».
تصف طفلها بحبيب قلبها، و«ما فيي عبر». تصبح المرأة شاعرة حين تحركها الأمومة: «نظن أننا أحببنا، لكننا قبل أن نصبح أمهات، لا ندرك حقيقة الحب. طفلي هو الدنيا». تتعثر كلماتها لفرط التأثر، هي العائدة من حفل عيد الأم في مدرسة ابنها. يستحيل تخيل حياتها من دونه، ورغم التعب، تنتهي بنتيجة: «كل جمال في داخلي، خرج إلى الضوء حين أصبحتُ أماً. يجعلني إنسانة أخرى».
تتخذ، أيضاً، من أمها مثالاً للإلهام والعطاء، ولاختصاصها في علم نفس الطفل، تساعدها في تربية ابنها. وماذا عن صراع ريتا النجمة مع ريتا الأم؟ تتنهد فتخرج الـ«آه»، لتجيب: «هذا صراع دائم. جزء كبير مني هي ريتا الفنانة المليئة بالطاقة، فإن لم أفجرها في عملي وحيث أحب، أصبح شخصاً متقلب المزاج داخل المنزل. ما يتغير هو أنني أصبح انتقائية في أعمالي، فغيابي عن طفلي يكون من أجل دور يستحق. أريده أن يفتخر بي كما أفتخر بوالدتي».
من فرط ما هي أُمّ، تنادي القديرة رندة كعدي صاحبة السطور بـ«ماما». تذكر يوم كانت تلعب الـ«بيت بيوت» مع أولاد الحي وتؤدي دور الأم: «من هنا بدأت أمومتي، ثم تشبعتُ بها مع ابنتَي. أنا اليوم أم سعيدة».
تولى المنزل صقل نموها العاطفي وساهم في تكوين تركيبتها الحنون. نشأت رندة كعدي مع عائلة متفهمة، تؤمن بالحوار ومساحات الفرد. والدها كاتب ومؤرخ، تصفه بـ«سابق جيله». شجعها على التمثيل، بدعم من أم تراها «مثالية بمحبتها». هكذا كبُرت «ماما رندة».
الأمومة المذهلة بالوعي والحب، تنقلها من منزلها الأول إلى منزلها الزوجي. كيف تستطيع أن تكون أماً بهذه العظمة في أدوارها؟ حضورها الرائع في دور «الحجة ضحى»، والدة قصي خولي في «عشرين عشرين» هز الملايين. تجيب بأنها تتبنى الشخصية ولا تكتفي بتمثيلها: «أشعر بأنني أواجه مواقف في الدراما تصادفني مع ابنتَي، وأتعامل معها كأنني في الواقع. أما أدوار الأم المتسلطة، فهنا اللعب الأكاديمي. ومع ذلك، تخونني عيناي حين ألفظ كلمة (ماما). صدق الأمومة، فشلي».
تُربي ابنتيها كما تربت، على طريق الحوار. تشدد على ضرورة تدارك الثغر بين الأجيال، وتتخذ من فكر جبران خليل جبران فلسفة حياة، حين قال «أولادكم ليسوا لكم». لا تخفي أنها تساءلت وهي في الثلاثين، لماذا تؤدي أدوار الأم فقط، رغم أنها ممثلة أكاديمية تستطيع التحليق بأي شخصية. رجت القدر كسْر القفص. ولم يصل صدى الصرخة. اليوم تقول: «الأمومة مصيري. بـ(الحجة أم صافي) أعايد أمهات الأرض».

