زيلينسكي يطالب بوتين بـ {محادثات جادة}

الضغط الدبلوماسي يمنح بصيص أمل رغم استمرار الهجمات

الرئيس الأوكراني خلال حفل توزيع الجوائز على الوحدات الخاصة للشرطة في كييف (رويترز)
الرئيس الأوكراني خلال حفل توزيع الجوائز على الوحدات الخاصة للشرطة في كييف (رويترز)
TT

زيلينسكي يطالب بوتين بـ {محادثات جادة}

الرئيس الأوكراني خلال حفل توزيع الجوائز على الوحدات الخاصة للشرطة في كييف (رويترز)
الرئيس الأوكراني خلال حفل توزيع الجوائز على الوحدات الخاصة للشرطة في كييف (رويترز)

وجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس السبت، رسالة حادة إلى نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، وذلك بعد يوم من إشادة بوتين بـ«العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا، ووصفها بأنها مهمة «بطولية»، من قبل الجيش الروسي، خلال مسيرة وطنية، في ملعب «لوجنيكي» في موسكو، أمام عشرات الآلاف من الروس الذين كانوا يهتفون. وذكر زيلينسكي في رسالة فيديو أن عدد الأشخاص، الذي يبلغ 100 ألف، أمام الملعب، إلى جانب 95 ألفاً في الساحة نفسها، يتوافق تقريباً مع عدد الجنود الروس، الذين دخلوا أوكرانيا. وأضاف: «والآن، تخيلوا 14 ألف جثة في هذا الملعب، بالإضافة إلى عشرات الآلاف الآخرين من الجرحى والمشوهين»، في إشارة إلى التقديرات الأوكرانية والغربية بشأن الخسائر الروسية، منذ بدء الحرب. ودعا زيلينسكي مرة أخرى، إلى وضع نهاية فورية للصراع، مضيفاً: «يجب أن تنتهي الحرب، اقتراحات أوكرانيا على الطاولة»، طبقاً لصحيفة «أوكراينسكا برافدا».
وحذر الرئيس الأوكراني، موسكو، من عواقب تستمر «عدة أجيال» في حال واصلت هجومها على بلاده، معتبراً أن الوقت حان لها لمناقشة السلام «جدياً»، فيما أكدت القوات الروسية أنها دخلت مدينة ماريوبول المحاصرة منذ عدة أيام. وقال زيلينسكي في مقطع فيديو نشر على «فيسبوك»، وتم تصويره في شارع مقفر ليلاً، إن «مفاوضات حول السلام والأمن في أوكرانيا هي الفرصة الوحيدة لروسيا لتقليل الضرر الناجم عن أخطائها». وأضاف: «حان الوقت للالتقاء. حان وقت المناقشة. حان وقت استعادة وحدة الأراضي والعدالة لأوكرانيا»، محذراً من أنه «بخلاف ذلك فإن الخسائر التي ستتكبدها روسيا ستصل إلى حد يتطلب عدة أجيال لتتعافى منها».
وعرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مجدداً، لقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين، إلا أن موسكو رفضت حتى الآن هذه الفكرة. وقال زيلينسكي «لقد حان الوقت للتحدث»، وحث روسيا على أن تكون صادقة وجادة في المحادثات من أجل التوصل إلى حل سلمي، وإنهاء الحرب التي بدأتها روسيا ضد جارتها. وتابع زيلينسكي: «محادثات هادفة بشأن السلام والأمن لأوكرانيا، محادثات صادقة بدون تأخيرات، هي الفرصة الوحيدة لروسيا لكي تقلل الضرر الناجم عن أخطائها»، مضيفاً أنه إذا لم تتم إعادة تأكيد سيادة ووحدة أراضي أوكرانيا فإن روسيا ستتكبد «خسائر كبيرة».
وقال رئيس برلمان أوكرانيا رسلان ستيفانشوك، في منشور على الموقع الإلكتروني للبرلمان، إن سيادة البلاد ووحدة أراضيها واستقلالها هي خطوط حمراء في المحادثات مع روسيا. وأضاف أن المحادثات تمضي في الاتجاه الصحيح.
وحذرت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تروس، من استغلال روسيا لمحادثات السلام مع أوكرانيا كـ«ستار دخان» لصرف الانتباه عن قيام الكرملين بإعادة تجميع قواته لشن هجوم جديد. ونقلت وكالة الأنباء البريطانية «بي إيه ميديا» عن تروس قولها إن الأمر يرجع للرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، فيما يتعلق بتعامله مع محادثات السلام. ولكن في مقابلة مع صحيفة «ذا تايمز»، قالت إنها تخشى أن تكون المفاوضات، التي تردد أنها حققت بعض التقدم - بمثابة «ستار دخان» لإخفاء النيات الحقيقية. وقال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، لمؤتمر المحافظين الاسكوتلنديين، إنه تعهد بإرسال المزيد من الأسلحة الدفاعية إلى أوكرانيا بعد التحدث مع زيلينسكي يوم الجمعة. وقال إنه «مقتنع أكثر من أي وقت مضى» أن المغامرة العسكرية للرئيس الروسي ستفشل.
ومند بدء الغزو الروسي لأوكرانيا جرت جولات تفاوض عدة حضورياً بين كييف وموسكو، ويباشر وفدا البلدين الجولة الرابعة الاثنين عن بُعد.
وتحدث رئيس الوفد الروسي، مساء الجمعة، عن «تقارب» في المواقف بشأن مسألة وضع محايد لأوكرانيا على غرار وضع السويد والنمسا، وعن تقدم بشأن تجريد البلاد من السلاح، مشيراً في المقابل إلى «اختلافات» حول مسألة «الضمانات الأمنية» التي تطالب بها أوكرانيا. غير أن ميخايلو بودولياك مستشار زيلينسكي والعضو في الوفد الأوكراني قال، كما جاء في تقرير الصحافة الفرنسية، إن «تصريحات الجانب الروسي ليست سوى مطالبهم بالأساس». وكتب في تغريدة: «موقفنا لم يتغير: وقف إطلاق نار وانسحاب القوات (الروسية) وضمانات أمنية قوية مع صيَغ ملموسة».
وأشارت روسيا وأوكرانيا إلى حدوث قدر من التقدم الأسبوع الماضي في المحادثات الرامية لإيجاد صيغة سياسية تضمن لأوكرانيا حماية أمنية خارج حلف شمال الأطلسي. لكن أوكرانيا قالت إن وقف إطلاق النار فوراً وانسحاب القوات الروسية لا يزال ضرورياً، ويتهم كل طرف الآخر بالتلكؤ في المحادثات. وتعهد بوتين بمواصلة الغزو إلى حين نجاح أهدافه، ووعد عشرات الآلاف من الجماهير التي أخذت تلوح بالعلم الروسي في ملعب لكرة القدم في موسكو، الجمعة، بأن روسيا «ستنجز كل خططها بالكامل». قال كبير المفاوضين الروس، فلاديمير ميدينسكي، يوم الجمعة، إن روسيا وأوكرانيا اقتربتا من «القضية الرئيسية» المتمثلة في وضع أوكرانيا الحيادي وتخليها عن فكرة الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولكن لا تزال هناك بعض النقاط التي يتعين حلها قبل أن يتمكن رئيسا البلدين من عقد اجتماع. ووفق تقديرات كبير المفاوضين الروس، فإن التقدم الذي تم إحرازه في المحادثات بخصوص مسألة نزع السلاح في أوكرانيا يشير إلى أن الطرفين «في نصف طريقهما تقريباً» في هذا الشأن، مشيراً إلى أنه ليس مخولاً بكشف أي تفاصيل محددة للعملية التفاوضية. ولا يزال الجانبان متباعدين بشأن إدارة منطقة دونباس بشرق أوكرانيا، حيث توجد الجمهوريتان الانفصاليتان المعلنتان من جانب واحد. وعقد الاجتماع الأول للوفدين في 28 فبراير (شباط) في بيلاروس، فيما تجري المفاوضات حالياً عبر تقنية الفيديو كونفرانس. وأطلع بوتين، المستشار الألماني أولاف شولتس، في مكالمة هاتفية، على آخر المستجدات بشأن المحادثات يوم الجمعة، وشكا من أن «الجانب الأوكراني يؤخر العملية بمقترحات جديدة غير واقعية». وخلال المكالمة، شكا بوتين كذلك من الهجمات الأوكرانية في شرق أوكرانيا، حسبما ذكر الكرملين في بيان له. وذكر الكرملين أنه خلال المكالمة الهاتفية التي جرت بمبادرة من شولتس، قال بوتين إن الجانب الروسي يبذل كافة الجهود لتجنب وقوع إصابات بين صفوف المدنيين. وأدلى بوتين بالتأكيدات نفسها في مكالمة هاتفية يوم الجمعة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ووفقاً لقصر الإليزيه، أعرب ماكرون عن قلقه البالغ إزاء الوضع في ماريوبول، المدينة الساحلية الواقعة في شرق أوكرانيا، التي تحاصرها القوات الروسية، وطالب مرة أخرى بوقف فوري لإطلاق النار. ووفقاً لموسكو، استهدفت قاذفات الصواريخ الأوكرانية مناطق سكنية في مدينتي دونيتسك وماكيفكا، مما أدى إلى «عدد كبير من الخسائر البشرية». وذكر الكرملين في بيان يوم الجمعة، أن العديد من الضحايا سقطوا خلال قصف أحياء سكنية في مدينتي دونتسيك وماكيفكا. وأضاف الكرملين في البيان، كما نقلت عنه «رويترز»: «هذه الجرائم تم تجاهلها في الغرب». وقال زيلينسكي، إن الممرات الإنسانية التي أقيمت في البلاد أتاحت لأكثر من 180 ألف أوكراني الهروب من المعارك، بينهم أكثر من 9 آلاف شخص من ماريوبول.
وتابع: «لكن المحتلين يواصلون منع المساعدات الإنسانية، خصوصاً في محيط المناطق الحساسة. إنه تكتيك معروف جداً (...) إنها جريمة حرب»، مؤكداً أن روسيا «ستحاسب على ذلك، مائة في المائة». ودعا عمدة كييف، فيتالي كليتشكو، الحلفاء الغربيين، لمواصلة إمداد أوكرانيا بالأسلحة في حربها ضد روسيا. وقال الملاكم المحترف السابق، في مقابلة مع صحيفة «كوريير ديلا سيرا»، أمس السبت، «من فضلكم، ادعمونا». وحث الحلفاء الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي (ناتو) على إرسال أسلحة أساسية للدفاع عن المجال الجوي فوق كييف. وتابع كليتشكو (50 عاماً): «نحن قادرون على إغلاق مجالنا الجوي بأنفسنا. لكن نحتاج، بالتأكيد، إلى الحصول على الأسلحة المناسبة»، واستبعد الناتو مراراً فرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى مواجهة عسكرية بين روسيا والغرب.
وأضاف: «لا تنسوا أننا ندافع عن بلدنا، لكننا في الوقت نفسه، ندافع عن القيم الأساسية للديمقراطية الأوروبية». وتابع، كما جاء في تقرير الوكالة الألمانية، «رسالتي واضحة: من فضلكم أوقفوا أي علاقة اقتصادية مع روسيا، نظراً لأن بوتين يستخدم كل يورو، لتعزيز جيشه، الذي يزحف نحونا».


مقالات ذات صلة

بوريس جونسون يدعو الحلفاء لإرسال قوات غير قتالية إلى أوكرانيا

أوروبا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون (رويترز)

بوريس جونسون يدعو الحلفاء لإرسال قوات غير قتالية إلى أوكرانيا

قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون إنه يتعين على بريطانيا وحلفائها الأوروبيين نشر قوات غير قتالية فوراً في أوكرانيا

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحِّباً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا - 28 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب... سلوفاكيا والمجر تهددان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا إذا لم تستأنف كييف إمدادات النفط

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود أوكرانيون من كتيبة ألكاتراز خلال تدريب عسكري قبل إرسالهم إلى الجبهة في خاركيف (إ.ب.أ)

أوكرانيا تستهدف مصنعاً روسياً للصواريخ الباليستية بقذائف «فلامنغو»

قالت ​هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن الجيش استهدف خلال ‌الليل ‌مصنعاً ​لإنتاج الصواريخ ‌الباليستية بمنطقة ​أودمورتيا في جنوب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
تحليل إخباري المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)

تحليل إخباري الخلافات الفرنسية - الألمانية تُعطّل «مُحرّك» الاتحاد الأوروبي

تأخذ برلين على باريس سياستها الاقتصادية التي تعتبرها «كارثية»، وعنوانها نسبة المديونية الفرنسية قياساً بالناتج الداخلي الخام.

ميشال أبونجم (باريس)
طلبت «سلوفنافت» 7 ناقلات تحمل نفطاً ‌من السعودية ‌والنرويج وكازاخستان وليبيا ⁠في ظل انقطاع إمدادات النفط الروسي عبر خط «دروغبا» (شركة سلوفنافت)

سلوفاكيا تهدد بوقف إمدادات الكهرباء الطارئة لأوكرانيا

هدد رئيس وزراء سلوفاكيا بوقف إمدادات الكهرباء الطارئة إلى أوكرانيا، إذا لم تستأنف كييف في غضون يومين ضخ إمدادات النفط الروسية التي تمر عبر أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.