بوتين يدعو الروس إلى الوحدة... ولافروف يعد شحنات الأسلحة الغربية «أهدافاً مشروعة»

منطقة حظر جوي فوق دونباس... واشتباكات ضارية في ماريوبول

بدأ بوتين كلامه بالعبارة التي يفتتح بها الدستور الروسي وهي «نحن الشعب الروسي متعدد الجنسيات لدينا مصير مشترك نقطن في أرضنا» (رويترز)
بدأ بوتين كلامه بالعبارة التي يفتتح بها الدستور الروسي وهي «نحن الشعب الروسي متعدد الجنسيات لدينا مصير مشترك نقطن في أرضنا» (رويترز)
TT

بوتين يدعو الروس إلى الوحدة... ولافروف يعد شحنات الأسلحة الغربية «أهدافاً مشروعة»

بدأ بوتين كلامه بالعبارة التي يفتتح بها الدستور الروسي وهي «نحن الشعب الروسي متعدد الجنسيات لدينا مصير مشترك نقطن في أرضنا» (رويترز)
بدأ بوتين كلامه بالعبارة التي يفتتح بها الدستور الروسي وهي «نحن الشعب الروسي متعدد الجنسيات لدينا مصير مشترك نقطن في أرضنا» (رويترز)

تحولت ذكرى إعلان قرار ضم شبه الجزيرة القرم إلى روسيا التي صادفت أمس، إلى مناسبة لحشد عشرات الآلاف من مؤيدي العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، في احتفال ضخم تم ترتيبه سريعا، وبدا أن الرئيس فلاديمير بوتين أراد خلاله توجيه رسائل داخلية وخارجية. وحضر الاحتفال الذي أقيم في ملعب لوجنيكي الدولي في وسط موسكو نحو 70 ألف شخص، وقالت المعارضة إن السلطات دفعت طلاب الجامعات وموظفي الدوائر الحكومية للمشاركة، وهو أمر نفت صحته السلطات الروسية وأكدت أن الروح الجماعية الوطنية كانت أبرز ما عكسته المناسبة وفقاً لتليق وسائل إعلام حكومية.
وحرص بوتين أثناء إلقاء خطاب أمام الحاضرين على استخدام لهجة حماسية، عبر تركيزه خصوصاً على «الوحدة الوطنية» وأن «الروس يقفون صفا واحدا». كما أشار إلى أن القوات الروسية «تقوم بعمل بطولي شجاع في أوكرانيا». وقال بوتين وسط هتافات لروسيا قاطعته عدة مرات، إن «سكان القرم اتخذوا قرارهم منذ ثماني سنوات بالعودة إلى حضن الوطن الأم وهذا قرار نوجه إليهم التحية عليه».
قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن هدف العملية العسكرية في أوكرانيا يكمن في وضع حد لـ«إبادة جماعية» تعرض لها سكان منطقة دونباس.
وبدأ كلامه بالعبارة التي يفتتح بها الدستور الروسي، وهي «نحن الشعب الروسي متعدد الجنسيات، لدينا مصير مشترك نقطن في أرضنا». لافتا إلى أن «هذا ما استرشد به سكان القرم وسيفاستوبل عندما صوتوا في استفتاء شعبي لصالح إعادة الانضمام إلى روسيا (...) كانوا يرغبون أن يكون لهم مصير مشترك مع وطنهم التاريخي روسيا». وفي إشارة إلى العملية العسكرية الحالية قال الرئيس الروسي: «اتخذ سكان القرم وسيفاستوبول خطوة صحيحة عندما شكلوا حاجزا راسخا أمام النازيين الجدد والقوميين المتطرفين، ويؤكد صوابهم ما جرى ولا يزال يجري حتى الآن في مناطق أخرى». وزاد «كل هذه الأمور، الإبادة الجماعية، وضرورة تحرير الناس من المعاناة والإبادة هو السبب والدافع الرئيسي للعملية العسكرية التي أطلقناها في دونباس وأوكرانيا».
وكان لافتا أن القنوات التلفزيونية الروسية قطعت بث كلمة بوتين، وهو أمر فسره الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف لاحقا بوقوع «عطل فني». لكن ترجيحات ظهرت حول تعرض عملية البث إلى عمل تخريبي، خصوصاً أن موقفا شبيها وقع عندما تكلمت على المنصة الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا، وفي منتصف كلمتها انقطع الصوت فجأة.
في غضون ذلك، هدد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، باستهداف شحنات المساعدات العسكرية الغربية التي تصل إلى أوكرانيا وقال إنها ستكون أهدافا مشروعة للقوات المسلحة الروسية. وأعلن لافروف أن حكومة كييف في مطالبها الانضمام إلى حلف الناتو لاتخاذ خطوات عسكرية لدعمها تعول على «سياسيين أميركيين أقل مسؤولية» من الرئيس جو بايدن.
موضحا أنه «يبدو لي أن أوكرانيا تدرك أن بايدن، مهما كانت مواقفكم إزاء بعض تصريحاته، هو سياسي مخضرم يفهم أن من غير المقبول إطلاقا إنشاء نوع من منطقة حظر الطيران أو تصدير طائرات حربية إلى أوكرانيا أو اتخاذ خطوات أخرى من شأنها أن تزيد خطر المواجهة المباشرة بين روسيا والناتو».
وتابع لافروف أن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي «يدرك أيضاً أن هناك سياسيين في الولايات المتحدة أقل مسؤولية بكثير (من بايدن)»، خصوصاً داخل الكونغرس، وهم يرضخون للوبي الأوكراني و«يسترشدون بعواطف معادية لروسيا». وأشار لافروف إلى أن روسيا أكدت بوضوح أن أي شحنات أسلحة تصل إلى أوكرانيا من الخارج ستشكل هدفا عسكريا لقواتها، مشددا على أن أحد أهم أهداف العملية العسكرية التي تجريها موسكو في أوكرانيا يكمن في «القضاء على أي خطر على روسيا ينطلق من الأراضي الأوكرانية». وتطرق وزير الخارجية الروسي إلى خطط كييف لمطالبة دول الناتو إمدادها بمنظومات دفاعية صاروخية سوفياتية الصنع، مثل «إس - 300». مذكرا «جميع الدول التي قد تدرس هذه الفكرة بأن منظومات الدفاع الصاروخي سوفياتية وروسية الصنع موجودة بحوزتها بموجب اتفاقات وعقود مبرمة بين الحكومات تتضمن خصوصاً تعهدا من المستعمل يحظر تسليمها إلى أي دول أخرى». وكرر التلويح بأن موسكو «لن تسمح بنشوء وتطبيق مثل هذه المخاطر».
إلى ذلك، برزت مؤشرات إضافية إلى تحقيق تقدم في المفاوضات الجارية بين موسكو وكييف، بالتوازي مع تواصل العمليات القتالية في عدد من المدن الأوكرانية. وقال كبير المفاوضين الروس، فلاديمير ميدينسكي: «في الواقع، يشكل موضوع وضع أوكرانيا الحيادي وعدم انضمامها إلى الناتو إحدى النقاط الرئيسية في المحادثات، وهذه هي النقطة التي تمكن الطرفان من تقريب مواقفهما بشأنها إلى أقصى مدى».
وأشار ميدينسكي إلى أن «الأمر يتعلق حاليا ببعض التفاصيل المرتبطة خصوصاً بماهية الضمانات الأمنية الإضافية التي سيتم تقديمها إلى أوكرانيا في حال تخليها عن فكرة الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي».
وقدر مستوى التقدم الذي تم إحرازه في المحادثات بخصوص مسألة نزع السلاح في أوكرانيا بأن الطرفين «في نصف طريقهما تقريبا»، مشيرا إلى أنه ليس مخولا بكشف أي تفاصيل محددة للعملية التفاوضية.
وأما بخصوص الملف الثالث المطروح للنقاش، وهو مطلب استئصال النازية في أوكرانيا، فقد وصف ميدينسكي الوضع في المحادثات بأنه «غريب»، موضحا أن كييف تنفي وجود أي تشكيلات نازية في أراضيها.
وقال إن المفاوضين الأوكرانيين «يتجاهلون الحقائق التي تهم العالم بأسره»، منها أنشطة وتدريب تشكيلات مسلحة نازية في أراضي هذا البلد وإطلاق أسماء مجرمين نازيين على شوارع مدن كبيرة فيه. وتابع: «أعتقد أننا سنعود غير مرة إلى هذه المسألة التي تحظى بأهمية قصوى لكل من يعتبر نتائج الحرب العالمية الثانية أرضية للنظام العالمي الحالي».
وشدد ميدينسكي على أنه لا يجوز الحديث عن إمكانية عقد لقاء بين الرئيسين الروسي والأوكراني ما لم تتم صياغة وتنسيق نص اتفاق بين موسكو وكييف. في المقابل، أعلن وزير الخارجية الأوكراني، دميتري كوليبا، أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جاهز للقاء نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في أي لحظة، إذا كان الأخير جاهزا له أيضاً.
وأوضح أنه «إذا أظهر بوتين استعداده لمثل هذا اللقاء، فيمكن أن يجري حتى غدا أو بعد غد. إن الرئيس زيلينسكي جاهز لهذا اللقاء. إن موقفه واضح للغاية، وتم صياغته في كل القضايا، أوكرانيا جاهزة لهذا الحوار».
ميدانيا، سيطرت أجواء ساخنة في ماريوبول التي شهدت أمس، أعنف موجات قصف واشتباكات ضارية في عدد من أحيائها، ما دل على نجاح القوات الانفصالية المدعومة بالنيران الروسية من التوغل إلى وسط المدينة.
وقالت وزارة الدفاع الروسية إن «وحدات جمهورية دونيتسك الشعبية، بدعم من القوات المسلحة الروسية، باتت تطوق القوميين المتطرفين في وسط المدينة، وتواصل الضغط عليهم». تزامن ذلك، مع استمرار العمليات العسكرية في خاركيف وفي محيط العاصمة كييف برغم تعثر القوات الروسية من التقدم على المحورين. وفي تطور لافت، أعلن المتحدث باسم قوات دونيتسك إدوارد باسورين، أن روسيا «فرضت منطقة حظر طيران فوق جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين».
وقال باسورين: «من وجهة نظر عسكرية، إذا كانت هناك بعض أنظمة الدفاع الجوي، فليس هناك حاجة لمدنا بها، يكفي أن تتحكم روسيا الاتحادية في السماء بنفسها». وردا على سؤال عما إذا كان قد تم بالفعل الانتهاء من وضع «مظلة» (منطقة حظر جوي) في منطقة دونباس، قال باسورين «نعم، أعتقد ذلك».
في الأثناء، أعلن الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف، حصيلة العمليات القتالية للساعات الـ24 الماضية. وقال في إيجاز يومي أن قوات لوغانسك نجحت في فرض سيطرة كاملة على مساحة 90 في المائة من أراضيها بدعم من القوات المسلحة الروسية. وزاد أنها «تقوم في الوقت الحالي بتدمير مجموعات متفرقة من القوميين المتطرفين في الضواحي الجنوبية لقرية روبيجنويه المحررة».
وأشار إلى أن القوات المسلحة الروسية «تواصل هجومها بنجاح في الاتجاه الشمالي من جمهورية دونيتسك الشعبية، حيث سيطرت على بلدات زولوتايا نيفا ونوفومايورسكويه ونوفودونيتسكويه وبريتشيستوفكا، ووسعت رقعة سيطرتها خلال الـ24 ساعة الماضية بمسافة 16 كيلومترا». وخلال اليوم الأخير، أسقطت أنظمة الطيران ومنظومات الدفاع الجوي التابعة لقوات الدفاع الجوي وفقاً للناطق العسكري، ست طائرات أوكرانية من دون طيار، وقصفت الطائرات العملياتية والتكتيكية والدرونات أكثر من 81 منشأة عسكرية في أوكرانيا، بينها 4 منشآت لأنظمة إطلاق صواريخ متعددة، و3 مراكز قيادة، و8 مستودعات ذخيرة، و28 موقعاً لتخزين المعدات العسكرية.


مقالات ذات صلة

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...