تقديرات استخبارية تتحدث عن مقتل وجرح آلاف الجنود الروس

المساعدات الأميركية لأوكرانيا تتضمن طائرات «كاميكاز» مسيّرة لتوجيه «لكمة» إلى روسيا

جنود روس قُبض عليهم من قبل القوات الأوكرانية (إ.ب.أ)
جنود روس قُبض عليهم من قبل القوات الأوكرانية (إ.ب.أ)
TT

تقديرات استخبارية تتحدث عن مقتل وجرح آلاف الجنود الروس

جنود روس قُبض عليهم من قبل القوات الأوكرانية (إ.ب.أ)
جنود روس قُبض عليهم من قبل القوات الأوكرانية (إ.ب.أ)

إذا صحت تقديرات الاستخبارات العسكرية الأميركية لحجم الإصابات التي تعرض لها الجيش الروسي خلال 3 أسابيع فقط من حربه في أوكرانيا، فقد تكون مؤشراً على أن تلك الحرب في طريقها للتحول إلى مستنقع كبير لروسيا. بيد أن إعلان إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن عن تقديم مساعدة أمنية غير مسبوقة، تتضمن بالدرجة الأولى أسلحة دفاعية فتاكة، وأخرى هجومية، على رأسها طائرات مسيّرة من نوع «كاميكاز»، يعني أن الولايات المتحدة قررت «معاقبة» روسيا بشكل قاس على مغامرتها غير المحسوبة «لتغيير» النظام الدولي؛ أو على الأقل لتغيير ميزان القوى في القارة الأوروبية.
وبحسب تقييمات استخبارية، نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية، وعن مصادر روسية وأوكرانية ومن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، فقد مُني الجيش الروسي بخسائر بشرية فادحة، قدرت بنحو 7 آلاف جندي؛ بينهم 3 جنرالات كبار، وجرح ما بين 14 ألفاً و21 ألف جندي؛ أي ما يعادل 10 في المائة من عدد القوات الروسية المشاركة في «العملية العسكرية». وهو ما عدّ رقماً «مذهلاً»، مع ما يترتب عليه من آثار على الفاعلية القتالية للوحدات الروسية وتشكيلاتها المختلفة؛ الأمر الذي يجعل تلك الوحدات غير قادرة على تنفيذ المهام القتالية. وإذا أضيف إلى تلك التقديرات، تقرير استخباري بريطاني، يتحدث عن «تعثر» روسي إلى حد كبير على كل الجبهات العسكرية في أوكرانيا، وعن الفشل، بعد 3 أسابيع، في السيطرة على أي مدينة أوكرانية كبرى، فإن التساؤل يصبح مشروعاً، ليس فقط عن وجهة هذه الحرب، بل وعن مدى فاعلية الجيش الروسي نفسه. فقد جرى تصوير التحديث الذي خضع له منذ وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000 على أنه الأكبر، ووضعه تبعاً للدعاية الروسية نفسها، في مصاف الجيوش الأكثر قوة في العالم. وبحسب المسؤولين الدفاعيين الأميركيين، فإن خسائر الجيش الروسي فاقت ما تعرض له الجيش الأميركي من خسائر خلال 20 عاماً من الحرب في العراق وأفغانستان.
وكشفت «وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون)»، يوم الأربعاء، عن أنها ستوسع حجم الأسلحة التي يجري نقلها إلى أوكرانيا ونطاقها؛ بما في ذلك تسليم طائرات مسيّرة مسلحة للمرة الأولى، قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالوحدات الأرضية الروسية، في الوقت الذي يواصل فيه المسؤولون الأميركيون البحث عن أنظمة دفاع جوي متطورة من الحلفاء الأوروبيين، لتمكين الجيش الأوكراني من مواجهة التفوق الجوي الروسي، خصوصاً في الارتفاعات العالية، بحسب مصادر في البنتاغون.

وتزامن هذا الكشف مع توقيع الرئيس بايدن على مساعدة أمنية إضافية لأوكرانيا بقيمة 800 مليون دولار، بعد ساعات على النداء العاطفي الذي وجهه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى الكونغرس، طالباً من الولايات المتحدة إما إنشاء منطقة حظر طيران فوق بلاده، وإما توفير طائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي قوية، من شأنها أن تمكن جيشه من إسقاط الطائرات الروسية. وقال زيلينسكي: «أنا بحاجة لحماية سمائنا»، داعياً الولايات المتحدة إلى «بذل المزيد» في «أحلك الأوقات لبلدنا».
وطلب على وجه الخصوص الحصول على منظومات «إس300» و«أنظمة أخرى مماثلة» غربية يمكنها إخراج الطائرات التي تحلق على ارتفاعات عالية. وشكر بايدن زيلينسكي على «رسالته العاطفية» وقال إنها كانت «مقنعة» و«مهمة»، ليعلن عن حزمة جديدة من تلك المساعدات «ستوفر من تلقاء نفسها مساعدة غير مسبوقة لأوكرانيا». وعدّ أن إدراج الطائرات من دون طيار «يوضح التزامنا بإرسال أنظمتنا الأكثر تطوراً إلى أوكرانيا للدفاع عن نفسها».
وبحسب مسؤول دفاعي أميركي، فإن حزمة المساعدات الجديدة التي جرت الموافقة عليها يوم الأربعاء، تشمل 100 طائرة من دون طيار من طراز «سويتش بلاد»، وهي طائرة صغيرة من دون طيار محملة بالمتفجرات لتصطدم بالأهداف بطريقة «كاميكاز» الانتحارية. وهذه الطائرات ذات الاستخدام الواحد تعدّ أرخص من معظم الطائرات الأميركية من دون طيار، وتصنعها شركة «أيرو فايرومنت»، وتأتي بحجمين، وهي مصممة لتُحمل في حقيبة ظهر، لمساعدة وحدات المشاة الصغيرة على تتبع تحركات الجنود الروس. ويزن الحجم الصغير منها نحو 3 كيلوغرامات ويطير نحو 15 دقيقة، فيما يزن الحجم الأكبر نحو 10 كيلوغرامات ويطير نحو 40 دقيقة، ويمكنها استهداف المركبات المدرعة. لكن لم يتضح ما النسخة التي ستسلم إلى أوكرانيا.
وأكد المسؤول الدفاعي أنه «من الآمن افتراض» أن أحد أغراض الطائرات من دون طيار هو «توجيه لكمة». وأضاف أنه لن يستبعد إرسال الولايات المتحدة مزيداً من الطائرات من دون طيار إلى أوكرانيا بطريقة متدرجة، كما حدث مع قيام البنتاغون بإرسال صواريخ «جافلين» المضادة للدبابات، وصواريخ «ستينغر» المحمولة على الكتف المضادة للطائرات على مستوى منخفض.
وقال البيت الأبيض في «بيان حقائق»، الأربعاء، إن العناصر الأخرى التي ستُضمّن في أحدث حزمة من المساعدات العسكرية المعتمدة، تشمل 800 صاروخ «ستينغر»، و9 آلاف سلاح مضاد للدروع. وتشمل الفئة الأخيرة 2000 صاروخ «جافلين»، و6 آلاف صاروخ «إيه تي4»، وألف سلاح «خفيف» مضاد للدروع. كما سيرسل البنتاغون 100 قاذفة قنابل يدوية، و5 آلاف بندقية، وألف مسدس، و400 رشاش، و400 بندقية، وأكثر من 20 مليون طلقة من ذخيرة الأسلحة الصغيرة، بالإضافة إلى قاذفات القنابل وقذائف الـ«هاون»، و25 ألف مجموعة من الدروع الواقية، و25 ألف خوذة.
وأضاف بيان البيت الأبيض أنه بالإضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى، التي تنتجها الولايات المتحدة وتستخدمها أوكرانيا بشكل كبير، حددت الولايات المتحدة أيضاً «أنظمة إضافية طويلة المدى» سبق أن تلقت القوات الأوكرانية التدريب عليها بصفتها ذخائر إضافية لتلك الأنظمة، وتساعد الأوكرانيين في الحصول عليها، في إشارة على ما يبدو إلى جهود واشنطن لتوفيرها من حلفائها الأوروبيين ومن دول «حلف وارسو» السابق، وهو الأمر الذي رفض بايدن خلال توقيعه على حزمة المساعدات التحدث عنه علناً.
وختم بيان البيت الأبيض بالقول إن الولايات المتحدة «تواصل تسريع تفويض المساعدة الإضافية لأوكرانيا وتسهيلها من حلفائنا»، وأن «30 دولة قدمت على الأقل مساعدة أمنية لأوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي»، وأن «وزارة الخارجية أذنت هذا العام بنقل معدات دفاعية من طرف ثالث، من أكثر من 14 دولة»، وأن «هذا العدد يرتفع، ويزيد الحلفاء والشركاء دعمهم أوكرانيا».
وجاء بيان البيت الأبيض في الوقت الذي كان فيه وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، يشارك في اجتماعات وزراء دفاع دول «حلف الناتو» في بروكسل، ومع زيارته المتوقعة لكل من سلوفاكيا وبلغاريا، وهي دول في «الناتو» وتمتلك أنظمة «إس300» المضادة للطائرات على ارتفاعات أعلى.
ورفض البنتاغون الإفصاح عن تفاصيل صواريخ «أرض - جو» الأوروبية الإضافية التي يمكن إرسالها إلى أوكرانيا. كما كشف البيت الأبيض عن اتصال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، بنظيره اليوناني، ثانوس دوكوس، يوم الأربعاء. وقالت إميلي هورن، المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي، إن اليونان (التي تمتلك أيضاً صواريخ «إس300)، «كررت التزامها بالجهود الدولية لمحاسبة موسكو على أفعالها ولضمان أن أوكرانيا لديها القدرة على الدفاع عن نفسها».


مقالات ذات صلة

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»

أوروبا خلال إحياء ذكرى الجنود الأوكرانيين الذين سقطوا في الحرب... في المقبرة العسكرية بخاركيف في أوكرانيا - 24 فبراير 2026 (إ.ب.أ) p-circle

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»... وواشنطن قد ترفع العقوبات عن مزيد من النفط الروسي

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا كيم جونغ أون يزور موقع بناء غواصة تعمل بالطاقة النووية قادرة على إطلاق صواريخ «بحر - جو» (رويترز) p-circle

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا... النقاشات حولها تتزايد مع دخول حرب أوكرانيا عامها الخامس

رائد جبر (موسكو)
أوروبا مجندون جدد أوكرانيون يتدربون بالقرب من خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 22 فبراير 2026 (رويترز) p-circle

حرب إيران تخلط أوراق بوتين وتُحرّك ملف أوكرانيا في اتجاهين متعاكسين

لا تبدو الحرب الجارية ضد إيران حدثاً بعيداً بالنسبة للكرملين عن معركة أوكرانيا، بل اختبار مباشر لما تبقّى من قدرة موسكو على التأثير خارج جبهتها الرئيسية.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية مدمرات صواريخ موجهة تابعة للبحرية الأميركية تطلق صواريخ على الأراضي الإيرانية الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

روسيا تزود إيران بمعلومات استخباراتية لاستهداف القوات الأميركية

أفادت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية بأن روسيا تزود إيران ببيانات استهداف تتعلق بمواقع القوات الأميركية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية طائرة إيرانية مسيرة من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا تحلق بالسماء قبل ثوانٍ من اصطدامها بالمباني في كييف (أ.ب)

أوكرانيا سترسل «قريباً» خبراء عسكريين في المسيّرات إلى الشرق الأوسط

ترسل أوكرانيا «قريباً» عسكريين إلى الشرق الأوسط؛ لمساعدة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة على التصدي لهجمات إيران بالمسيّرات.

«الشرق الأوسط» (كييف)

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.