«شاهد على مجزرة» يفر من الجنود الروس «عبر حقل ألغام»

أولكسي وعائلته قبل الانطلاق نحو بولندا
أولكسي وعائلته قبل الانطلاق نحو بولندا
TT

«شاهد على مجزرة» يفر من الجنود الروس «عبر حقل ألغام»

أولكسي وعائلته قبل الانطلاق نحو بولندا
أولكسي وعائلته قبل الانطلاق نحو بولندا

«لم أنظر في عيون الجنود الروس، حملت ابنتي ذات الأعوام الستة، ومشيت بينهم نحو حقل الألغام مباشرةً». يضيف أولكسي (43 عاماً) القادم من بوتشا قرب كييف يوم الاثنين الماضي: «سرت نحو حقل الألغام، سبق أن شاهدت كلاباً تنفجر في هذا الحقل، والروس يعلمون أن المنطقة مزروعة بالألغام، حين وصلت إلى الحقل قلت لزوجتي: سيري خلفي مع الجميع، ابقوا على مسافة عدة أمتار. سرت أولاً، عبرت حقل الألغام وخلفي عائلتي حتى وصلت إلى طريق فرعية صغيرة أعرفها». كان أولكسي يروي قصة الفرار من بوتشا بينما زوجته داخل غرفة ملجأ تُلبس الطفلة الصغيرة وتوضب ما حصلوا عليه من أغراض من التبرعات استعداداً لمغادرة منطقة سوفيسكا بورشاهيفكا الواقعة على مسافة 12 كيلومتراً من بوتشا.
أولكسي وزوجته ووالدتها وثلاثة أطفال بقوا في الملجأ الرطب والبارد تحت الأرض في بوتشا حتى بعد أن وقعت في أيدي الروس. لأيام طويلة اختفوا تحت الأرض. كانوا يسمعون أصوات الاشتباكات والقصف، ثم هدير الدبابات الروسية. بعد أيام قرر أولكسي أن يخرج ليحاول الحصول على الطعام. «حينها رأيت قرب سكة الحديد في شارع كييفو مروتسكا الكثير من الجثث. مدنيون. رجال وامرأة وثلاثة أطفال». يقول وهو يتحدث كالمنوّم مغناطيسياً: «جميعهم قتلى وجثثهم بعضها قرب بعض على جانب طريق المحطة. ثم قرب المدرسة في شارع فوكسالنا شاهدت المزيد من الجثث».

الجيش الأوكراني يمنع الاقتراب من نقطة القصف في كييف

قرر الرجل عندها مغادرة القرية حيث يعيش ويعمل. «نحن فلاحون بسطاء، قررت البقاء على الرغم أنني علمت أن القوات الأوكرانية تتراجع. أنا أثق بالجيش، اعتقدت أنه سيعود إلى قريتنا خلال أيام، ولكن مضت أيام ونحن نعيش تحت الأرض، وحين رأيت الجثث قررت المغادرة. خفت على زوجتي وأطفالي».
وحدها حماة أولكسي تبدو متماسكة. زوجته تبدو كأنها تتحرك في عالم آخر، والأطفال يتحركون دون هدف. يذهبون ويجيئون من غير هدى. المرأة الأكبر سناً تشير لابنتها الأم بكيفية توضيب الشنط، وتضبط الأطفال، ويعلو مواء قطة تنتظر بصبر في قفص بلاستيكي.
أولكسي يتابع سرد القصة، ثم يستطرد ويعود للسياق بعد دقيقة ليتابع من حيث توقف ليستطرد، مضيفاً فوق صعوبة اللغة صعوبة في المتابعة: «نعم رأيت الجثث فتوجهت إلى المنزل. أخذت العائلة ومررنا أمام الجنود الروس، تحاشيت النظر في وجوههم أو عيونهم، توجهت مباشرة نحو حقل الألغام، سرت في المقدمة، وخلفي الجميع، كنت أنتظر أن ينفجر بنا لغم، ثم وصلت إلى طريق فرعية أعرفها، سلكتها وبقيت أسير لأكثر من نصف ساعة، وصلت إلى منعطف آخر وعبرت باتجاه إربين. هناك أوقفني جنود أوكرانيون، طلبوا منّا التخلي عن كل ما نحمله لأننا سنضطر للركض. ركضنا لمسافات طويلة حتى نبتعد عن نيران الروس».
بعد الوصول إلى أطراف إربين نقله الجنود الأوكرانيون إلى منطقة سوفيسكا بورشاهيفكا، حيث حصل على مساعدة وطعام واهتمّ المتطوعون به وبعائلته، وبقي يومين ليرتاح قبل تأمين انتقاله في حافلة خاصة لنقلهم مباشرة إلى بولندا.
«ربما أكثر من 15 جثة»، يقول الرجل مؤكداً أنه لم يستطع أن يميز أي شخص يعرفه، كونه لم يدقق. رأى الضحايا بسرعة واعتقد أنهم على الأرجح كانوا يحاولون عبور القرية إلى إربين، خصوصاً أنه شاهد سيارات مهجورة في أماكن مختلفة. وحين يُسأل إن كان يعلم أنه يصف جريمة حرب، وأن الاتهام قد يحمّله تبعات، وأن مثل هذه الشهادة قد تؤدي إلى استدعائه لاحقاً أمام محاكم محلية أو دولية، يهز رأسه بالإيجاب ويقول: «نعم أعلم ماذا أقول».
في مركز المتطوعين لا يبدو ما يقوله أولكسي غريباً عنهم. لم يشاهد أحد من المتطوعين أي جريمة مشابهة ولكنهم سمعوا من قادمين من مناطق مختلفة قريبة من كييف أخباراً وشهادات مشابهة.

النقطة الأخيرة للمدنيين قبل مناطق الجبهات في إربين

- كييف... ليل طويل ونهار صعب وحظر تجول
لم يبدأ يوم كييف بهدوء. طوال الليل كانت صفارات الإنذار تطلق دويها المتوتر، والهواتف الخليوية تستقبل أوامر حكومية بالنزول إلى الملاجئ نظراً لتحليق الطيران أو استهداف الصواريخ للعاصمة. الخامسة فجراً يدوّي انفجار كبير. صباحاً يُسمع دوي انفجار آخر، لكن انفجار الليل لم يكن يبعد عن ساحة الاستقلال في قلب العاصمة سوى نحو كيلومترين.
قبل التوجه نحو مكان الانفجار تبدأ المعلومات بالوصول حول صحافي آخر جريح. ليس من «نيويورك تايمز» ولا من «سكاي نيوز»، ولكنه من «فوكس نيوز». عثرت القوات الأوكرانية على الصحافي المصاب، الذي تردد أنه فقد ساقه، بينما فشلت هذه القوات في العثور على سائقه ومترجمه. «مصيرهما مجهول أتمنى ألا يكونا قد قُتلا»، يقول أحد الذين شاهدوا عملية إخراج الصحافي المصاب من مناطق الاشتباكات. لكن المسعفين فشلوا في إنقاذ حياته. فقد أعلنت «فوكس نيوز» مقتل مصورها بيار زاكرزوسكي وجرح زميله بنجامين هول عندما أُصيبت العربة التي كانا بداخلها بإطلاق نار في هورنيكا، قرب كييف. ولا يزال هول، وهو بريطاني يعمل مراسلاً للمحطة لدى وزارة الخارجية، في مستشفى في أوكرانيا، وفق ما أعلنت «فوكس نيوز» التي أعلنت أن «بيار كان مصوراً حربياً غطى كل الأخبار الدولية لـ(فوكس نيوز) تقريباً من العراق إلى أفغانستان إلى سوريا خلال فترة عمله الطويلة معنا»، مضيفة أن «شغفه وموهبته كصحافي لا مثيل لهما». وبدأ زاكرزوسكي العمل في أوكرانيا منذ فبراير (شباط). والأحد قُتل برنت رونو (50 عاماً) الصحافي الأميركي المختص في الفيديوهات الوثائقية، في إربين، قرب كييف.
وجاءت الأنباء عن مقتل الصحافيين زاكرزوسكي ورونو في ظل انفجارات هزت كييف نفسها، فجر أمس. ويقول أوليك (68 عاماً): «استيقظت على دويّ انفجار. أعتقد أن هناك إصابتين، أو ربما قتيلين، لا أعلم تحديداً، ولكن لم نتمكن من النزول إلى الملاجئ إلا بعد حصول الانفجار، وخرجنا بعدها لنجد المبنى التجاري مدمراً، والأضرار تعم الشارع».
ويروي أوليك الذي كان في القوات الخاصة السوفياتية قبل انهيار المنظومة الاشتراكية، أن المبنى كان فيما مضى مصنعاً عسكرياً قبل أن يتحول إلى مبنى يضم مكاتب وبعض الصناعات الخفيفة. ويبتسم بمرارة حين يُسأل: كيف لمصنع عسكري أن يكون بين منازل المدنيين، فيقول: «إنها الاشتراكية».
تزداد الحواجز في العاصمة الأوكرانية مع مرور الوقت ومعها أعمال التحصين. الجديد هو إنشاء حفر في بعض النواحي على أطراف العاصمة. ويبدو أن هذه الحفر ستشكّل خط الدفاع الأول عن العاصمة. ومع انتشار المزيد من حواجز المتطوعين عمدت الشرطة إلى المشاركة في كل الحواجز بعنصرين نظاميين لضبط الأمور ومنع خروجها عن سياقها. وحتى على حواجز الجيش النظامي أصبح مألوفاً رصد عناصر من الشرطة المحلية أيضاً.
عند العاشرة صباحاً يصل المزيد من المواطنين من مناطق محيطة بالعاصمة إلى آخر نقطة آمنة قبل الجبهات. على طرف نوفو بليتسكي (لا تزيد المسافة من الطريق إلى نقطة الاشتباك على خمسة كيلومترات)، هناك يدقق المتطوعون بإشراف الشرطة والجيش بهويات القادمين من النواحي الواقعة تحت سيطرة القوات الروسية. «نحاول التأكد من هوياتهم، يمكن لعملاء روس أو عناصر من القوات الخاصة التسلل بسهولة إلى داخل كييف. اللغات مشتركة واللهجات مختلطة بيننا»، حسبما قال فلوديمير (43 عاماً) وهو يناقش تفاصيل التفتيش مع بعض عناصره.
فلوديمير المدني المتطوع ضمن قوات الدفاع الوطني يدير نقطة المعبر هذه تحت إمرة وزارة الداخلية والشرطة، وعناصر قليلة من الجيش موجودة بهدف التنسيق، فيما عشرات من الواصلين يحصلون على العلاج والماء والطعام الساخن والثياب قبل أن يتم التدقيق في هوياتهم وتفتيش أغراضهم بدقة. عناصر من الصليب الأحمر وهيئات الإسعاف المحلية تساعد في عمليات الإخلاء بعد موافقة الدفاع الوطني، وتنقل المصابين وكبار السن نحو مراكز إيواء مؤقتة قبل تحويلهم إلى الوجهات التي يريدون الذهاب إليها.
تقف الشرطية قرب زجاج سيارتنا: «ممنوع المرور، هذه الطريق تتعرض لعمليات حربية»، تقول. في العادة كان يكفي إظهار بطاقة الاعتماد من الجيش الأوكراني ليتم فتح الطريق نحو نقاط الجيش، ولكن هذه المرة حين رأت الشرطية البطاقة طلبت منّا العودة من حيث أتينا: «الصحافيون يموتون هنا، عليكم العودة فوراً، هذه أوامر الجيش، ممنوع أن تتابعوا الطريق».
الواحدة ظهراً. أغلقت الشرطة كل الطرق المؤدية إلى إربين. أصبحت أوامر الإغلاق أكثر تشدداً، ومن مبعدة بضعة مئات من الأمتار لا يتوقف صوت المدفعية الأوكرانية عن الهدير. المَرابض القريبة تقصف الخطوط الروسية دعماً لقوات المشاة. معارك قاسية تحصل على مسافة نحو خمسة كيلومترات من حيث نقف، بينما المدنيون يتحركون بغير اكتراث. يقول أحدهم (رافضاً إعطاء اسمه): «هذه مدفعيتنا. الروس لن يتمكنوا من الوصول إلى هنا». لكنّ مظاهر التدشيم والتحصين على طول الطرق تقول إن القوى المسلحة الأوكرانية تستعد لتقدم الروس.
خبران عاجلان يصلان: إعلان حظر التجول لـ35 ساعة متواصلة بغية تسهيل عمليات القبض على عملاء للروس وبعض المتسللين من الجبهات. والخبر الآخر دعوة عمدة كييف لكل الشبان في العاصمة للعودة فوراً إلى المدينة والدفاع عنها في حال حصول أي تقدم.
دقائق قليلة بعد شيوع خبر منع التجول وتزدحم المحال التجارية والصيدليات بالزبائن، تبدأ الصفوف بالاستطالة. المستهلكون يكدسون البضائع في عربات التسوق، وتبدأ حركة السير بالازدياد فتزدحم الحواجز. الآن أصبحت إشارة الصحافة الظاهرة على السيارة مدعاة تدقيق. لقد بدأت عمليات التأكد من حمل سائقي هذه السيارات والعابرين فيها لبطاقات الاعتماد الصادرة عن الجيش، مخافة أن يستغل المتسللون الإشارات الصحافية لتسهيل حركتهم.
لا يتوقف الهاتف عن إعطاء إشارات التحذير من غارت الطيران الحربي الروسي، بينما تتحول العاصمة تدريجياً أمام أنظارك إلى حصن من أكياس الرمل البيضاء والجنود المتطوعين والعوائق الحديدية المصنّعة على عَجَلٍ محلياً. إنها كييف في يوم مشمس تستعد للمرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

المستشار الألماني يطالب واشنطن بإشراك أوروبا في مفاوضات السلام بشأن أوكرانيا

أوروبا الطاقم الأميركي خلال مفاوضات جنيف حول أوكرانيا في 17 فبراير 2026 (أ.ب) p-circle

المستشار الألماني يطالب واشنطن بإشراك أوروبا في مفاوضات السلام بشأن أوكرانيا

دعا المستشار الألماني الرئيس الأميركي إلى ممارسة مزيد من الضغط على موسكو، مطالباً بإشراك أوروبا في المفاوضات الثلاثية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

مقابل صواريخ دفاعية... أوكرانيا تقترح تزويد دول شرق أوسطية بوسائل لاعتراض المسيّرات

اقترح الرئيس الأوكراني على الدول الشرق أوسطية الحليفة للولايات المتحدة مقايضة صواريخ أنظمة الدفاع الجوي الأميركية المنشأ «باتريوت» لديها بالمضادات الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الطاقم الأميركي خلال مفاوضات جنيف حول أوكرانيا في 17 فبراير 2026 (أ.ب)

الكرملين مطمئن بأن واشنطن لن تتخلى عن التزاماتها تجاه محادثات السلام الأوكرانية

زيلينسكي يخشى أن يؤدي صراع الشرق الأوسط إلى تأخير تسليم الأسلحة التي تحتاجها بلاده في حربها ضد روسيا

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانيون يزورون نصباً تذكارياً مؤقتاً للجنود القتلى في ساحة الاستقلال بكييف الاثنين (أ.ف.ب)

الكرملين لا يزال منفتحاً على وساطة أميركية في حرب أوكرانيا

أعلن الكرملين أنه لا يزال منفتحاً على دور الوساطة الذي تقوم به واشنطن في ملف تسوية الحرب الأوكرانية، رغم استيائه من «العدوان» الأميركي على إيران.

رائد جبر (موسكو)
تحليل إخباري جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري معضلة جديدة أمام واشنطن وموسكو... لا سلام في أوكرانيا من دون أوروبا

يشعر أوروبيون بالذعر من احتمال توصل الرئيسين الأميركي، دونالد ترمب، والروسي، فلاديمير بوتين، إلى اتفاق بشأن أوكرانيا، يجري التفاوض عليه من دونهم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
TT

التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)

أصبحت الحرب الإلكترونية من أهم أدوات الصراع العسكري في العصر الحديث، إذ تعتمد على التحكم في البيئة الكهرومغناطيسية بهدف تعطيل أنظمة العدو أو تضليلها. ومن أبرز تطبيقاتها التشويش على الصواريخ والذخائر الذكية التي تعتمد في توجيهها على إشارات إلكترونية مختلفة مثل إشارات الأقمار الاصطناعية أو الحساسات الرادارية والحرارية. ويكمن هدف هذا النوع من العمليات في إرباك أنظمة التوجيه ومنعها من تحديد الهدف بدقة.

كيف تعمل الصواريخ الذكية؟

تعتمد معظم الصواريخ الذكية الحديثة على مجموعة من أنظمة الملاحة والتوجيه. فبعضها يستخدم إشارات الأقمار الاصطناعية مثل نظام GPS لتحديد الموقع بدقة عالية، إلى جانب نظام الملاحة القصورية INS الذي يعتمد على قياس الحركة والاتجاه داخلياً. كما قد تستخدم الصواريخ حساسات رادارية أو كاميرات حرارية وبصرية لتعقب الهدف، إضافة إلى روابط اتصال لاسلكية تسمح بتحديث مسارها في أثناء الطيران. يهدف الجمع بين هذه الأنظمة إلى زيادة الدقة وضمان استمرار التوجيه حتى في حال تعطل أحد الأنظمة.

التشويش والتضليل: طريقتان للهجوم الإلكتروني

يمكن للهجوم الإلكتروني أن يؤثر في هذه الأنظمة بطريقتين رئيسيتين. الأولى هي التشويش، حيث تُبث إشارات قوية على التردد نفسه لإرباك أجهزة الاستقبال ومنعها من التقاط الإشارة الأصلية. أما الطريقة الثانية فهي التضليل أو التزوير الإلكتروني، حيث تُرسل إشارات مزيفة تشبه الإشارات الحقيقية، ما يجعل الصاروخ يعتقد أنه يتلقى بيانات صحيحة بينما يتم توجيهه فعلياً إلى مسار خاطئ.

خلال إطلاق صواريخ موجهة خلال تدريب عسكري عام 2013 قبالة مدينة تشينغداو الساحلية في الصين (رويترز)

كيف يتغير مسار الصاروخ؟

في حالة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، قد يبدأ الهجوم بإغراق جهاز الاستقبال بالضجيج الإلكتروني حتى يفقد الاتصال بالإشارة الأصلية، ثم يتم إرسال إشارات مزورة أقوى قليلاً من الإشارة الحقيقية. وإذا نجح هذا الأسلوب، يبدأ النظام الملاحي في حساب موقع خاطئ تدريجياً، ما يؤدي إلى انحراف الصاروخ عن هدفه.

أما الصواريخ التي تعتمد على الرادار أو الحساسات الحرارية، فيمكن خداعها بوسائل مختلفة مثل الضجيج الإلكتروني أو الأهداف الوهمية أو الشعلات الحرارية. وفي هذه الحالات قد يفقد الصاروخ اتجاهه نحو الهدف أو يتجه نحو هدف مزيف.

النتائج العملية للتشويش

عندما ينجح التشويش، غالباً لا ينحرف الصاروخ بشكل مفاجئ، بل تظهر النتيجة على شكل زيادة تدريجية في الخطأ عند إصابة الهدف. فالصاروخ قد يواصل الطيران اعتماداً على نظام الملاحة القصورية، لكنه يفقد التحديثات الدقيقة القادمة من الأقمار الاصطناعية. أما في حالة التضليل الإلكتروني، فقد تكون النتائج أخطر لأن النظام يعتقد أن البيانات التي يتلقاها صحيحة، فيعدل مساره بناءً على معلومات خاطئة.

محاولات الحد من تأثير التشويش

لمواجهة هذه التهديدات، تعمل الجيوش على تطوير وسائل حماية إلكترونية متقدمة، مثل تحسين معالجة الإشارات، وإدارة الترددات لتقليل تأثير التشويش. كما تُستخدم أنظمة لكشف الإشارات المزورة في مستقبلات الملاحة، إلى جانب الاعتماد على أكثر من نظام توجيه في الوقت نفسه.

ورغم هذه الإجراءات، يبقى التشويش الإلكتروني سلاحاً فعالاً في الحروب الحديثة، لأنه يسمح بإضعاف دقة الأسلحة الذكية دون الحاجة إلى تدميرها مباشرة.

اقرأ أيضاً


«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
TT

«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)

منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، اجتاحت الفضاء الرقمي موجة واسعة من المواد المضللة، تراوحت بين صور أُعيد تدويرها، ومقاطع من ألعاب فيديو قُدّمت على أنها ضربات صاروخية، ومشاهد قتالية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، فيما وصفها محللون بأنها «حرب سرديات».

وبعدما أشعلت الضربات الأميركية والإسرائيلية نهاية الأسبوع نزاعاً إقليمياً، اندلعت حرب معلومات موازية، إذ أغرق أنصار الطرفين وسائل التواصل الاجتماعي بمعلومات مضللة غالباً ما تنتشر بوتيرة أسرع من الوقائع على الأرض.

ودحض مدققو الأخبار في «وكالة الصحافة الفرنسية» سلسلة ادعاءات نشرتها حسابات مؤيدة لإيران أعادت نشر مقاطع قديمة للمبالغة في حجم الأضرار الناجمة عن ضربات طهران الصاروخية على إسرائيل ودول خليجية.

وقال مصطفى عياد من «معهد الحوار الاستراتيجي» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «ثمة بالتأكيد حرب سرديات تدور على الإنترنت».

وأضاف: «سواء كان الهدف تبرير الضربات عبر الخليج أو الترويج للقوة العسكرية الإيرانية في مواجهة الضربات الإسرائيلية والأميركية، يبدو أن الغاية هي إنهاك العدو».

وفي الضفة المقابلة، دفعت وسائل إعلام معارضة إيرانية بسرديات مضللة على منصتي «إكس» و«تلغرام» تُحمّل الحكومة الإيرانية مسؤولية ضربة صاروخية استهدفت مدرسة للبنات في إيران، بحسب باحثين.

كما حذّر المعهد من ظهور حسابات مزيفة تنتحل صفة قيادات إيرانية رفيعة.

وفي الأثناء، حصدت مقاطع من ألعاب فيديو أُعيد توظيفها على أنها ضربات صاروخية إيرانية، وصور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر إغراق سفن حربية أميركية، بينها حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، ملايين المشاهدات عبر منصات عدة.

وسُجلت أساليب تضليل مماثلة في نزاعات عالمية أخرى، بينها الحرب في أوكرانيا والحرب في غزة.

وقال عياد: «إنها حقاً سرعة وحجم هذه المواد التي تبعث على الدهشة، وتغذي قدراً كبيراً من الالتباس عبر الإنترنت بشأن الأهداف التي تم قصفها أو أعداد الضحايا على سبيل المثال».

ووفقاً لمرصد «نيوزغارد» لمراقبة الأخبار المضللة، حصدت هذه المشاهد الملفّقة التي تُظهر إيران بصورة أكثر تهديداً مما تشير إليه المعطيات الميدانية، أكثر من 21.9 مليون مشاهدة على منصة «إكس» وحدها.

«ضباب الحرب»

وأعلنت منصة «إكس» الثلاثاء أنها ستعلّق مشاركة صانعي المحتوى في برنامج تقاسم العائدات لمدة 90 يوماً إذا نشروا مقاطع عن نزاعات مسلحة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي من دون الإفصاح عن كونها مصطنعة.

ويستهدف تعديل السياسة ما وصفته الشركة بتهديد لمصداقية المعلومات في خضم الحرب الجارية ضد إيران.

وقال رئيس قسم المنتجات في «إكس» نيكيتا بير إنه «خلال أوقات الحرب، من الضروري أن يتمكن الناس من الوصول إلى معلومات موثوقة من الميدان»، مضيفاً أن تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية تجعل «من السهل جداً إنشاء محتوى قد يضلل الناس».

ويمثل إلزام الإفصاح عن المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي تحولاً ملحوظاً لمنصة واجه نهجها في إدارة المحتوى انتقادات واسعة منذ استحواذ إيلون ماسك عليها مقابل 44 مليار دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

وقال آري أبيلسون، الشريك المؤسس لشركة «أوبن أوريجينز» المتخصصة في التحقق من صحة المحتوى الإعلامي ومكافحة التزييف العميق «إن ضباب الحرب يتحول سريعاً إلى فوضى عارمة، إذ يخلق المحتوى الاصطناعي بالذكاء الاصطناعي ضجيجاً لا متناهياً في بيئات المعلومات».

وأضاف أنه «مع تصاعد حدة صراع عالمي آخر ذي تأثير بالغ في إيران، من المهم أن نفهم جميعاً كيف يعمل نظامنا الإعلامي».

وفيما قد يزيد من حدة الفوضى الرقمية، أظهرت دراسة «نيوزغارد» أن أداة البحث العكسي عن الصور التابعة لشركة «غوغل» قدّمت ملخصات غير دقيقة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي لصور مفبركة ومضللة مرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط.

وقالت الهيئة إن ذلك يكشف عن «ثغرة كبيرة في نظام يُستخدم على نطاق واسع للتحقق من صحة الصور». ولم يصدر تعليق فوري من «غوغل».


ميرتس يرفض تهديدات ترمب بقطع العلاقات الاقتصادية مع إسبانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)
TT

ميرتس يرفض تهديدات ترمب بقطع العلاقات الاقتصادية مع إسبانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)

رفض المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الثلاثاء، بشكل قاطع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقطع العلاقات الاقتصادية مع إسبانيا.

وقال ميرتس لقناة «إيه آر دي» الألمانية، عقب لقائه ترمب في البيت الأبيض: «أوضحت له بجلاء: لا يمكنكم إبرام اتفاق منفرد مع ألمانيا، أو اتفاق يشمل أوروبا بأكملها مع استثناء إسبانيا. نحن جميعاً في القارب نفسه هنا».

كان ترمب قد انتقد مدريد علناً خلال الاجتماع، قائلاً إن بعض الدول الأوروبية، بما في ذلك إسبانيا، تصرفت بشكل سيئ خلال الضربات الأميركية ضد إيران. وأشار إلى أن إسبانيا رفضت السماح باستخدام قواعدها العسكرية، مهدداً بأن الولايات المتحدة قد توقف التجارة معها رداً على ذلك، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكد ميرتس أن إسبانيا عضوة في الاتحاد الأوروبي، وأي مفاوضات تجارية مع الولايات المتحدة يجب أن تُجرى بشكل جماعي أو لا تُجرى على الإطلاق. وشدد على أنه لا يمكن استهداف إسبانيا بعقوبات منفردة.

وأكد ترمب لميرتس أن الولايات المتحدة تعتزم الإبقاء على وجودها العسكري في ألمانيا. وقال المستشار الألماني: «لم يؤكد لي ذلك اليوم فقط، بل جدد التأكيد مرة أخرى على أن الولايات المتحدة تنوي الحفاظ على وجودها العسكري في ألمانيا». وأضاف: «هذه أنباء جيدة، لكنني لم أكن أتوقع غير ذلك».

وفي ضوء مواقف ترمب الانتقادية تجاه أوروبا، سادت في الأشهر الأخيرة تكهنات بإمكانية سحب القوات الأميركية من ألمانيا. ولم يوضح ميرتس ما إذا كان ترمب قد تعهد بالإبقاء على حجم القوات الأميركية عند مستواه الحالي.

وقال ميرتس إن ألمانيا لم تتلق طلباً من الولايات المتحدة أو إسرائيل لتقديم دعم عسكري للضربات الجارية ضد إيران.

وقبل زيارته للولايات المتحدة، كان ميرتس قد أوضح أن ألمانيا لن تشارك عسكرياً في الضربات.