تخطيط يونايتد العشوائي لمرحلة ما بعد فيرغسون أدى إلى معاناة الفريق الحالية

على سيتي تجنب إخفاقات غريمه واختيار مدرب قادر على تكرار إنجازات غوارديولا

غوارديولا قاد برشلونة للإطاحة بمانشستر يونايتد في نسختين من نهائيات دوري أبطال أوروبا (غيتي)
غوارديولا قاد برشلونة للإطاحة بمانشستر يونايتد في نسختين من نهائيات دوري أبطال أوروبا (غيتي)
TT

تخطيط يونايتد العشوائي لمرحلة ما بعد فيرغسون أدى إلى معاناة الفريق الحالية

غوارديولا قاد برشلونة للإطاحة بمانشستر يونايتد في نسختين من نهائيات دوري أبطال أوروبا (غيتي)
غوارديولا قاد برشلونة للإطاحة بمانشستر يونايتد في نسختين من نهائيات دوري أبطال أوروبا (غيتي)

قال المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا مازحاً، إن السبب وراء عدم توليه تدريب مانشستر يونايتد يعود إلى أنه لم يستطع فهم لهجة السير أليكس فيرغسون. ذهب الاثنان لتناول العشاء بنيويورك في سبتمبر (أيلول) 2012، عندما كان غوارديولا مبتعداً عن التدريب للحصول على قسط من الراحة والتفكير في خطوته التالية. وأثناء تناول وجبة فاخرة ونبيذ جيد - دفع فيرغسون ثمنها جميعاً - تحدثا عن كرة القدم والحياة والمستقبل.
قال غوارديولا لاحقاً: «لغتي الإنجليزية ليست جيدة جداً، وعندما كان السير أليكس يتحدث بسرعة كنت أجد مشكلة في بعض الأحيان في فهمه. لهذا السبب ربما لم أفهم ما إذا كنت قد تلقيت عرضاً لتولي قيادة الفريق أم لا». انخرط جميع الحاضرين في الغرفة في الضحك وهم يسمعون غوارديولا يقول هذا في ذلك الوقت، لكن الحقيقة كانت أبسط قليلاً وأكثر تعقيداً. كان فيرغسون قد حدد بالفعل غوارديولا - الذي كان قاد برشلونة للإطاحة بمانشستر يونايتد في نسختين من نهائيات دوري أبطال أوروبا في المواسم الأربعة السابقة - باعتباره المرشح الرئيسي لخلافته بعد تقاعده، وكان حريصاً على معرفة غوارديولا اهتمامه بتولي هذا المنصب.
لكن السبب الواضح في عدم تقديم أي عرض لغوارديولا يتمثل في أنه لم تكن هناك وظيفة يتم تقديمها له آنذاك، حيث لم يكن فيرغسون قد توصل بعد إلى قرار أو جدول زمني محدد بشأن مستقبله في «أولد ترافورد». وكتب فيرغسون في سيرته الذاتية يقول: «طلبت من بيب الاتصال بي قبل أن يقبل عرضاً من أي نادٍ آخر، لكنه لم يفعل». ومع مرور الأشهر، ظل مانشستر يونايتد واثقاً من «حجز» غوارديولا لتولي قيادته، إن جاز التعبير، لكن دون وجود فكرة واضحة عن الكيفية التي سيفعل بها ذلك.
وكان الرئيس التنفيذي للنادي في ذلك الوقت، ديفيد جيل، وعائلة غليزر المالكة للنادي قد فوضوا فيرغسون بشكل أساسي بمسؤولية التعاقد مع من سيخلفه، وكانوا غير قادرين على فرض الأمر. لم يكونوا يعرفون متى سيستقيل فيرغسون بالتحديد، ومن سيكون خليفته أو مدى قربهم من التعاقد معه. إنه أمر لا يُصدق أن يتم التعامل مع القرار الأكثر أهمية في التاريخ الحديث للنادي بهذا الشكل الغريب.
من جانبه، كان غوارديولا قد اتخذ قراره منذ فترة طويلة. وبينما كان فيرغسون ينوي التعاقد مع المدير الفني الجديد قرب نهاية الموسم، كان غوارديولا يريد وضوح الرؤية في وقت أقرب من ذلك بكثير. كان بايرن ميونيخ على اتصال بغوارديولا منذ الصيف السابق وأمضى شهوراً في إقناعه بمشروع النادي وباطلاعه على كل التفاصيل. وأخبر فيرغسون النادي أخيراً بنيته الاعتزال في فصل الربيع، وعند هذه النقطة لم يكن غوارديولا متاحاً، وينطبق الأمر نفسه أيضاً على كثير من المرشحين الآخرين لتولي القيادة الفنية للشياطين الحمر. إننا نعلم جميعاً ما حدث بعد ذلك، إذ لم يمضِ وقت طويل حتى تولى ديفيد مويز قيادة الفريق.


لم يستمر مويز طويلاً بعد خلافته لفيرغسون (غيتي)

وبعد ديربي مانشستر في المرحلة السابقة، الذي سحق فيه مانشستر سيتي جاره مانشستر يونايتد بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد، يظل السؤال الأكبر بالنسبة لمانشستر يونايتد هو: ماذا لو تم التعاقد مع غوارديولا؟ من المؤكد أنها كانت لحظة فارقة في قصة هذين الناديين. ويبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً في الوقت الحالي، حيث يسعى مانشستر سيتي للحصول على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز للمرة الرابعة في السنوات الست التي قضاها غوارديولا في النادي، في الوقت الذي يدخل فيه مانشستر يونايتد الموسم التاسع على التوالي دون أن يكون منافساً حقيقياً على اللقب!
ربما لن يستمر غوارديولا مع مانشستر سيتي للفترة الطويلة نفسها التي قضاها فيرغسون مع مانشستر يونايتد، لكن يتعين على مانشستر سيتي، الذي دائماً ما يفخر بأنه يفكر في كل شيء مسبقاً، أن يفكر من الآن في مرحلة ما بعد غوارديولا، حتى لا يواجه المشاكل نفسها التي يواجهها مانشستر يونايتد حالياً منذ رحيل فيرغسون. وكان غوارديولا قد قال إنه لا يوجد سبب آخر لاستمراره في تدريب مانشستر سيتي لفترة طويلة بخلاف حقيقة أن الفريق يواصل الانتصارات لكنه لا يتعجل توقيع عقد جديد. وينتهي عقد المدرب الإسباني مع متصدر الدوري الممتاز نهاية الموسم المقبل، وفي حال استمراره لنهاية عقده سيكون غوارديولا مدرباً لسيتي لمدة سبعة مواسم، أي ثلاثة مواسم أكثر من فترته مع فريق مدينته برشلونة. وأوضح غوارديولا: «أنا هنا لفترة طويلة لأننا فزنا كثيراً وما زلنا نفوز كثيراً، وإلا لن أكون أمامكم بعد ستة مواسم. نحن مرتاحون، سواء النادي أو أنا. ولهذا نواصل العمل معاً، والأمر ليس أكثر من ذلك».
لقد كان مانشستر سيتي يمهد الطريق لوصول غوارديولا قبل مجيئه بفترة طويلة. ففي خريف عام 2012، تعاقد النادي مع الإسبانيين فيران سوريانو كمدير تنفيذي وتكسيكي بيجيريستين كمدير رياضي بهدف إغراء غوارديولا بتولي قيادة الفريق يوماً ما. وتم الكشف عن أكاديمية للناشئين جديدة ورائعة في عام 2014، وتم فتح خط الاتصال مع ممثلي غوارديولا حتى عندما كان لا يزال في بايرن ميونيخ. وتم تأسيس شراكة غير رسمية مع نادي جيرونا الإسباني المملوك جزئياً لشقيق غوارديولا، بيري. في كثير من النواحي، كان النادي بالكامل يتمحور حول رؤية غوارديولا لمدة عقد من الزمن. إذن، ماذا سيحدث عندما ينتقل غوارديولا أخيراً إلى مانشستر سيتي؟ وما الذي يتغير؟ وما الذي يبقى كما هو؟
بالنظر إلى النجاح المبهر الذي حققه غوارديولا، فإن الرغبة في الاستمرارية ستكون قوية للغاية. لا يوجد سبب لافتراض أن بيجيريستين وسوريانو سيرحلان خلف غوارديولا على الفور. إن المخطط الحالي لمانشستر سيتي - شبكة عنكبوتية من الأندية التابعة، ونظام عالمي المستوى لاستكشاف المواهب الجديدة، وملعب تدريب على أحدث طراز، واستراتيجية تجارية تقوم على الحصول على كثير من الأموال من شركات أبوظبي التي لم تكن تعلم بوجودها من قبل - سوف يوضع ببساطة تحت إمرة المدير الفني الذي سيأتي خلفاً لغوارديولا. وسيظل الفريق يلعب الكرة الهجومية الممتعة نفسها، وسيواصل فيل فودن القيام بالأشياء المذهلة التي يقدمها حالياً. في هذا الصدد، على الأقل، ليس لدى جماهير مانشستر سيتي ما يدعو للقلق.
لكن مانشستر يونايتد هو الآخر كان يخطط لمثل هذه الاستمرارية. من الصعب التخلص من الشكوك القائلة إن تعيين مويز مديراً فنياً لمانشستر يونايتد استند جزئياً على الأقل إلى حقيقة أنه يتحدث بنفس لهجة فيرغسون الاسكوتلندية! لقد تم الإبقاء على الفريق الذي كان في حاجة ماسة إلى التجديد، ولم يتم تحديث البنية التحتية لكرة القدم التي كانت موجودة أساساً منذ فترة فيرغسون. وحتى يومنا هذا، يبدو مانشستر يونايتد كأنه يتحرك بشكل عشوائي وغير مدروس ومتقلب فيما يتعلق بالتعاقد مع المدير الفني الجديد. وبالنسبة لمانشستر يونايتد، سرعان ما تحولت الاستمرارية إلى ركود وتراجع وحنين إلى الماضي وفوضى.
ويمكن القول إن مانشستر سيتي أكثر ذكاءً وفاعلية من مانشستر يونايتد، وسيتجنب كثيراً من الأخطاء التي وقع فيها مانشستر يونايتد. ونظراً للصعوبة في التعاقد مع مدير فني بارز هذه الأيام، من الممكن تماماً أن يكون مجلس إدارة مانشستر سيتي قد بدأ بالفعل في تحديد المرشحين المحتملين لهذا المنصب خلفاً لغوارديولا، سواء كان ماوريسيو بوكيتينو أو بريندان رودجرز أو جوليان ناغيلسمان أو ميكيل أرتيتا أو باتريك فييرا، أو أي شخص آخر. على أي حال، لن تكون العملية أكثر تعقيداً من مجرد السماح لغوارديولا باختيار بديله ومنحه الحرية الكاملة فيما يريد القيام به.
يبدو مانشستر سيتي تحت قيادة غوارديولا والملكية الإماراتية منيعاً وغير قابل للتغيير. لكن كان هذا هو الحال أيضاً في مانشستر يونايتد تحت قيادة فيرغسون، وفي برشلونة من قبل، كما كان نفس الحال في تشيلسي بقيادة رومان أبراموفيتش الذي وجد نفسه في غضون أسبوع واحد منبوذاً ومضطراً لعرض النادي للبيع قبل أن تفرض الحكومة البريطانية عقوبات على الملياردير الروسي، ما سيجمد مساعيه لبيع نادي تشيلسي، وكما اكتشف فيرغسون طيلة تلك السنوات الماضية، يمكنك التخطيط لنزهة جميلة، لكن لا يمكنك التنبؤ بالطقس!


مقالات ذات صلة


هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟
TT

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة يوم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليس لمتابعة القمة المونديالية المرتقبة بين البرازيل والمغرب فحسب، بل لرصد ولادة شرارة النجومية الحقيقية لفتى السامبا الذهبي إندريك.

ومع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، عاد إلى الأذهان شريط ذكريات مونديال 1994 على الأراضي الأميركية ذاتها، عندما حطّ الفتى النحيل رونالدو نازاريو رحاله كبديل واعد، قبل أن يُصبح المهاجم الأسطوري الأكثر رعباً في تاريخ اللعبة.

اليوم، يجد إندريك نفسه تحت المجهر ذاته، يحمل إرث القميص الأصفر الثقيل وآمال أمة لا ترضى بغير الذهب، وسط تساؤلات ملحة: هل يملك الشاب الموهوب مقومات إعادة زمن «الظاهرة» الجميل؟

إندريك تحت مجهر «المستر»: صناعة البطل بأسلوب أنشيلوتي

لا يمكن فصل الانفجار الكروي المنتظر لإندريك عن وجود المحنك الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية للسيليساو. أنشيلوتي، الذي يشتهر بقدرته الفائقة على ترويض المواهب الشابة وتحويلها إلى قوى ضاربة دون حرق المراحل، يمثل الأب الروحي المثالي لإندريك في هذه المرحلة الحرجة. الفيلسوف الإيطالي يعلم جيداً حجم الضغوطات الإعلامية التي تقارن الفتى برونالدو أو بيليه، لذلك ينتهج معه سياسة «الهدوء الذكي»، مانحاً إياه مساحات حرة للتعبير عن غريزته التهديفية الفطرية دون قيود تكتيكية صارمة قد تكبل موهبته.

يرتكز رهان أنشيلوتي على عقلية إندريك الانضباطية ونضجه المبكر الذي أظهره في فترات الحسم، إذ يرى فيه المهاجم العصري المتكامل القادر على التحرك بين الخطوط، والربط مع أجنحة مرعبة مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا. ومع غياب نيمار جونيور عن التشكيل الأساسي في ضربة البداية، تتهيأ المساحة تماماً أمام إندريك ليكون الورقة الرابحة والوجه الجديد للهجوم البرازيلي.

بين عمر الفتى وذكريات «الظاهرة»

يخوض إندريك غمار مونديال 2026 وهو في سن التاسعة عشرة (ولد في 21 يوليو / تموز 2006)، ليُعيد إلى الأذهان شريط ذكريات الأسطورة رونالدو «الظاهرة» الذي وطئت قدماه الملاعب الأميركية في مونديال 1994 وهو ابن 17 ربيعاً فقط. ومع ذلك، تفترق المقارنة الفنية عند عتبة المشاركة الفعلية، فرونالدو تُوّج باللقب العالمي آنذاك دون أن يطأ المستطيل الأخضر لدقيقة واحدة في ظل سطوة الثنائي روماريو وبيبيتو، بينما يدخل إندريك البطولة الحالية كركيزة أساسية مرتقبة وورقة هجومية حاسمة يعول عليها كارلو أنشيلوتي لكسر التكتلات الدفاعية.

التوهج الأوروبي: أرقام الموهبة في الملاعب الفرنسية

رغم أن ملكيته الأصلية تعود لعملاق إسبانيا ريال مدريد، فإن إندريك صقل موهبته هذا الموسم عبر بوابة الإعارة مع نادي أولمبيك ليون الفرنسي منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث بصم على أرقام لافتة تعكس جاهزيته للمونديال، إذ خاض 16 مباراة، نجح خلالها في تسجيل 5 أهداف وصناعة 7 أهداف أخرى (إجمالي 12 مساهمة) في الدوري الفرنسي. لتكون الحصيلة الإجمالية 8 أهداف و8 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات بعد تدوينه لهدفين في كأس فرنسا وهدف في الدوري الأوروبي، وكان أبرزها زيارته لشباك باريس سان جيرمان وثنائيته التاريخية الأولى في أوروبا.

ميزان الخصائص: هل يتطابق الفتى مع «الظاهرة» الأصلي؟

حين نضع الخصائص الفنية والظروف التاريخية للنجمين في ميزان المقارنة، نجد تبايناً مثيراً يرسم معالم «الظاهرة الجديدة»، فرغم أن رونالدو نازاريو استُدعي لمونديال 1994 بعمر 17 عاماً فقط حين كان لاعباً في كروزيرو البرازيلي، فإنه ظل حبيساً لدكة البدلاء طوال البطولة دون أن يشارك في أي دقيقة. في المقابل، يدخل إندريك مونديال 2026 وهو في سن 19 عاماً متسلحاً بخبرة الملاعب الأوروبية مع أولمبيك ليون الفرنسي (معاراً من ريال مدريد)، كركيزة أساسية ينتظرها دور محوري. وتكتيكياً، تميز رونالدو الأصلي بالسرعة الانفجارية الخارقة والمراوغة في المساحات الضيقة مع إنهاء أسطوري بالقدمين مستنداً إلى ثقة مطلقة وهدوء بارد أمام المرمى منذ صغره، بينما يمتاز إندريك بالقوة البدنية الهائلة، ودقة التسديد بعيد المدى، والذكاء الحاد في التموقع، مدفوعاً بنضج عائلي كبير وشغف جارف لإثبات ذاته وكتابة مجده الخاص.

طريق الخلود الكروي: شباك «الأسود» بوابته الأولى

إن كتابة الاسم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة البرازيلية تبدأ من ترويض المواعيد الكبرى، وسيكون الدفاع المغربي الحديدي غداً هو الاختبار الحقيقي الأول لإندريك. يدرك المهاجم الشاب أن مواجهة منظومة دفاعية قائدها أشرف حكيمي، ويحرسها ياسين بونو، تتطلب ما هو أكثر من مجرد المهارة، تتطلب دهاءً وحسماً من نصف فرصة. إذا نجح إندريك في فك الشفرة المغربية وقيادة السامبا لمنصات التتويج في هذا المونديال، فلن يكون مجرد «رونالدو جديد»، بل سيصنع سلالته الخاصة كظاهرة كروية خالدة تنطلق من أميركا لتسيطر على العقد المقبل.


صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»
TT

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

تتجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، الذي يحتضن قمة نارية مبكرة في دور المجموعات (المجموعة الثالثة) لمونديال 2026 بين المنتخبين المغربي والبرازيلي. لا تمثل هذه المواجهة صراعاً بين النجوم داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل هي معركة تكتيكية معقدة على مقاعد البدلاء تجمع بين مدرستين وفلسفتين متباعدتين يقودهما المغربي البلجيكي محمد وهبي والإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي.

أنشيلوتي وعباءة «التاريخ»: رحلة البحث عن سداسية السامبا

يمر أنشيلوتي بلحظة تاريخية فارقة، إذ يُعد أول مدرب أجنبي يقود منتخب البرازيل في نهائيات كأس العالم. منذ توليه القيادة في مايو (أيار) 2025 بعد مسيرة أسطورية مع نادي ريال مدريد الإسباني، نجح «المستر» في إعادة الهدوء والاستقرار إلى غرف ملابس «السيليساو» بعد فترة اضطرابات فنية طويلة.

الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل (أ.ب)

فلسفة أنشيلوتي لا تعتمد على التعقيد، بل على «إدارة المشاعر» ومنح النجوم الحرية المطلقة لإبراز مواهبهم الفطرية، وهو ما يفسر اعتماده على ترسانة هجومية ضاربة قوامها فينيسيوس جونيور ورافينيا ورودريغو. ورغم افتقاد التشكيلة للعمق في مراكز الأظهرة، وغياب نيمار جونيور عن المواجهة الافتتاحية بداعي الإصابة، لكن خبرة أنشيلوتي العريضة في المواعيد الكبرى تمنح البرازيل ثقلاً تكتيكياً قادراً على تفكيك أعقد الدفاعات.

وهبي وهندسة البناء: إرث «الركراكي» وطموح جيل جديد

 

على الطرف الآخر يدخل المدير الفني للمنتخب المغربي محمد وهبي اللقاء تحت مجهر النقاد، بعد تسلمه المهمة في مارس (آذار) الماضي خلفاً لمهندس الإنجاز التاريخي في قطر وليد الركراكي.
وهبي، الذي بنى سمعته الأكاديمية وصنع ربيعه التدريبي في أروقة الفئات السنية لنادي أندرلخت البلجيكي قبل قيادة شباب المغرب للقب العالمي، يجد نفسه أمام الاختبار الأقوى في مسيرته الاحترافية الأولى مع المنتخبات الأولى.

محمد وهبي (أ.ف.ب)

يرتكز أسلوب وهبي على التوازن والواقعية الصارمة، فهو يسعى للحفاظ على الهوية الدفاعية الصلبة التي جعلت من «أسود الأطلس» رابع العالم في قطر، مع محاولة ضخ مرونة هجومية أسرع مستغلاً تحركات إبراهيم دياز ومهارات عز الدين أوناحي.

ورغم الهزات والغيابات المقلقة التي ضربت معسكره مؤخراً بإصابة نايف أكرد وعبد الصمد الزلزولي، يعتمد وهبي على اللعب الجماعي المنظم وروح التحدي لإثبات أن الكرة المغربية قادرة على تكرار التفوق، بعد أن هزم المغرب البرازيل ودياً في طنجة شمال المملكة عام 2023 بنتيجة 2 - 1.

التفوق الأقوى وطريق التتويج: لمن تبتسم الأرض؟

 

المواجهة ستكون صراعاً علنياً بين التفوق الهجومي البرازيلي الكاسح والتنظيم الدفاعي المغربي المستميت تكمن قوة البرازيل الأكبر في الحلول الفردية الخارقة في الثلث الأخير، بينما يراهن المغرب على حرمان الخصم من المساحات وتكثيف العمق الدفاعي أمام الحارس ياسين بونو.

الفائز في هذه المعركة لن يضمن فقط صدارة المجموعة الثالثة لتفادي مواجهات معقدة مبكرة ضد قوى مثل فرنسا أو إسبانيا في الأدوار الإقصائية، بل سيرسل إشارة قوية ومباشرة للمنافسين على لقب المونديال. هل ينجح دهاء أنشيلوتي في فك الشفرة المغربية، أم يكتب وهبي فصلاً جديداً من فصول العقدة الأفريقية للسامبا؟ الإجابة ستكتبها أقدام اللاعبين على عشب ميتلايف.

Your Premium trial has ended


«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»
TT

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

عندما يلتقي المنتخبان المغربي والبرازيلي في كأس العالم 2026، فإن المواجهة لن تكون مجرد مباراة في دور المجموعات، بل ستكون امتداداً لمسار كروي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود. فمنذ اللقاء الودي الأول عام 1997 وحتى الصدام المرتقب في المونديال، شهدت كرة القدم المغربية تحولات عميقة نقلتها من موقع الباحث عن إثبات الذات إلى دائرة المنافسة مع كبار اللعبة. وفي المقابل، ظلت البرازيل حاضرة بصفتها المرجع التاريخي لكرة القدم العالمية، بما تملكه من إرث ثقيل وخبرة تراكمت عبر أجيال متعاقبة من النجوم.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل إرث خمسة ألقاب عالمية وسمعة المنتخب الأكثر تأثيراً في اللعبة، في حين يصل المغرب بصفته صاحب أكبر إنجاز عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم بعد بلوغه نصف نهائي نسخة «قطر 2022».

وإذا كانت المواجهات السابقة تميل تاريخياً لصالح البرازيل، فإن الفارق الذي كان شاسعاً في التسعينات تقلص بصورة لافتة مع تطور المشروع الكروي المغربي، وهو ما يجعل مواجهة 2026 الأكثر توازناً بين المنتخبين منذ أول لقاء جمعهما قبل 29 عاماً.

بيليم 1997... عندما واجه المغرب أبطال العالم القادمين

في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 1997، حل المنتخب المغربي ضيفاً على البرازيل في مدينة بيليم ضمن استعدادات المنتخبين لكأس العالم 1998.

كان المغرب بقيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال يعتمد على جيل ذهبي يضم الحارس مصطفى الشاذلي، والمدافع نور الدين النيبت، وصانع الألعاب مصطفى حجي، والمهاجم صلاح الدين بصير، وهي الأسماء التي ستصنع لاحقاً واحداً من أفضل المنتخبات المغربية في تاريخ كأس العالم.

في المقابل كانت البرازيل بقيادة المدرب الأسطوري ماريو زاغالو تعج بالنجوم. ضمت التشكيلة أسماء مثل رونالدو، أفضل لاعب في العالم آنذاك، وروماريو، ودينيلسون، وكافو، وروبرتو كارلوس، ودونغا.

صمد المغرب طويلاً أمام الضغط البرازيلي، قبل أن يظهر دينيلسون في الدقائق الأخيرة مسجلاً هدفي الفوز. ورغم الخسارة، خرج المتابعون بانطباع إيجابي عن المنتخب المغربي الذي نجح في مجاراة أحد أقوى منتخبات العالم لأكثر من ثمانين دقيقة.

فرنسا 1998... رونالدو يقود البرازيل لتأكيد التفوق

بعد أقل من ثمانية أشهر، التقى المنتخبان مجدداً في الجولة الثانية من دور المجموعات في كأس العالم بفرنسا.

دخل المغرب المباراة تحت قيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال بتشكيلة ضمت نور الدين النيبت وعبد الجليل هدا (كماتشو) ويوسف شيبو ومصطفى حجي وصلاح الدين بصير، وهي أسماء صنعت واحدة من أكثر الفترات إشراقاً في الكرة المغربية.

لكن البرازيل امتلكت، آنذاك، ما يمكن عدّه أحد أقوى خطوط الهجوم في تاريخ المونديال. فقد لعب رونالدو أساسياً إلى جانب بيبيتو، فيما قاد ريفالدو صناعة اللعب، مع وجود كافو وروبرتو كارلوس على الأطراف.

افتتح رونالدو التسجيل، وأضاف ريفالدو الهدف الثاني، قبل أن يختتم بيبيتو الثلاثية. ورغم النتيجة، أظهر المغرب شخصية قوية في البطولة، قبل أن يحقق لاحقاً فوزه الشهير على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة ويغادر المسابقة بصورة أثارت كثيراً من الجدل بسبب نتائج المجموعة.

طنجة 2023... المغرب ينتصر لأول مرة

إذا كانت مواجهتا 1997 و1998 جسّدتا الفارق التقليدي بين المنتخبين، فإن مباراة طنجة في مارس (آذار) 2023 حملت صورة مختلفة تماماً.

المغرب بقيادة المدرب المغربي وليد الركراكي كان يعيش أفضل لحظاته التاريخية بعد أشهر قليلة من احتلال المركز الرابع عالمياً في مونديال قطر، في حين وصلت البرازيل في مرحلة انتقالية بعد رحيل المدرب تيتي.

وضمت التشكيلة المغربية أسماء أصبحت من نخبة كرة القدم العالمية؛ مثل ياسين بونو وأشرف حكيمي ونايف أكرد وسفيان أمرابط وحكيم زياش.

أما البرازيل فاعتمدت على كاسيميرو وفينيسيوس جونيور ورودريغو ورافينيا، لكنها افتقدت خدمات نيمار بسبب الإصابة.

في تلك الليلة، لم يكن الانتصار المغربي بنتيجة 2-1 مجرد فوز ودي، بل كان إعلاناً بأن المنتخب المغربي لم يعد يخوض المباريات الكبرى من أجل التعلم، بل من أجل الانتصار.

مقارنة بين جيل 1998 وجيل 2026

أحد أهم الفوارق بين المنتخب المغربي في التسعينات ونظيره الحالي يتمثّل في نوعية الخبرة الدولية.

جيل 1998 كان يضم مواهب استثنائية مثل مصطفى حجي والنيبت وبصير، لكنه كان يعتمد على عدد محدود من اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية الكبرى.

أما الجيل الحالي فيضم لاعبين أساسيين في أندية النخبة الأوروبية. فحكيمي قادماً من باريس سان جيرمان، وبونو من كبار حراس العالم، وأكرد وأمرابط وزياش يمثلون جيلاً اعتاد اللعب في أعلى المستويات القارية.

في المقابل، لم تتغير هوية البرازيل كثيراً. فكما امتلكت رونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس في التسعينات، تمتلك اليوم فينيسيوس جونيور ورودريغو وبرونو غيمارايش وأليسون وإيدير ميليتاو.

من يملك الأفضلية في 2026؟

منتخب البرازيل خلال حصة تدريبية قبل بدء كأس العالم (إ.ب.أ)

على مستوى القيمة السوقية والأسماء الفردية، لا تزال البرازيل تتفوق بوضوح. فهي تمتلك لاعبين مرشحين سنوياً للمنافسة على الكرة الذهبية، وفي مقدمتهم فينيسيوس جونيور.

لكن كرة القدم الحديثة أثبتت أن البطولات الكبرى لا تُحسم بالأسماء فقط. فالمغرب يملك اليوم واحداً من أكثر المنتخبات تنظيماً في العالم، بالإضافة إلى خبرة نفسية اكتسبها من الانتصارات على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال في مونديال قطر.

لاعبو المنتخب المغربي ومعنويات مرتفعة في حصة تدريبية قبل مواجهة البرازيل (أ.ف.ب)

ولهذا يرى كثير من المحللين أن البرازيل تدخل المباراة مرشحة بنسبة تقارب 60 في المائة مقابل 40 في المائة للمغرب، وهي نسبة تعكس حجم التطور الذي حققه «أسود الأطلس» مقارنة بفترة التسعينات عندما كانت الأفضلية البرازيلية شبه مطلقة.

بين رونالدو وفينيسيوس... وبين حجي وحكيمي

إذا كان رونالدو قد مثّل رمز التفوق البرازيلي في مونديال 1998، فإن فينيسيوس جونيور يمثّل اليوم الوجه الجديد لكرة القدم البرازيلية. وعلى الجانب المغربي، انتقلت الراية من مصطفى حجي، صاحب الكرة الذهبية الأفريقية عام 1998، إلى أشرف حكيمي الذي يُعد أحد أفضل الأظهرة في العالم.

وبين هذَين الجيلين تُختصر قصة المواجهات المغربية البرازيلية نفسها: منتخب برازيلي يحاول الحفاظ على مكانته التاريخية، ومنتخب مغربي يسعى إلى تحويل إنجازاته الأخيرة إلى واقع دائم. لذلك فإن مواجهة 2026 تبدو أكثر من مجرد مباراة، إذ تُعدّ اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كان المغرب قادراً على الاقتراب أكثر من النخبة العالمية، أم أن البرازيل ستؤكد أن التاريخ لا يزال يقف إلى جانبها.