العقوبات على روسيا: نطاقات متسعة... وتأثيرات متباينة

خبراء يرون أنها «الأقوى»... وتشكيك في تغييرها لسلوك بوتين

العقوبات على روسيا: نطاقات متسعة... وتأثيرات متباينة
TT

العقوبات على روسيا: نطاقات متسعة... وتأثيرات متباينة

العقوبات على روسيا: نطاقات متسعة... وتأثيرات متباينة

في الوقت الذي استخدمت فيه روسيا العمل العسكري، كوسيلة لحسم نزاعها مع القوى الغربية مواصلة تحركاتها في أوكرانيا، اتخذت دول عدة حول العالم تتقدمها الولايات المتحدة إجراءات عقابية بحق موسكو اعتبرها مراقبون «الأسوأ والأوسع»، مع تباينات بشأن تأثيرها على قوة ونفوذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومن بين أهم سمات العقوبات المفروضة أخيراً على روسيا، أنها جاءت لتشمل قطاعات متنوعة سياسية، واقتصادية، وثقافية، وإعلامية؛ بل وحتى رياضية في محاولة لفرض «نوع من العزلة» على روسيا، لمعاقبتها على قرارها بشن عمليات عسكرية ضد أوكرانيا، آملين في أن تشكل تلك العقوبات ضغطاً على بوتين. وعند النظر إلى العقوبات في جانبها الاقتصادي المهم والمؤثر، سنجد أن أميركا ودولاً أوروبية من بينها بريطانيا حركت ترسانة جاء أبرزها متمثلاً في العقوبات على «البنك المركزي الروسي»، وهي الأولى من نوعها التي يتم فرضها على بنك مركزي في إحدى دول مجموعة العشرين. ولم يقتصر الأمر على تلك السابقة الاقتصادية، إذ تضمنت العقوبات منع روسيا من استخدام «نظام سويفت» لتحويل الأموال، فضلاً عن تجميد أصول البنوك الروسية في بعض الدول، وتعليق تراخيص التصدير للسلع التي يمكن استخدامها في أغراض مدنية وعسكرية، ووقف تصدير السلع ذات التقنية العالية، ومعدات تكرير النفط، ووضع حد أقصى للمبالغ المالية التي يمكن للروس إيداعها في البنوك.
ليس هذا وحسب فقد تقرر منع رحلات الطيران التابعة لشركات روسية من التحليق فوق الأجواء الأوروبية أو الهبوط في مطارات دول الاتحاد، وتجميد الأصول الروسية سواء كانت لأفراد أو شركات، واستهداف 70 في المائة من الأسواق المالية الروسية والشركات الكبرى المملوكة للدولة بما فيها الشركات المملوكة لوزارة الدفاع.
الأفراد كذلك كان لهم نصيب من العقوبات التي تضمنت تجميد أموال الرئيس الروسي، ووزير خارجيته، سيرغي لافروف، بالإضافة إلى شخصيات بارزة في المجتمع الروسي. وكذلك فرضت أستراليا عقوبات على الأثرياء الروس، وأكثر من 300 من أعضاء البرلمان في روسيا ممن صوتوا لصالح العمليات العسكرية في أوكرانيا.
ولم يسلم قطاع الطاقة الذي كان يُنظر له لفترات طويلة باعتباره محصناً ضد التقلبات بين روسيا والغرب بسبب الحاجة الملحة له أوروبياً، وفي مفاجأة من العيار الثقيل جمدت ألمانيا منح تصاريح لخط (نورد ستريم2) الروسي المخصص لتصدير الغاز إلى أوروبا. وفضلاً عما سبق، فقد تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن بأن «بلاده بالتعاون مع حلفائها سيمنعون ما يزيد على نصف الواردات الروسية، من السلع ذات التقنية العالية، التي تستخدم في الصناعات العسكرية».

ويبرر مايك مولروي، النائب السابق لمساعد وزير الدفاع الأميركي السابق، وهو ضابط متقاعد عمل بوكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA، في حديثه إلى «الشرق الأوسط» اتساع نطاق العقوبات على روسيا بأنها «تحظى بإجماع المجتمع الدولي، ومن الواضح بالنسبة لي أن الناس في جميع أنحاء العالم، يدعمون الشعب الأوكراني ضد الهجوم غير القانوني وغير المبرر من روسيا على دولة ديمقراطية ذات سيادة، ويشمل ذلك إجراءات من جانب الحكومات والأفراد أيضا». ويستشهد مولروي على ما يرى أنه «دعم للأوكرانيين» بالقول: «تم التبرع بعملات مشفرة بقيمة 10 ملايين دولار، لدفع تكاليف توفير أماكن لإقامة اللاجئين الأوكرانيين، حيث تم توفير نحو 60 ألف غرفة في (إير بي آند بي «موقع إلكتروني لإيجار الوحدات السكنية حول العالم»)، هذا مجرد مثال عن حجم الدعم العالمي للشعب الأوكراني ضد روسيا».
الهدف
وتستهدف العقوبات، حسب محللين اقتصاديين، «دفع روسيا نحو ركود اقتصادي وعزلها دوليا»، مستشهدين بأن إيران فقدت أكثر من نصف عائدات القطاع النفطي ونحو 30 في المائة من عائدات التجارة الخارجية عندما مُنعت من استخدام نظام سويفت عام 2012، وإذا كان الهدف الاقتصادي المباشر يمكن تحقيقه نسبياً بصورة أو أخرى... فهل يعني ذلك أنه سيغير ذلك من خطط بوتين؟... السؤال السابق طرحته مجلة التايم الأميركية على بيتر تشير، رئيس مجموعة ماركو الاستراتيجية الدولية في نيويورك، والذي قال إن «العقوبات تكون فعالة عندما تفرض تغييرا في السلوك، وهذا لن يحدث في حالة بوتين». ويذهب ستيف هانك، أستاذ الاقتصاد بجامعة هوبكينز إلى المعنى نفسه، بقوله إن «تاريخ هذه الأفعال يقول إنها عادة فاشلة، فهناك دائما طرق للالتفاف عليها، فالعقوبات لن تمنع الأغنياء من أن يزدادوا ثراءً داخل أو خارج البلاد». وخضعت روسيا لعقوبات دولية مختلفة منذ عام 2014 في أعقاب ضمها لـ«شبه جزيرة القرم»، و«لم ينتج عن ذلك أي تغيير إيجابي في سلوكها، كما لم تغير العقوبات من سلوكيات دول أخرى»، وفق هانك، الذي يؤكد في تقرير التايم، إلى «العقوبات الأميركية على فنزويلا، وعلى كوبا، وإيران، فمن يفرض العقوبات ينظر له كعدو وهذا يشكل حاجزا نفسيا لدى الناس، يجعلهم يتضافرون معا لمواجهة العاصفة الاقتصادية»، لافتا إلى أن «هذه العقوبات ستؤدي لتعزيز علاقات روسيا مع الصين، على الصعيد التجاري».
لكن مهدي العفيفي، المحلل السياسي وعضو الحزب الديمقراطي الأميركي، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن المحنكة سياسيا، تحشد منذ شهور لهذا الموقف الدولي، ولذلك جاءت العقوبات قوية وشاملة ويشارك فيها المجتمع وليس فقط الحكومات، حيث رأينا مظاهرات ضد العمليات العسكرية الروسية في عدة دول حول العالم من بينها مظاهرة في ألمانيا شارك فيها 150 ألف شخص، وهو أمر لم يحدث من قبل». وأضاف العفيفي «العقوبات هذه المرة هي الأسوأ تاريخياً على روسيا حيث تطال نحو 800 شخصية روسية، كما أنها عقوبات متنوعة وتشمل مجالات مختلفة بالإضافة إلى مشاركة دول لا تتدخل في مثل هذه الصراعات مثل سويسرا واليابان والدول الاسكندنافية». وهنا يقول العفيفي إن «تأثير العقوبات واضح بانهيار الروبل الروسي لمستوى لم يحدث من قبل إذ سجل أقل من واحد سنت أميركي، فضلاً عن انهيار سوق المال الروسي وانخفاضه بنسبة 40 في المائة تقريبا، وإغلاقه أكثر من خمسة أيام متتالية، إضافة إلى الضغوط المستمرة من جانب المواطنين الروس في الداخل والمتذمرين من قرارات بوتين... بالتأكيد هي عقوبات قوية ومؤثرة». ومع إشارة المسؤول الأميركي السابق مولروي إلى أن «العقوبات ضرورية وستؤدي مع مرور الوقت لتآكل دعم بوتين في الداخل، خاصة تلك العقوبات المفروضة على الدائرة المقربة من بوتين»، لكنه يرى في نفس الوقت أنها «لن توقف بوتين عن قراراته».
- نطاقات متسعة
ولم تقتصر العقوبات الدولية على روسيا على الاقتصاد والإدانات السياسية، بل امتدت إلى نطاقات أوسع متضمنة مجالات الإعلام، والفن، والثقافة، والرياضة.
ومن بين أبرز التحركات في هذا السياق ما أقدمت عليه مواقع التواصل الاجتماعي لتحجيم الإعلام الروسي، حيث قررت شركة ميتا المالكة لـ«فيسبوك»، و«واتساب»، و«إنستغرام»، تقليل الوصول إلى شبكتي آر تي، وسبوتنيك الروسيتين الحكوميتين، وخفضت من تصنيف منشورات المؤسسات الإعلامية الروسية. وحُظرت الإعلانات الروسية على غوغل ويوتيوب المملوكتين لشركة «ألفا بت»، واتخذت توتير إجراءات مماثلة بتقليل الوصول إلى الإعلام الروسي، في إطار نوع من الحرب الإعلامية ضد روسيا، للحد من وصول روايتها للعالم.
وعلى المستوى التلفزيوني أعلنت النسخة الفرنسية من قناة «روسيا اليوم»، توقفها عن البث تنفيذاً لقرار أصدره «الاتحاد الأوروبي»، بينما قالت وكالة «سبوتنيك» الروسية إنها «تتعرض لهجمات إلكترونية واسعة النطاق في عدة مواقع في العالم».
وفنياً سحبت أوركسترا زغرب الفيلهارمونية مقطوعتين موسيقيتين للمؤلف الروسي الشهير تشايكوفسكي من حفل لها يوم الجمعة الماضي تضامناً مع أوكرانيا، وأعلن المسرح الوطني الكرواتي في زغرب عن تأجيل حفل بعنوان «سرينادة روسية»، كما أعلنت دار الأوبرا الملكية عن إلغاء موسم من عروض فرقة باليه بولشوي الروسية.
أما في نيويورك فقد تم إيقاف المايسترو الروسي فاليري غيرغييف، ومنعه من المشاركة في حفلات موسيقية في قاعة كارنيغيفي بنيويورك، وطلبت ألمانيا من غيرغييف إعلان موقفه من العمليات العسكرية في أوكرانيا، وإلا خسر عمله كقائد رئيسي لأوركسترا ميونيخ الموسيقية، وكذلك فعلت دار أوبرا «سكالا» في ميلانو.
- الغناء والرياضة
وأعلن اتحاد البث الأوروبي عدم السماح لروسيا بالمشاركة في نسخة العام الحالي من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن»، كما قررت مؤسسات فنية وثقافية أوروبية عدم السماح لروسيا بالمشاركة في الأحداث الثقافية الدولية، مثل بينالي البندقية، والذي اعتادت روسيا المشاركة فيه منذ عام 1914، وسينمائياً أعلن مهرجان استوكهولم السينمائي الدولي عن منعه عرض الأفلام الممولة من الحكومة الروسية، وأكد مهرجانا «كان» و«البندقية»، أنهما «سيمنعان أي مسؤول روسي وأي شخص له علاقة بالكرملين من الحضور»، وأكدت أوبرا متروبوليتان أنها لن تتعاون مع الفنانين المؤيدين لروسيا». وعلى المستوى الرياضي جرى استبعاد روسيا من عدد من المنافسات الأوروبية والدولية الرياضية بما فيها بطولة كأس العالم لكرة القدم المقرر عقدها في قطر، وهو ما دفع روسيا للإعلان عن عزمها اللجوء إلى القضاء، عبر محكمة التحكيم الرياضية العالمية، لإلغاء هذه العقوبات «التمييزية»، على حد قولها.
العقوبات الرياضية شملت كذلك استبعاد روسيا من كل من اللجنة الأولمبية الدولية، واللجنة البارالمبية الدولية، والفيفا، وبطولة الرجبي، والاتحاد الدولي للهوكي على الجليد، والاتحاد الدولي للجودو، كما مُنعت سان بطرسبورغ من استضافة نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا في كرة القدم، وألغيت جائزة روسيا الكبرى للفورمولا ون، كما فرضت اللجنة الأولمبية الدولية حظراً على رفع العلم الروسي وعزف النشيد الوطني.
وقرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عدم إقامة أي مسابقة دولية في روسيا، وألغى الاتحاد الدولي للسباحة بطولة العالم للناشئين التي كان من المقرر إقامتها في مدينة كازان الروسية في أغسطس (آب) المقبل، كما ألغى مباراة بالدوري العالمي لكرة الماء في سان بطرسبرغ كان من المقرر عقدها الشهر المقبل، وتم إلغاء بطولة السباحة التوقيعية والغطس في كازان.
وبعيداً عن قرارات الاتحادات الرياضية فقد أعلنت كل من بولندا والسويد وجمهورية التشيك رفضها مواجهة منتخب روسيا في المباريات الفاصلة المؤهلة لكأس العالم.
وينتهي العفيفي عضو الحزب الديمقراطي الأميركي، إلى «هذه هي العقوبات الأشمل والأقوى تاريخياً، فلم يحدث إن شاهدنا من قبل عقوبات متنوعة بهذا القدر، وسيكون تأثيرها غير عادي... فهي عقوبات لا مثيل لها». بينما أكد مولروي أن «هذه أسوأ عقوبات فرضت على روسيا وستعزلها عن بقية العالم».



ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.