أوكرانيا ملف رئيسي لقمة أوروبية غداً

ماكرون وشولتس يتصلان بالرئيس الصيني... وتعويل على وساطة مع بوتين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع المستشار الألماني أولاف شولتس (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع المستشار الألماني أولاف شولتس (د.ب.أ)
TT

أوكرانيا ملف رئيسي لقمة أوروبية غداً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع المستشار الألماني أولاف شولتس (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع المستشار الألماني أولاف شولتس (د.ب.أ)

يستضيف الرئيس الفرنسي، بصفته رئيساً للاتحاد الأوروبي حتى شهر يونيو (حزيران) المقبل، يومي الخميس والجمعة، قمة أوروبية في قصر فرساي التاريخي، الواقع غرب العاصمة باريس، ستهيمن عليها تطورات الحرب الروسية على أوكرانيا، ومسألة فرض عقوبات اقتصادية ومالية إضافية على موسكو، وتوفير مزيد من الدعم لـكييف، وكيفية ضمان إمدادات الطاقة من النفط والغاز لأوروبا، فيما بدأت تظهر علامات التفسخ في الموقف الغربي بعد قرار واشنطن وقف مشترياتها من روسيا، ورفض كثير من الدول الأوروبية الاحتذاء بها. ورغم الضغوط الأميركية والأوكرانية، يبدو واضحاً اليوم، بحسب مصادر فرنسية، أن الأوروبيين «لن يسيروا وراء واشنطن» رغم الحجة القائلة إن المشتريات الأوروبية من البترول والغاز الروسيين التي تقدر يومياً بـ700 مليون دولار تمول الحرب التي يشنها الرئيس فلاديمير بوتين على أوكرانيا «لن تكون كافية لإقناعهم بوقف مشترياتهم بسبب غياب البديل في الوقت الحاضر». واستبق نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، المكلف شؤون الطاقة، القرار الأوروبي بتحذير شديد اللهجة، جاء فيه أن موسكو «لديها تماماً الحق في فرض حظر على توريد الغاز إلى أوروبا عبر خط (نورد ستريم 1)» الذي يمر في الأراضي الأوكرانية. وكان هذا الملف قد تم بحثه في الاتصال الرباعي، عبر دائرة فيديو، الذي حصل أول من أمس، وضم الرئيسين جو بايدن وإيمانويل ماكرون والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني. وأمس، زار وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في إطار جولته الأوروبية، العاصمة الفرنسية للقاء نظيره جان إيف لو دريان، والرئيس ماكرون. وقالت مصادر أميركية إن عنوان الزيارة هو «تنسيق المواقف للرد على الغزو الروسي المتواصل» لأوكرانيا، فيما نداءات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لإقامة منطقة حظر جوي فوق أوكرانيا أو الانضمام إلى الحلف الأطلسي تبقى كصراخ في وادٍ. كذلك، فإن الخطة الأميركية الهادفة لتزويد سلاح الجو الأوكراني بـ28 طائرة «ميغ 29» تمتلكها بولندا مقابل استبدالها بطائرات «إف 16» من سلاح الجو الأميركي ما زالت موضع أخذ وردّ. وثمة مخاوف أوروبية من أن تكون هذه الخطوة باباً لتورط أوروبي - أطلسي مباشر في الحرب الدائرة. وسبق لـموسكو أن نبّهت أنها ستعتبر أي دولة أوروبية تنطلق منها هذه الطائرات بمثابة «طرف في الحرب». الأمر الذي يسعى الأوروبيون إلى تجنبه.
حقيقة الأمر أن ما تسعى إليه باريس وبرلين، إلى جانب الاستمرار في تأكيد الدعم لـكييف على مختلف المستويات المتاحة، ووفق الإجماع الأطلسي - الأوروبي، هو البحث عن سبيل للخروج من الحرب. والحال أن ماكرون لا يخفي «تشاؤمه» من تطوراتها، إذ استبعد، ليل الاثنين، بمناسبة اجتماع عام في مدينة بواسي (غرب باريس) التوصل «في الأيام والأسابيع المقبلة إلى حل حقيقي عبر التفاوض». ويرى ماكرون أن الشروط الأربعة المعروفة التي يتمسك بها بوتين لوقف الحرب «لا يمكن أن تكون أساساً للمفاوضات»، مضيفاً أن «وقف إطلاق النار هو شرط مسبق لأي حوار حقيقي» بين الجانبين. ولذا، توقع الرئيس الفرنسي «استمرار الحرب» مشدداً على ضرورة أن تبقى أوروبا بعيدة عن الانخراط فيها «لأن الحرب مع روسيا ستكون حرباً عالمية ومع قوة تمتلك السلاح النووي». من هنا، حرص ماكرون على استمرار التواصل مع نظيره الروسي، رغم أن الوساطة التي حاول القيام بها منذ قبل بدء الحرب لم تفضِ إلى أي نتيجة. وفي آخر اتصال له مع بوتين، قال له الأخير بشكل قاطع: «سأحقق أهدافي في أوكرانيا، سواء بالمفاوضات أو بالحرب». وأمس، اتصل ماكرون مجدداً بالرئيس الأوكراني لساعة ونصف الساعة. وأفادت مصادر الإليزيه لمجموعة من الصحافيين أن الرئيسين «تناولا تطورات الوضع والملفات الإنسانية وموضوع سلامة وأمن المنشآت النووية والمفاوضات الجارية في غوميل» على الحدود البيلاروسية - البولندية بين الوفدين الروسي والأوكراني. ويوماً بعد يوم، أصبح التواصل بين الرئيسين روتينياً. إلا أن ماكرون حريص على مواصلة ذلك لأن باريس ترى في زيلينسكي «الحجر الرئيسي» في المقاومة الأوكرانية، ومن الضروري الاستمرار في شدّ أزره. وسبق لماكرون أن أكد أكثر من مرة أن أي حلّ في أوكرانيا يجب أن يلقى قبولاً وموافقة من السلطات الأوكرانية، في إشارة إلى ما يمكن لـكييف أن تقبله أو ترفضه من شروط البحث عن حلول تفاوضية. وجاء التواصل مع زيلينسكي عقب اتصال قبيل ظهر أمس مع الرئيس الصيني شي جينبينغ بمشاركة المستشار الألماني أولاف شولتس. وأهمية هذا الاتصال تنبع من اعتبار الأوروبيين أن الصين هي الطرف القادر على التأثير على الرئيس الروسي بعد أن فشلت محاولات ماكرون وشولتس في دفع بوتين للتزحزح عن مواقفه المعلنة البالغة التشدد. كذلك يرى الغربيون أن الصين التي رفضت إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، وامتنعت عن التصويت لصالح قرار يدين موسكو في مجلس الأمن، ثم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تمثل «طوق النجاة» لـبوتين بعد العقوبات الاقتصادية والمالية والعزلة السياسية والدبلوماسية التي فرضت على موسكو. من هنا، فإن دفع بكين للدخول على خط الوساطات يمكن أن يشكل السبيل الأنجع لحمل الرئيس الروسي على مراجعة حساباته والموازنة بين الخسائر التي تلحق ببلاده والمكاسب التي ينتظرها من الحرب التي يبدو أكثر فأكثر أن ثمنها سيكون مرتفعاً للغاية. وأصدر قصر الإليزيه بياناً مختصراً جاء فيه أن القادة الثلاثة بحثوا «الجهود الحالية، بما في ذلك دور العقوبات من أجل التوصل إلى حل دبلوماسي» للحرب في أوكرانيا. ونقل الإليزيه أن بينغ «عبّر عن أسفه للتطورات الأخيرة، وعن دعمه لما تقوم به فرنسا وألمانيا للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وضمان حصول المدنيين على المساعدات الإنسانية تحت إشراف الأمم المتحدة». ولم يشر البيان مباشرة للوساطة الصينية التي أشار إليها وزير الخارجية الصيني وانغ يي، أول من أمس، إذ أكد أن بلاده «مستعدة للعب دور بناء في تعزيز المصالحة وتحفيز المفاوضات وللتعاون مع المجتمع الدولي في جهود الوساطة وفق الحاجة». ونقل التلفزيون الصيني، أمس، عن بينغ قوله لماكرون وشولتس إنه «من المهم تجنب تصعيد التوترات أو فقدان السيطرة»، إضافة إلى تأكيده على ضرورة أن يتعاون الجميع وأن يدعموا محادثات السلام... ولكن لا شيء يؤشر اليوم أن الصين قد تكون جادة في الضغط على «شريكها الاستراتيجي» الذي تجمعها به مصالح كبرى، ولكن أيضاً «العداء» مع الولايات المتحدة.
وفي سياق موازٍ، أعلن وزير الاقتصاد الفرنسي، برونو لو مير، أن أوروبا قادرة على التوصل إلى حلول حتى تصبح «مستقلة عن الغاز الروسي»، وأن التحدي اليوم يكمن في توفير الغاز لفصل الشتاء المقبل. والحال أن وضع فرنسا مختلف عن بقية الدول الأوروبية، باعتبار أنها تستورد 20 في المائة من حاجاتها من الغاز من روسيا، مقابل 50 في المائة لألمانيا، و100 في المائة لفنلندا... واستبعد لو مير أن تعمد كل دولة أوروبية لتدبير أمورها على انفراد، داعياً إلى حل أوروبي جماعي.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.