الإعاقات ليست «ثنائية» وتتسم بطيف من التدرجات

نصائح عملية للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة

الإعاقات ليست «ثنائية» وتتسم بطيف من التدرجات
TT

الإعاقات ليست «ثنائية» وتتسم بطيف من التدرجات

الإعاقات ليست «ثنائية» وتتسم بطيف من التدرجات

في كثير من الأحيان، يُنظر إلى الإعاقة على أنها مصباح كهربائي: إما مُضاء أو مُطفأ، أي أن الشخص إما لديه إعاقة أو لا. ولكن في الواقع، تقع معظم الإعاقات في مكان ما على طول «الطيف»، ولذا يمكن أن يكون لمشاهدتها من خلال عدسة ثنائية عواقب وخيمة.

إعاقة سمعية

في يوم صيفي قاتم بلندن عام 2009، وصلت أنا وعائلتي متأخرين إلى جلسة تجمع اجتماعية عربية. وتسربت رائحة الشاي المطعم بحبة الهال والقهوة التركية عبر جدران المنزل. كانت وليمة تنتظرنا مع مجموعة واسعة من المقبلات العربية وأطباق اللحوم وأوراق العنب المحشوة بها.
وبعد جولة من التحية، بدأت بالتحدث مع سيدة ساحرة سأسميها الخالة هدى. بابتسامة دافئة، استفسرت الخالة هدى عن تجربتي في العيش بكاليفورنيا، ما أدى إلى إخباري إياها بفقدان السمع. أجابت بشكل لا يصدق: «هل تعانين من فقدان السمع؟ ولكن يمكنك سماعي على ما يرام!»، كان رد فعل الخالة هدى مألوفاً جداً بالنسبة لي. إذ لا يستطيع معظم الناس، عند اكتشاف ضعف السمع الذي أعاني منه، فهم كيف يبدو أنني أتنقل في العالم دون صعوبة واضحة. وعلى الرغم من أنني أعاني من ضعف شديد في السمع، فإنني أعاني من ضعف في السمع ولست صمّاء. أقوم بتعظيم الاستفادة من سمعي المتبقي، باستكمال تقنيات السمع، والاستفادة من البيئات الصوتية المثلى، والاعتماد على قراءة الكلام (يشار إليها بالعامية باسم قراءة الشفاه) للتواصل مع الآخرين. بالنسبة لمعظم الناس، فان إعاقتى غير مرئية.
ويعاني أكثر من 60 مليون أميركي وأكثر من مليار شخص في جميع أنحاء العالم من الإعاقة، والغالبية العظمى منهم - مثلي - غير مرئيين. ومع ما تبقى لي من حاسة السمع، فأنا «أسمع بما فيه الكفاية» لكي لا أعتبر صماء طبياً، لكني في الوقت نفسه لا أعتبر أيضاً «صماء جداً» لانني أسمع بالفعل.
لسوء الحظ، غالباً ما يُنظر إلى الإعاقة على هذا النحو: إما أن يكون الشخص لديه إعاقة أو لا. وفي الواقع، فالإعاقة ليست أبداً كذلك، وبدلاً من هذا فهي معقدة للغاية ودقيقة ومتقاطعة ومتنوعة وترتبط بمجموعة واسعة من الخبرات. على سبيل المثال، فإن 85 في المائة من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات العين لديهم بعض من قدرة البصر، وكثير من الأشخاص الذين يستخدمون الكراسي المتحركة يمكنهم المشي أحياناً، وإعاقات التعلم (مثل عسر القراءة) موجودة على شكل طيف من التدرجات. علاوة على ذلك، يمكن أن تكون الإعاقات قصيرة أو طويلة المدى، أو مؤقتة أو دائمة، ويمكن أن تؤثر على حياة الناس بدرجات متفاوتة في أي لحظة. يمكن أن يكون للفشل في تقدير الطبيعة الديناميكية للإعاقة عواقب وخيمة، ليس فقط على الفرد الذي يحاول الإبحار في حياته، ولكن على المجتمع ككل.

تصنيفات ثنائية

التصنيفات الثنائية تؤذي الأشخاص ذوي الإعاقة. وتشير تصنيفات الكل أو لا شيء إلى أن الإعاقات والأمراض المزمنة في منتصف الطيف أقل تحدياً إلى حد ما. وعلى سبيل المثال، تُسمى درجات ضعف السمع بأنها معتدلة، ومتوسطة، وشديدة، وعميقة، التي تتوافق عملياً مع عدم القدرة على سماع الكلام، والمكنسة الكهربائية، والبيانو الموسيقي، والمنشار.
سواء أدركنا أم لا، فإن اللغة المستخدمة لتصنيف الإعاقة قد تؤثر على طريقة تشخيص المرضى وكيف ينظرون إلى إعاقاتهم. يمكن أن يثني التصنيف الثنائي أيضاً الأشخاص الذين يعانون من إعاقات «أكثر اعتدالاً» وأمراض مزمنة عن طلب الدعم ويؤدي إلى إثارة «القدرة» على نطاق واسع - التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة - ووصمة العار، ما قد يؤدي إلى عواقب صحية سلبية طويلة الأجل.
في بعض الأحيان، عندما يقول شخص ما لشخص من ذوي الإعاقة: «تبدو طبيعياً»، فإن القصد من ذلك هو مدحهم. لكن في أوقات أخرى، سواء كان ذلك مقصوداً أم لا، يبدو أن مثل هذه الملاحظة تشير ضمنياً إلى أن الشخص الذي يكشف عن الإعاقة يبالغ أو يزيف الإعاقة. ويشعر 60 في المائة من الأميركيين ذوي الإعاقة أن الآخرين شككوا في إعاقاتهم. والإعاقات المريبة مهينة. وعلى الرغم من أنهم يشكلون 30 في المائة من القوى العاملة المهنية، فإن معظم الأشخاص ذوي الإعاقة لا يكشفون عن إعاقاتهم لمديريهم أو فرقهم أو أقسام الموارد البشرية، لأن هذا الإفصاح قد يتضمن إفشاء الظروف الشخصية، أو ابتلاع الكبرياء، أو قضاء وقت هائل في شرح الإعاقات، وهدر طاقة عاطفية كبيرة. غالباً ما يؤدي الاضطرار إلى إثبات أن الشخص يعاني من إعاقة إلى منع الحصول على الإقامة والدعم المناسبين.
من خلال تجربتي الشخصية، يكون الأشخاص دائماً أكثر فائدة عندما «يحصلون عليها»، وذلك بشكل عام عندما تكون العوائق مرئية. ونظراً لأن معظم الحواجز غير مرئية أو واضحة على الفور للآخرين، يجب الشروع في كثير من الخطوات لإقناع الآخرين بوجود إعاقة. حتى مع وجود وسائل الراحة، يمكن أن يكون الأشخاص ذوو الإعاقة في وضع غير مواتٍ بشكل كبير، لأن إمكانية الوصول، في أحسن الأحوال، تتناول إمكانية الوصول - المساواة، وليس الإنصاف.

نصائح عملية للاتصال

هنا بعض الاقتراحات حول نصائح الاتصال العملية والحلول المحتملة طويلة المدى:
• قم بالرد بشكل داعم ودون أدنى شك حال كشف الآخرين عن الإعاقة.
- اشكرهم على صراحتهم. اسأل عما إذا كان هناك أي طريقة يمكنك من خلالها مساعدتهم أو تسهيل الأمور عليهم. الأهم من ذلك، صدقهم!
- تفهم أن الناس لديهم مستويات مختلفة من الراحة عند الإفصاح عن إعاقتهم. قد تكون من أوائل الأشخاص الذين كشفوا لهم ذلك، لذا قد يكون لرد فعلك تأثيرات دائمة على مستوى ثقتهم.
• لا تفصح عن إعاقة شخص آخر دون إذن.
• في العمل، اسأل عن كيفية تسهيل عمل الشخص المصاب بالإعاقة وجعله جزءاً من الفريق العامل.
• تجنب الإشارة إلى شخص واحد تعرفه لديه إعاقة مماثلة ما لم يكن هناك شيء يتعلق بذلك الشخص.
- على سبيل المثال، «جدي يعاني من ضعف السمع أيضاً!» ليس مفيداً أبداً أبداً، ولكن «صديقي متحمس أيضاً للدفاع عن الإعاقة!»، قد يكون جواباً أفضل.
• لا تصف الأشخاص ذوي الإعاقة بأنهم مصدر إلهام لأنهم يكافحون لتجاوز مصاعب حياتهم اليومية.
- غالباً ما تتم الشفقة على الأشخاص ذوي الإعاقة أو وصفهم بأنهم مصدر إلهام - وهي ظاهرة توصف باستخفاف بأنها «مصدر إلهام إباحي» من قبل أعضاء مجتمع الإعاقة.
- الإلهام الإباحي منفصل عن العمل الملهم أو الإنجازات الرائعة لذوي الإعاقة.
- اقرأ كتاب جوزيف شابيرو (Joseph Shapiro)، لا شفقة: الأشخاص ذوو الإعاقة يشكلون حركة جديدة للحقوق المدنية No Pity: People with Disabilities Forging a New Civil Rights Movement,. شاهد «Crip Camp: A Disability Revolution»، وتعرف على حركة حقوق المعوقين.
• اطلب إرشادات حول اللغة الموجهة لوصف الإعاقة.
- اسأل عن اللغة التي يفضلها الناس لوصف إعاقاتهم. يحب بعض الأشخاص اللغة الأولى للهوية، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة، بينما قد يرغب البعض الآخر في أن يتم وصفهم على أنهم «شخص ذو إعاقة».
- عبارات مثل «قادرون بشكل مختلف» حسنة النية ولكنها تضر أكثر مما تنفع، لأنها تعزز الوصمات المتعلقة بالإعاقة من خلال الإشارة إلى أن هناك شيئاً خاطئاً في وجود إعاقة.
- عبارة «شخص ليست لديه إعاقة» أفضل من «عادي».
- مصطلح «معاق» يعد مسيئاً.
• لا تفترض أن الناس يشعرون بالراحة عند مناقشة، أو الإجابة عن، الأسئلة المتعلقة بإعاقتهم.
- حتى إذا كان الشخص منفتحاً بشأن الإعاقة لديه، فإن هناك زمناً ومكاناً يجب اختيارهما لطرح الأسئلة. (كن على علم بالأوضاع العامة أو الخاصة).
- اطلب الإذن قبل طرح الأسئلة. امنح الناس طريقة مهذبة للتخلص من الاضطرار إلى الإجابة عن الأسئلة.
- إذا أمكن، قم بالبحث قبل أن تسأل عن الإعاقة.
- تفهم أن الناس قد لا يرغبون في التحدث عن إعاقتهم، حيث قد يكون من المرهق أن يضطروا باستمرار إلى الإجابة عن الأسئلة.
- يمكن للفضول في غير محله أن ينتهك الخصوصية الشخصية.
• كن استباقياً بشأن إمكانية الوصول عند التخطيط للأحداث وبيئات العمل والفصول الدراسية.
- افترض أن شخصاً واحداً على الأقل ستكون لديه إعاقة، وخطط وفقاً لذلك، سواء قام أي شخص بالإفصاح عن ذلك أم لا.
- عند إرسال رسائل بريد إلكتروني حول الأحداث أو المقابلات، قم بتوفير جهة اتصال لطلبات الإقامة: «يرجى الاتصال بـ xxx (الاسم) على xxx (البريد الإلكتروني) بحلول xxx (التاريخ) لأي تجهيزات وطلبات أخرى».
- بالنسبة للفصل الدراسي، ضع في اعتبارك وضع تصميم عام للتعلم يشمل الجميع مع إمكانات لإنشاء تجارب متعددة الحواس.
- توفير تعليق مفتوح لجميع مقاطع الفيديو ومكبرات الصوت. قم بتشغيل التسميات التوضيحية عند توفرها.
- تقديم أوصاف مكتوبة للصور.
- تأكد من أن المستندات يمكن الوصول إليها من قبل برنامج قارئ الشاشة.
- ضع في اعتبارك الضوضاء والتحفيز المحتمل الذي قد يطغى على شخص ما.

حلول طويلة المدى

• تطبيع المحادثات حول الإعاقة. اجعل الإعاقة جزءاً لا يتجزأ من محادثات العدالة والإنصاف والتنوع والشمول. وحدد الطرق اللازمة لإزالة الحواجز.
- زيادة تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل والمدارس. فالأشخاص ذوو الإعاقة ممثلون تمثيلاً ناقصاً بشكل كبير في مجال الطب.
- تقييم ممارسات الإدماج وإمكانية الوصول للبرامج والشركات والمدارس والأنشطة الاجتماعية لمعالجة الحواجز التي تسهم في التفاوتات بين الأشخاص ذوي الإعاقة. تخلص من العوائق التي تؤثر على القبول والمقابلات وعروض العمل.
- ابحث عن مصطلحات طبية بديلة لوصف الإعاقة إلى جانب - على سبيل المثال - خفيفة ومتوسطة وشديدة وعميقة. ضع في اعتبارك التعريفات التي تسلط الضوء على الفروق بين المستويات دون الإشارة إلى الصعوبات الشخصية.
* إذا كنت طبيباً، سلط الضوء على أن مصطلحات الإعاقة لا تعكس الصعوبات التي يواجهها الأشخاص، وأن كل شخص لديه تجربة فريدة. تأمل النموذج الاجتماعي للإعاقة، وليس الآثار الطبية فقط.
ستساعد معالجة الإعاقة على أنها شيء يحدث على طول الطيف في تغيير الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الأشخاص ذوي الإعاقة وتمكينهم. نظراً لأن العالم يعطي الأولوية للعدالة الاجتماعية، آمل في أن يبدأ الجمهور بنشاط في إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في المحادثات حول العدالة والإنصاف والتنوع والشمول.

* أميركية من أصل عراقي، ماجستير من جامعة ستانفورد، تعمل في مجلس إدارة جمعية فقدان السمع الأميركية
- بالاتفاق مع {مجلة رابطة كليات الطب الأميركية}


مقالات ذات صلة

6 أنواع من الحبوب لتعزيز صحة الأمعاء

صحتك  وجبة السحور ينبغي أن تتضمن أطعمة بطيئة الهضم مثل الحبوب الكاملة ومصادر البروتين (بيكسلز)

6 أنواع من الحبوب لتعزيز صحة الأمعاء

يلعب نظامك الغذائي دوراً أساسياً في الحفاظ على صحة الأمعاء. فتناول الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية الداعمة للأمعاء، مثل الألياف، يمكن أن يعزز حركتها المنتظمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك يحتوي التفاح على مركّبات يمكن أن تساعد في حماية البشرة مع التقدّم في العمر (بيكسلز)

5 أنواع من التفاح تحتوي على ألياف تدعم الهضم وصحة الأمعاء 

يعد التفاح وجبة خفيفة رائعة لتحسين صحة الأمعاء. تحتوي بعض أنواع التفاح على ألياف أكثر بقليل من غيرها، لكن جميع الأنواع تدعم عملية الهضم وصحة القلب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تفاصيل يومية صغيرة... وتأثير كبير في صحة العقل (مجلة ريل سمبل)

7 عادات يومية تُضعف دماغك من دون أن تنتبه

ماذا عن السلوكيات اليومية التي تبدو غير مؤذية، وإنما تؤثر تدريجياً في قدراتك الذهنية وأدائك المعرفي؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك الزبادي اليوناني يُعد من المصادر الشائعة للبروتين (بيكسلز)

تتفوق على الزبادي اليوناني... 6 وجبات خفيفة مليئة بالبروتين

البروتين عنصر غذائي أساسي يلعب دوراً كبيراً في بناء العضلات والمحافظة عليها، بالإضافة إلى دوره في دعم صحة العظام، والجهاز المناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية محتجون يسيرون في وسط طهران 29 ديسمبر 2025 (أ.ب)

شهود: عناصر أمن إيرانية تعرقل علاج جرحى الاحتجاجات داخل مستشفيات مكتظة

أفاد شهود عيان من أطباء، بأن عناصر أمن إيرانية عرقلت علاج جرحى الاحتجاجات داخل مستشفيات مكتظة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
TT

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)

تتركز أغلب النقاشات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي حول مخاطر كبرى؛ كالتحيز والهلوسة وإساءة الاستخدام أو القرارات الآلية غير القابلة للتفسير. لكن دراسة بحثية جديدة تلفت الانتباه إلى مصدر مختلف تماماً للمخاطر المحتملة. إنها الرموز الصغيرة التي نستخدمها يومياً من دون تفكير مثل الوجوه التعبيرية النصية (emoticons).

الدراسة، المنشورة على منصة «arXiv» تكشف عن أن نماذج اللغة الكبيرة قد تُسيء فهم هذه الرموز البسيطة بطرق تؤدي إلى أخطاء وظيفية صامتة، لا تظهر على شكل أعطال واضحة، بل في مخرجات تبدو صحيحة شكلياً لكنها لا تعكس نية المستخدم الحقيقية.

رموز مألوفة... ومعانٍ ملتبسة

على عكس الرموز التعبيرية الحديثة (emoji) التي تمثل وحدات مرئية موحدة، تعتمد الوجوه التعبيرية النصية مثل «: -)» أو «: P» على تسلسل أحرف «ASCII». ورغم بساطتها ، تحمل هذه الرموز معاني سياقية دقيقة، تختلف باختلاف الثقافة أو سياق الاستخدام. المشكلة، بحسب الباحثين، أن نماذج اللغة لا تتعامل دائماً مع هذه الرموز باعتبارها إشارات دلالية، بل قد تفسرها أحياناً كجزء من الشيفرة البرمجية أو كنص حرفي بلا معنى عاطفي.

هذا الالتباس الدلالي قد يبدو تفصيلاً صغيراً، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما تُستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي في مهام حساسة، مثل توليد الشيفرات البرمجية أو تحليل التعليمات أو تشغيل وكلاء آليين يتخذون قرارات تلقائية.

يمتد تأثير هذا الالتباس إلى الأنظمة المعتمدة على «الوكلاء الأذكياء» ما قد يضخّم الخطأ عبر سلاسل قرارات آلية متتابعة (شاترستوك)

قياس المشكلة بشكل منهجي

لفهم حجم هذه الظاهرة، طوّر فريق البحث إطاراً آلياً لاختبار تأثير الوجوه التعبيرية النصية على أداء النماذج. واعتمدوا على مجموعة بيانات تضم 3.757 حالة اختبار، ركزت في الغالب على سيناريوهات برمجية متعددة اللغات، حيث قد يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء دقيقة ولكن مؤثرة.

حقائق

38 %

هو معدل تجاوز الخطأ الذي سجلته الاختبارات عند وجود رموز تعبيرية نصية رغم بساطة هذه الإشارات وشيوع استخدامها اليومي.

الفشل الصامت

النتيجة الأكثر إثارة للقلق في الدراسة ليست نسبة الخطأ بحد ذاتها، بل طبيعة هذه الأخطاء. فقد وجد الباحثون أن أكثر من 90 في المائة من حالات الإخفاق كانت «فشلاً صامتاً»؛ أي أن النموذج أنتج مخرجات تبدو صحيحة من حيث البنية أو الصياغة، لكنها تنفذ منطقاً مختلفاً عمّا قصده المستخدم.

في البرمجة، على سبيل المثال، قد يؤدي ذلك إلى شيفرة تعمل دون أخطاء، لكنها تنفذ وظيفة غير متوقعة. هذا النوع من الأخطاء يصعب اكتشافه؛ لأنه لا يولد تحذيرات مباشرة، وقد لا يظهر إلا بعد فترة طويلة، أو في ظروف تشغيل محددة.

تجاوز النماذج نفسها

لم تتوقف الدراسة عند اختبار النماذج اللغوية بشكل مباشر، بل امتدت إلى أنظمة قائمة على «الوكلاء» (agent - based frameworks) التي تعتمد على هذه النماذج كعقل مركزي لاتخاذ القرار. ووجد الباحثون أن الالتباس الدلالي ينتقل بسهولة إلى هذه الأنظمة المركبة، ما يعني أن الخطأ لا يبقى محصوراً في إجابة واحدة، بل قد يتضخم عبر سلسلة من القرارات الآلية. هذا الاكتشاف مهم في ظل التوجه المتسارع نحو استخدام وكلاء ذكيين لإدارة مهام معقدة، من أتمتة البرمجيات إلى تشغيل سلاسل عمل كاملة دون تدخل بشري مباشر.

لماذا تفشل الحلول الحالية؟

قد يبدو الحل بديهياً، وهو تعليم النموذج تجاهل الوجوه التعبيرية، أو إضافة تعليمات صريحة في المطالبات (prompts). لكن الدراسة تشير إلى أن هذه المعالجات السطحية ليست كافية. فحتى مع تعليمات إضافية، استمرت النماذج في الوقوع في الالتباس نفسه، ما يدل على أن المشكلة أعمق من مجرد «سوء صياغة» في الطلب.

يرجّح الباحثون أن جذور المشكلة تعود إلى بيانات التدريب نفسها، حيث لا يتم تمثيل الوجوه التعبيرية النصية بشكل متسق، أو يتم التعامل معها أحياناً على أنها ضوضاء لغوية. كما أن البنية الداخلية للنماذج قد لا تميز بوضوح بين الرمز بوصفه إشارة عاطفية أو عنصراً نحوياً أو جزءاً من شيفرة.

الدراسة: جذور المشكلة تعود إلى بيانات التدريب وبنية النماذج نفسها ما يستدعي اختبارات أمان أدق وتحسين تمثيل الإشارات اللغوية الصغيرة (أدوبي)

سلامة الذكاء الاصطناعي

تكشف هذه الدراسة عن جانب مهم من التحديات التي تواجه نشر نماذج الذكاء الاصطناعي في البيئات الواقعية. فالمخاطر لا تنشأ فقط من القرارات الكبرى أو المدخلات الخبيثة، بل قد تأتي من تفاصيل صغيرة ومألوفة ويومية. وفي سياق سلامة الذكاء الاصطناعي، يسلط البحث الضوء على الحاجة إلى اختبارات أكثر دقة، لا تكتفي بتقييم صحة الإجابة من حيث المضمون العام، بل تدرس مدى تطابقها مع نية المستخدم. كما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية هذه النماذج للتعامل مع اللغة كما تُستخدم فعلياً، لا كما تُكتب في الأمثلة المثالية.

الخطوة التالية

لا تقدم الدراسة حلولاً نهائية، لكنها ترسم خريطة واضحة للمشكلة، وتدعو إلى مزيد من البحث في كيفية تمثيل الرموز غير التقليدية داخل النماذج اللغوية. وقد يكون ذلك عبر تحسين بيانات التدريب أو تطوير آليات تفسير دلالي أدق أو دمج اختبارات أمان جديدة تركز على «الإشارات الصغيرة».

تهدف الدراسة إلى القول إن في عصر الذكاء الاصطناعي، لا توجد تفاصيل صغيرة حقاً. حتى رمز ابتسامة بسيط قد يحمل مخاطر أكبر مما نتخيل، إذا أسيء فهمه داخل عقل آلي يعتمد عليه البشر في قرارات متزايدة الحساسية.


تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
TT

تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)

في عالم الأمن السيبراني تقوم الثقة غالباً على أسرار مخزنة في مكان آخر؛ قد تكون على خادم أو داخل ذاكرة محمية أو في قاعدة بيانات سحابية. لكن ماذا لو لم يكن من الضروري أن تغادر هذه الأسرار الشريحة الإلكترونية أساساً؟

طوّر مهندسون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تقنية تصنيع تُمكّن شريحتين إلكترونيتين من توثيق بعضهما عبر «بصمة» مادية مشتركة، من دون الحاجة إلى تخزين بيانات تعريف حساسة على خوادم طرف ثالث. ويمكن لهذه المقاربة أن تعزز الخصوصية وتخفض استهلاك الطاقة والذاكرة المرتبط عادةً بالأنظمة التشفيرية التقليدية.

الأسرار المخزّنة خارج الشريحة

حتى عندما تُصمَّم شرائح «CMOS» لتكون متطابقة، فإنها تحتوي على اختلافات مجهرية طفيفة تنشأ بشكل طبيعي أثناء عملية التصنيع. هذه الاختلافات تمنح كل شريحة توقيعاً مادياً فريداً يُعرف باسم «الدالة الفيزيائية غير القابلة للاستنساخ» (PUF). ومثل بصمة الإصبع البشرية، يمكن استخدام هذه الدالة للتحقق من الهوية.

في الأنظمة التقليدية، عندما يتلقى الجهاز طلب توثيق، فإنه يولّد استجابة تعتمد على بنيته الفيزيائية. ويقارن الخادم هذه الاستجابة بقيمة مرجعية مخزنة مسبقاً للتأكد من صحة الجهاز. لكن هذه البيانات المرجعية يجب أن تُخزَّن في مكانٍ ما، وغالباً على خادم خارجي. وإذا تم اختراق ذلك الخادم، تصبح منظومة التوثيق بأكملها عرضة للخطر.

يقول يون سوك لي، طالب الدراسات العليا في الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في «MIT» والمؤلف الرئيسي للدراسة: «أكبر ميزة في هذه الطريقة الأمنية أننا لا نحتاج إلى تخزين أي معلومات. ستبقى كل الأسرار داخل السيليكون دائماً».

تعتمد التقنية على استغلال الاختلافات المجهرية الطبيعية في تصنيع شرائح «CMOS» لإنشاء بصمة غير قابلة للاستنساخ (MIT)

شريحتان ببصمة واحدة

للتغلب على الاعتماد على التخزين الخارجي، ابتكر فريق «MIT» طريقة لتصنيع شريحتين تتشاركان بصمة مدمجة واحدة؛ أي بصمة فريدة لهاتين الشريحتين فقط.

ويمكن فهم الفكرة عبر تشبيه بسيط: تخيّل ورقة تم تمزيقها إلى نصفين، الحواف الممزقة عشوائية وفريدة، ولا يمكن إعادة إنتاجها بدقة. ومع ذلك، فإن القطعتين تتطابقان تماماً؛ لأنهما تتشاركان نفس الحافة غير المنتظمة. طبّق الباحثون هذا المفهوم أثناء تصنيع أشباه الموصلات؛ إذ تُنتج عدة شرائح في الوقت نفسه على رقاقة سيليكون واحدة قبل فصلها. واستغل الفريق هذه المرحلة لإدخال «عشوائية مشتركة» بين شريحتين متجاورتين قبل تقطيعهما. يشرح لي: «كان علينا إيجاد طريقة لتنفيذ ذلك قبل مغادرة الشريحة المصنع، لتعزيز الأمان. فبمجرد دخول الشريحة في سلسلة التوريد، لا نعرف ما الذي قد يحدث لها».

هندسة العشوائية داخل السيليكون

لإنشاء البصمة المشتركة، استخدم الباحثون عملية تُعرف باسم «انهيار أكسيد البوابة» (Gate Oxide Breakdown)؛ إذ يتم تطبيق جهد كهربائي مرتفع على ترانزستورات محددة مع تسليط ضوء «LED» منخفض التكلفة عليها. وبسبب الفروقات المجهرية الطبيعية، ينهار كل ترانزستور في لحظة مختلفة قليلاً. تمثل حالة الانهيار هذه مصدر العشوائية التي تُبنى عليها البصمة الفيزيائية.

ولإنشاء بصمة مزدوجة، صمّم الفريق أزواجاً من الترانزستورات تمتد عبر شريحتين متجاورتين، مع ربطها بطبقات معدنية أثناء وجودها على الرقاقة نفسها. وعند حدوث الانهيار، تتطور خصائص كهربائية مترابطة بين الترانزستورات المرتبطة.

بعد ذلك، تُقطَّع الرقاقة بحيث تحصل كل شريحة على نصف زوج الترانزستورات، وبالتالي تحتفظ كل واحدة ببصمة مشتركة مع الأخرى. وبعد تحسين العملية، تمكّن الباحثون من إنتاج نموذج أولي لشريحتين متطابقتين أظهرتا تطابقاً في العشوائية بنسبة تفوق 98 في المائة، وهي نسبة كافية لضمان توثيق مستقر وآمن.

ويقول لي إنه «لم يتم نمذجة انهيار الترانزستورات بدقة في العديد من المحاكاة، لذلك كان هناك قدر كبير من عدم اليقين. تحديد جميع الخطوات وتسلسلها لإنتاج هذه العشوائية المشتركة هو جوهر الابتكار في هذا العمل». والأهم أن التقنية متوافقة مع عمليات تصنيع «CMOS» القياسية، ولا تتطلب مواد خاصة. كما أن استخدام مصابيح «LED» منخفضة التكلفة وتقنيات دوائر تقليدية يجعل تطبيقها على نطاق واسع أمراً عملياً.

يمكن أن تفيد التقنية الأجهزة منخفضة الطاقة مثل المستشعرات الطبية عبر توفير أمن أعلى بتكلفة طاقة أقل (شاترستوك)

أهمية خاصة للأجهزة منخفضة الطاقة

يمكن أن تكون هذه التقنية مفيدة بشكل خاص في الأنظمة التي تعمل بقيود طاقة صارمة؛ إذ تُعد الكفاءة والأمن أولوية في آن واحد. فعلى سبيل المثال، قد تستفيد كبسولات استشعار طبية قابلة للبلع متصلة برقعة تُرتدى على الجسم من هذا النهج؛ إذ يمكن للكبسولة والرقعة توثيق بعضهما مباشرة من دون الحاجة إلى خادم وسيط أو بروتوكولات تشفير معقدة تستهلك طاقة إضافية.

يعد أنانثا تشاندراكاسان، نائب رئيس «MIT» والمؤلف المشارك في الدراسة، أن «هناك طلباً متزايداً بسرعة على أمن الطبقة الفيزيائية للأجهزة الطرفية». ويضيف أن منهج البصمة المزدوجة «يتيح اتصالاً آمناً بين العقد من دون عبء بروتوكولات ثقيلة، ما يحقق كفاءة في الطاقة وأمناً قوياً في الوقت نفسه».

نحو ترسيخ الثقة في العتاد نفسه

لا يقتصر البحث على الحلول الرقمية فقط؛ إذ يستكشف الفريق أيضاً إمكان تطوير أشكال أكثر تعقيداً من «السرية المشتركة» تعتمد على خصائص تماثلية يمكن تكرارها مرة واحدة فقط.

ويرى روانان هان، أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب والمؤلف المشارك في الدراسة، أن هذه الخطوة تمثل محاولة أولية لتقليل المفاضلة بين الأمان وسهولة الاستخدام. ويقول: «إن إنشاء مفاتيح تشفير مشتركة داخل مصانع أشباه الموصلات الموثوقة قد يساعد على كسر المفاضلة بين تعزيز الأمان وتسهيل حماية نقل البيانات».

ومع تزايد انتشار الأجهزة المتصلة وتوسع الحوسبة الطرفية، قد يصبح دمج الثقة مباشرة في العتاد أمراً ضرورياً. فمن خلال ضمان بقاء الأسرار داخل السيليكون نفسه، تشير هذه التقنية إلى مستقبل يُبنى فيه التوثيق داخل الشريحة لا خارجها.


«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
TT

«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)

أفاد تطبيق «إنستغرام» بأنه سيبدأ بتنبيه أولياء الأمور، إذا أجرى ​أبناؤهم، ممن هم في سن المراهقة، عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس، خلال فترة زمنية قصيرة، وذلك في وقت تتزايد فيه ‌الضغوط على الحكومات ‌لاعتماد قيود ​مشابهة لحظر ⁠أستراليا ​استخدام وسائل ⁠التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً.

ووفقاً لـ«رويترز»، قالت بريطانيا، في يناير (كانون الثاني)، إنها تدرس فرض قيود لحماية الأطفال عند اتصالهم بالإنترنت، ⁠بعد الخطوة التي اتخذتها ‌أستراليا، في ‌ديسمبر (كانون الأول). ​ وأعلنت إسبانيا واليونان ‌وسلوفينيا، في الأسابيع القليلة الماضية، ‌أنها تدرس أيضاً فرض قيود.

وذكر تطبيق «إنستغرام» المملوك لشركة «ميتا بلاتفورمز»، اليوم (الخميس)، أنه سيبدأ ‌في تنبيه أولياء الأمور المسجَّلين في إعدادات الإشراف الاختيارية، ⁠إذا ⁠حاول أطفالهم الوصول إلى محتوى يتعلق بالانتحار أو إيذاء النفس.

وتابعت المنصة في بيان: «تُضاف هذه التنبيهات إلى عملنا الحالي للمساعدة في حماية القصّر من المحتوى الضار المحتمل على (إنستغرام)... لدينا سياسات صارمة ضد المحتوى الذي ​يروج أو ​يشيد بالانتحار أو إيذاء النفس».