الأثرياء الروس المقربون من بوتين تحت حصار العقوبات الغربية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أرشيفية)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أرشيفية)
TT

الأثرياء الروس المقربون من بوتين تحت حصار العقوبات الغربية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أرشيفية)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أرشيفية)

شمل الرد الغربي على الغزو الروسي لأوكرانيا تضييق الخناق مالياً على الدائرة الواسعة من أصحاب المليارات المقربين من الكرملين، من تجميد حسابات مصرفية ووضع اليد على دارات فخمة ويخوت تعود إلى الأوليغارش الروس.
لكن المصادرات الكبيرة، مثل بعض اليخوت في فرنسا وإيطاليا في الأيام الأخيرة، ما زالت نادرة جداً؛ ما يعكس صعوبة تنفيذ ترسانة الإجراءات الانتقامية، بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.
منذ بدء الحرب في أوكرانيا في 24 فبراير (شباط)، يوسّع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا قوائمها الخاصة بالمقربين من النظام الروسي الذين أصبحوا معزولين عن النظام المالي الدولي. حتى أن سويسرا وموناكو انضمتا إلى هذا الإجراء.
برلمانيون وضباط عسكريون رفيعو المستوى وصحافيون بارزون وصناعيون ومموّلون من الصف الأول... يواجه مئات الأشخاص الآن تجميد أصولهم مصحوباً أحياناً بحظر إقامة.
ومن بين هؤلاء، نيكولاي توكاريف، رئيس شركة «ترانسنيفت» للنفط والغاز الذي وصفه الاتحاد الأوروبي بأنه «صديق قديم» للرئيس الروسي، وسيرغي تشيميزوف رئيس مجموعة «روستيك» للصناعات الدفاعية ورجل الأعمال الروسي الأوزبكستاني اليشر عثمانوف الذي يقال إنه «أحد الأوليغارشيين المفضلين لدى فلاديمير بوتين» وإيغور تشوفالوف، رئيس مصرف التنمية الروسي.

وهدد الرئيس الأميركي جو بايدن الثلاثاء الماضي في خطابه عن حالة الاتحاد، بأن «يخوتاً وشققاً فاخرة وطائرات خاصة» تابعة لرجال الأعمال المستهدفين، ستصادر.
وأشار وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير في اليوم نفسه إلى أنه سيتم أيضاً استهداف «شريكاتهم وأولادهم وشركاتهم العقارية بحيث لا يعود في إمكانهم الاختباء وراء هندسات مالية».
ويضاف إلى الأوليغارش، أي الشخصيات الثرية المقربة من السلطات الروسية، «صف خلفي إذا صح التعبير يضم ألفين إلى ثلاثة آلاف شخص هم أيضاً أثرياء جداً (...) وجميعهم مرتبطون ومدعومون من نظام» فلاديمير بوتين، كما قال الأستاذ في مركز الدراسات حول الفساد في جامعة ساسكس (برايتون، بريطانيا) روبرت بارينغتون.
قالت سارة بريمبوف، رئيسة منظمة الشفافية الدولية فرع فرنسا، إن فرنسا «تؤوي ممتلكات غير مشروعة كهذه. والعقارات الفاخرة هي الوسيلة المفضلة لغسل الفساد أو اختلاس المال العام».
وتتركّز الممتلكات العقارية لهذه الشخصيات في مناطق سياحية ساحلية شهيرة في الكوت دازور وفي غرب باريس وفي حفنة من المنتجعات في جبال الألب. لكن من الصعب جداً تحديدها بالتأكيد.
واستعرضت داريا كالينيوك، وهي شخصية أوكرانية بارزة في مجال مكافحة الفساد، سجلات عقارية ووثائق سرية كشف عنها مبلغون عن المخالفات. وفقاً لها، تعود ملكية فيلا في سان تروبيه إلى أوليغ ديريباسكا مؤسس شركة الألمنيوم العملاقة «روسال» الخاضعة منذ ضم شبه جزيرة القرم العام 2014 لعقوبات أميركية.
كذلك، يرتبط اسما بوريس وأركادي روتنبرغ اللذان طالتهما العقوبات الأميركية أخيراً، بممتلكات قرب نيس وغراس، بحسب كالينيوك. وكان الشقيقان، وهم صديقا الطفولة لفلاديمير بوتين ومارسا معه الجودو، يسيطران على شركات عملاقة في مجال البناء وحققا ثروتهما بفضل عقود عامة ضخمة، خصوصاً في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي أقيمت في سوتشي العام 2014.
وكشفت كالينيوك أيضاً، عن أن فيلاً فخمة في سان رافاييل تعود ملكيتها إلى غينادي تيمشينكو المدرج على قوائم العقوبات الأوروبية والأميركية والذي يعتبره الاتحاد الأوروبي «أحد المقربين» لبوتين. وهذا الملياردير هو مؤسس مشارك ومساهم في الكثير من الشركات، من بينها مجموعة «فولغا» الاستثمارية ومجموعة «غونفور» لتجارة السلع الأساسية.
أما فندق «لو كلوب دو كافالييه» الفاخر الواقع في لافاندو في جنوب فرنسا، فهو جزء من شركة تديرها زوجته إيلينا.

كذلك، اجتذبت لندن، بسبب التسهيلات التي تقدّمها منذ فترة طويلة للأثرياء الروس وعائلاتهم وبفضل نظامها التعليمي النخبوي، الكثير من استثمارات الأوليغارشيين، لدرجة أنها اكتسبت لقب «لوندونغراد».
وأشار بارينغتون إلى أن الأصول العقارية الإجمالية التي يملكها روس متّهمون بالفساد أو مقرّبون من الكرملين في بريطانيا «والتي تمكنا من تتبعها تصل إلى 1.5 مليار جنيه»، أو أكثر من 1.8 مليار يورو، في أحياء راقية مثل كينسينغتون وتشيلسي وهامبستيد. لكنه أكّد أنها «في الواقع أكثر من ذلك بكثير».
استثمرت النخب الروسية في كل القارات وأصولها مستهدفة في بلدان أخرى أيضاً مثل أستراليا واليابان. ولم يتمكن أحد من الأشخاص الذين قابلتهم وكالة الصحافة الفرنسية بهذا الشأن من تقييم القيمة الإجمالية لهذه الأصول.
ويعتمد تطبيق العقوبات على عدد قليل من المهنيين: مصرفيون وكتاب عدل ومحامون... وهم أيضاً يُتّهمون بانتظام بغض الطرف.
وقالت جودي فيتوري، الباحثة في الفساد في جامعة جورج تاون الأميركية والعضو غير المقيم في مؤسسة كارنيغي، إن الاستثمارات الروسية المشكوك فيها «لا تحدث من تلقاء نفسها». وأوضحت، أن الأوليغارش «لديهم أشخاص يسهّلون لهم ذلك من محامين ومحاسبين وتجار قطع فنية».
وقالت بريمبوف «لا يؤدي كل شخص دوره، ولا يبلغون بحصول عمليات مشبوهة مع أنهم يخضعون لالتزامات مكافحة غسل الأموال».
وأوضحت، أن المعلومات التي كشفها في 20 فبراير (شباط) صحافيون حول مصرف «كريدي سويس» المتهم بقبول إيداع عشرات المليارات من اليورو مصدرها إجرامي أو غير مشروع على مدى عقود، «تظهر أن المصرف فشل في التزاماته في الإبلاغ».
وقال ناطق باسم أحد المصارف الكبيرة، إن وضع جردة بالأصول عملية مضنية وطويلة؛ إذ إن «التدقيق في الملفات يتم يدوياً».
وأوضح جوليان مارتينيه، محامي شركة «سويفتليتيغايشن» الفرنسية لوكالة الصحافة الفرنسية «إحدى العقبات هي استخدام أسماء مستعارة». إن إجراء تحقيقات حول هؤلاء «يتطلب حشد الكثير من الأجهزة الاستخباراتية». نتيجة لذلك، أعلن عن عدد قليل من «المصادرات» الكبيرة حتى الآن.
فقد أعلنت الحكومة الفرنسية الخميس مصادرة يخت «أموري فيرو» الذي تقدر قيمته بين 100 مليون يورو و120 مليوناً والتابع لشركة مرتبطة «بايغور سيتشين»، رئيس مجموعة «روسنفت» النفطية الروسية، في حوض لبناء السفن في لا سيوتا في جنوب فرنسا.
من جهتها، أعلنت إيطاليا السبت أنها جمدت نحو 140 مليون يورو من أصول تابعة لأوليغارشيين روس، من بينها يختان، هما «ليدي إم» الذي تبلغ قيمته 95 مليون يورو ويعود إلى رجل الأعمال أليكسي مورداتشوف، وهو من الدائرة المقربة لبوتين التي تخضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي، و«لينا» (50 مليون يورو) الذي يملكه غينادي تيمشينكو.
وأشارت كارول غريمو بوتر، أستاذة الجغرافيا السياسية لروسيا في جامعة مونبيلييه ومؤسِّسة مركز الأبحاث لروسيا وأوروبا الشرقية، إلى أن تطبيق العقوبات «لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها».
وقالت ساره بريمبوف، إن «الكثير من التحقيقات التي فتحت قبل أكثر من عشر سنوات خلال الربيع العربي، ما زالت جارية».

ومن أجل الالتفاف على هذه الصعوبات، أعلن وزير العدل الأميركي ميريك غارلاند، الأربعاء، إنشاء خلية مخصصة لملاحقة «الأوليغارشيين الروس الفاسدين». وتضم «كليبتوكابتشر» أكثر من 10 مدّعين عامين ومتخصصين في القانون الجنائي والأمن القومي، بالإضافة إلى محققين من الشرطة الفيدرالية وسلطات الضرائب والخدمات البريدية.
كذلك أنشأت فرنسا أيضاً «فرقة عمل» تضم عشرات الأشخاص من هيئة إدارة الضرائب وجهاز الاستخبارات المالية والجمارك والمديرية العامة للخزانة.
حتى الهواة يشاركون في المطاردة. على «تويتر»، يتتبع المراهق الأميركي جاك سويني الطائرات الخاصة على حسابه «راشن أوليغارش دجيتس».
لكن ذلك لا يكفي لتحديد الممتلكات. إذا كان نظام وضع قوائم الأوليغارشيين على نطاق أوروبي يسمح بتجميد أصولهم، فإن الخطوة التالية، وهي مصادرتها، أكثر تعقيدا بكثير من الناحية القانونية.
وأوضح مارتينيه «التعرض لحق الملكية، يحتاج إلى قانون وليس إلى مجرد قاعدة تنظيمية أو قرار».
فضّل الكثير من أصحاب المليارات الروس إرسال يخوتهم في أسرع وقت ممكن إلى مياه إقليمية أكثر تسامحاً.
وقال مصدر مطلع على هذا القطاع لوكالة الصحافة الفرنسية «هناك الكثير من الأصداء في الأوساط (البحرية) حول استعداد يخوت روسية لمغادرة الكوت دازور»؛ خوفاً من العقوبات، مشيراً إلى دبي كوجهة محتملة.
ويبدو أن جزر المالديف التي ليس لديها معاهدة لتسليم المجرمين مع الولايات المتحدة، وجهة محتملة أيضاً، فقد رصدت الكثير من اليخوت هناك، من بينها تلك التي يملكها قطبا الألومنيوم أوليغ ديريباسكا والصلب ألكسندر أبراموف.
من ناحية أخرى، لم تحصل حتى الآن أي مبيعات ضخمة لعقارات في الكوت دازور، بحسب مسؤول في نقابة المهنيين في هذا القطاع.
وفضّل الكثير من أصحاب المليارات الروس قطع العلاقات بشركاتهم المستهدفة.
وعلى سبيل المثال، أعلن رجل الأعمال الروسي رومان أبراموفيتش الذي لم تستهدفه العقوبات (بعد) أنه اتخذ قراراً ببيع نادي تشيلسي الإنجليزي الذي يملكه منذ العام 2003.
وهو طلب من مساعديه إنشاء مؤسسة خيرية تتلقى كل العائدات الصافية من عملية البيع. وقال الملياردير الروسي في بيان «المؤسسة ستعمل لصالح جميع ضحايا الحرب في أوكرانيا. وهذا يشمل توفير الأموال الضرورية لتلبية الحاجات العاجلة للضحايا، فضلاً عن عمليات التعافي طويلة المدى».
كذلك، انسحب ميخائيل فريدمان من صندوق الاستثمار «ليتروان» الذي شارك في تأسيسه ومن كل المجموعات الأوروبية التي يملك أسهماً فيها، كما فعل شريكه بيتر أفين.
وينفي الرجلان اللذان استهدفتهما العقوبات الأوروبية وجود أي «علاقة مالية أو سياسية» مع فلاديمير بوتين. حتى أن ميخائيل فريدمان ندد بالحرب في أوكرانيا ووصفها بأنها «مأساة ستدمر» البلدين.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.