الصراع الروسي ـ الأوكراني في فضاءات اللغة والثقافة والكتب

تاريخ جدليّ طويل بين البلدين يعود إلى القرن التاسع الميلاديّ

الشاعر الأوكراني فاسيل ستوس... وجد ميتاً في سجنه السوفياتي
الشاعر الأوكراني فاسيل ستوس... وجد ميتاً في سجنه السوفياتي
TT

الصراع الروسي ـ الأوكراني في فضاءات اللغة والثقافة والكتب

الشاعر الأوكراني فاسيل ستوس... وجد ميتاً في سجنه السوفياتي
الشاعر الأوكراني فاسيل ستوس... وجد ميتاً في سجنه السوفياتي

لا يسهل فهم الصراع الروسيّ الأوكرانيّ الحالي في إطاره السياسيّ والعسكريّ فحسب، إذ بين هذين البلدين المترابطين بشكل لا ينفصم تاريخ جدليّ طويل يعود إلى القرن التاسع الميلاديّ على الأقل، تداخلت فيه الجغرافيا والعرقيّات والأديان، والإمبراطوريات، والثورات، والموارد. ولعل أوكرانيا المعاصرة التي كسبت استقلالها إثر سقوط الاتحاد السوفياتي السابق (1991) هي هبة هذا التاريخ الملتبس أبداً: مجموعات ترى أنها في مدار الثقافة الروسيّة ومزاج الشرق وتريد الاحتفاظ بعلاقة وديّة مع مركز الجاذبيّة للشعوب السلافيّة (الروس والبيلاروس والأوكرانيين)، وأخرى تحس بالاختناق من الأنفاس الروسيّة الثقيلة وتريد الانعتاق عبر التوجه إلى الغرب. وقد انعكست هذه العلاقة اللدودة على سيكولوجيا الأوكرانيين، واتخذت من فضاءات اللغة والكتب والأدب ومختلف تمظهرات الثقافة ساحة لها.
قبل ثورة يوروميدان عام 2014 - التي أطاحت بالسلطة المتحالفة مع موسكو لمصلحة قوميين أوكرانيين ذوي أهواء غربيّة - كانت ثلاثة أرباع الكتب المتداولة في أوكرانيا تأتي من روسيا وباللغة الروسيّة، ولكن ذلك الرقم انخفض بشكل دراماتيكيّ خلال السنوات التي أعقبت الثورة البرتقاليّة حتى كاد يقل عن 20 في المائة قبل الاجتياح الروسيّ الأخير. وقد فرضت السلطات الجديدة في كييف ترتيبات معقّدة تستوجب الحصول على موافقات مسبقة لاستيراد الكتب، وشددت العقوبات المفروضة على ناشرين روس كبار، كما حظر قرار صادر عن مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني في مارس (آذار) 2019، استيراد الكتب من تسعة ناشرين روس رئيسيين.
وبينما ذهب البعض إلى اعتبار تلك الإجراءات تمييزاً ضدّ الثقافة واللغة الروسيّتين، وتقييداً لحرية التعبير، فإن آخرين يقولون إن روسيا قمعت الثّقافة الأوكرانية، وبخاصة أثناء الحقبة السوفياتية، وهي مستمرّة حتى اليوم وبطرق متباينة باستخدام الثقافة كسلاح ضد السيادة الأوكرانية، وبالتالي فإن جهود حكومة كييف في هذا الاتجاه قد تكون وسيلة ضرورية للدّفاع ضد قوة عملاقة عدوانية تسعى إلى إلغاء أوكرانيا من خريطة العالم.
من وجهة نظر اقتصادية محضة، فإن تقييد توارد الكتب من روسيا يهدف إلى دعم الناشرين الأوكرانيين في مواجهة منافسة لا ترحم من دور النشر الروسيّة التي تتمتع بسوق كبير تمنحها فائدة حجم تفضيليّة دائمة. لكن بعد التضييق على الكتاب الروسيّ لوحظت زيادة ملموسة في حركة النشر الأوكراني، وأصبح كثير من الكتب التي تصدر في روسيا يُعاد نشرها مرّة أخرى مترجمة إلى الأوكرانية، في أوكرانيا.
لكن السلطات الأوكرانيّة لا تعترف بوجود حظر عام على الكتب الروسيّة وإنما مجموع إجراءات فرضت منذ 2017 لضمان عدم تسرّب أدب الكراهيّة والعداء لأوكرانيا إلى داخل البلاد. وفي الحقيقة، فإن أي كميّة لا تزيد على عشر نسخ لا تخضع لتلك الإجراءات، ولكن عندما ينوي تجار الكتب استيراد كميّات كبيرة فعليهم أن يحصلوا على إذن رسميّ لضمان ألا يتعارض محتوى الكتاب مع القيم الديمقراطية، مثل: «التنصل من استقلال أوكرانيا»، أو «تشجيع العنف»، أو «التحريض على الكراهية العرقية أو الدينية»، أو «تمجيد الإرهاب وأي انتهاك لحقوق الإنسان والحريات». وقد تم تأسيس دائرة حكومية متخصصة للنظر لتنفيذ تلك الإجراءات والسّيطرة على توزيع المواد المطبوعة.

> كانت ثلاثة أرباع الكتب المتداولة في أوكرانيا تأتي من روسيا وباللغة الروسيّة، لكن ذلك الرقم انخفض بشكل دراماتيكيّ
خلال السنوات التي أعقبت «الثورة البرتقاليّة»

> بحسب أرقام حكوميّة، فإن مساهمة القطاع الإبداعي
في الناتج المحلي الإجمالي في أوكرانيا تجاوزت الـ5 في المائة،
بينما كانت تستورد خمسة أضعاف إنتاجاتها الثقافية

ويدرك المسؤولون الأوكرانيون أن المظهر العام لتلك التوجهات للتضييق على تداول الكتاب لا يساعد في بناء صورة صحيحة عن الممارسة الديمقراطيّة في البلاد، ولكنّهم يعتمدون على مواطنيهم لناحية وضعها في منظورها الصّحيح ضمن السّياق الأكبر للأمور.
فعلى الأرض، وبحكم التاريخ السّوفياتي المشترك، كانت الغلبة ولوقت قريب للإنتاجات الثقافيّة الروسيّة: الأفلام السينمائية والتلفزيون والكتب وموسيقى البوب مقابل مواد قليلة باللغة الأوكرانية. ولا شكّ أن بعض الأفكار التي قد تتسرب من خلال الكتب الروسيّة، لا سيّما بعد 2014 تضم إشارات تمسّ السلامة الإقليمية لأوكرانيا، أو تعد تحريضاً على الكراهية العرقية والدينية، لا سيّما بعد نشوء الصراع المسلّح شرق أوكرانيا بين حكومة كييف والانفصاليين ذوي الأصول الروسيّة ودعم موسكو لهم.
وبغض النّظر عن مبررات تلك الإجراءات، فإن من نتيجتها أن ازدهرت أعمال النشر باللغة الأوكرانيّة وتضاعف معدل عدد النسخ المنشورة من الكتاب الواحد كما عدد العناوين في مختلف مجالات الأدب والفكر، فيما تراجع تداول ونشر الكتب بالروسيّة لا سيّما بعد أن أصبح التعليم بالأوكرانية إجبارياً في مدارس البلاد، بدءاً من عام 2020 - رغم وجود أقليّة روسيّة يزيد عددها على 8 ملايين نسمة في الجمهوريّة التي يصل مجموع عدد سكانها إلى نحو 45 مليوناً.
كما تدعم جهات حكوميّة ومؤسسات شبه حكوميّة - مثل الصندوق الثقافي الأوكراني ومعهد الكتاب الأوكرانيّ والمؤسسة الثقافيّة الأوكرانيّة - بسخاء تمويل ترجمات من إنتاجات كتاب أوكرانيين إلى لغات غربيّة إضافة إلى دعم الإنتاج الثقافيّ بشكل عام.
هذا الازدهار غير المسبوق في إنتاج الكتب أتاح للقطاع الإبداعيّ باللغة الأوكرانيّة (كالأغاني والموسيقى والأفلام والفيديو) هوامش أوسع للانتشار، ما انعكس إيجاباً على الثقافة الوطنيّة والاقتصاد القوميّ على حد سواء.
وبحسب أرقام حكوميّة، فإن مساهمة القطاع الإبداعي في الناتج المحلي الإجمالي تجاوزت 5 في المائة، وبينما كانت أوكرانيا تستورد خمسة أضعاف إنتاجها من الإنتاجات الثقافيّة، فإن الأرقام متعادلة الآن بين الصادرات والواردات.
ورغم أنّ صناعة الكتب والعوالم الثقافية ستكونان من أوّل المتأثرين بالحرب الدائرة على الأراضي الأوكرانيّة، فإنّ التضامن الغربيّ الواسع إثر الاجتياح الروسّي الأخير سيفتح دون شك آفاقاً لا نهائيّة أمام الأدباء والمفكرين الأوكرانيين، ولن يُستغرب إن قررت مؤسسة نوبل منح جائزتها المرموقة للأدب لأديب أو أديبة من تلك البلد بعد أن عاندتها كثيراً.
وكانت آخر محاولة جادة لمنح تلك الجائزة لكاتب أوكرانيّ تعود إلى الثمانينات عندما طرح اسم الشاعر والمنشق الأوكراني فاسيل ستوس لمنحه الجائزة أثناء احتجازه في سجن سوفياتي، غير أنه ما لبث توفي في ظروف مريبة قبل بدء عملية تقديم الترشيحات.
ويعد النقّاد أنّ ولادة الأدب الأوكراني الجديد بدأت بنشر رواية «موسكوفياد (Moscoviad)- 1992» ليوري أندروخوفيتش التي تُرجمت إلى الإنجليزيّة في 2009. وتحكي الرواية التي تذكرنا برائعة جورج أورويل (1984) عن ملامح التفكك في الإمبراطوريّة باستخدام الواقعيّة الخياليّة لنقل أجواء العيش في عالم بائس خلال يوم واحد في موسكو. وواصلت أوكسنا زابوشكو نقل الأدب الأوكراني بعيداً عن الأجواء السوفياتيّة فكتبت روايتها الاستفزازيّة «عمل ميدانيّ في الجنس الأوكراني (Fieldwork in Ukrainian Sex) - 1996» وطرحت فيها ثيمات نسويّة وسياسيّة مثيرة للجدل وكسرت كثيراً من التابوهات الاجتماعيّة حتى عدّت العمل الأدبي الأكثر تأثيراً منذ الاستقلال.
ومن الكتّاب المشهورين اليوم: سيرهي زهادان الشاعر والكاتب من إقليم دونباس المتنازع عليه والمعروف بتصويره للمجتمع الأوكراني، كما هو وليس بصورة مثاليّة، ما جلب له شعبيّة كبيرة بين الشبّان، وأيضاً فاسيل شكيار الذي باعت روايته «طريق الغراب (Raven’s Way) – 2009» أكثر من 300 ألف نسخة، وهو رقم قياسيّ للكتب المنشورة في أوكرانيا. ويعيد شكيار من خلال روايات تاريخيّة استكشاف نضال الأوكرانيين المجهول لأجل الاستقلال عن روسيا عبر 300 عام، لا سيّما في العصر السوفياتيّ.
ومع ذلك، فإن هؤلاء الذين وصلت أعمالهم إلى اللغات الأجنبيّة يبقون أقليّة، إذ لا يزال عشرات المؤلفين الأوكرانيين الجدد ينتظرون من يترجم لهم أعمالهم كي تجد الاعتراف بجدارتها على النّطاق الدولي. وسيكون من سخرية القدر أنّ الاجتياح الروسيّ لبلادهم هو تحديداً ما سيمنحهم الفرصة لذلك.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».