لين العظم الوراثي

واحد من 7 آلاف مرض نادر في العالم تهدد الحياة

لين العظم الوراثي
TT

لين العظم الوراثي

لين العظم الوراثي

يحتفل العالم في يوم 28 فبراير (شباط) من كل عام بيوم الأمراض النادرة؛ سعياً لزيادة الوعي بها وإحداث تغيير لـ300 مليون شخص حول العالم يعيشون مع مرض نادر وعائلاتهم والقائمين على رعايتهم. وفي الولايات المتحدة، يعدّ المرض نادراً إذا أصاب أقل من 200 ألف من السكان، وهناك 25 - 30 مليون أميركي يعيشون مع مرض نادر.

المرض النادر
يُعرَف المرض بالنادر عندما يصيب واحداً من 2000 شخص من السكان، وتصيب 75 في المائة من الأمراض النادرة الأطفال ويتوفى ما نسبته 30 في المائة منهم قبل بلوغهم سن الخامسة. ويعاني العرب من أعلى معدلات الإصابة بالأمراض الوراثية في العالم بما يقرب من 25 مليون إصابة، أحد أسبابها ارتفاع نسبة زواج الأقارب.
ووفقاً للمنظمة الوطنية للأمراض النادرة(NORD) ، فإن يوم الأمراض النادرة يدعو إلى المساواة الصحية لجميع أولئك الذين يعيشون مع مرض نادر، ويرفع الشعار السنوي: «المرضى والباحثون - شركاء من أجل الحياة Patients & Researchers - Partners for Life».
ووفقاً للمعاهد الوطنية الأميركية للصحة (NIH)، يصيب نحو 7000 - 10000 مرض نادر، البشر، بضع مئات منهم فقط يتلقون بعض العلاج. نظراً لصعوبة تشخيص الأمراض النادرة غالباً؛ فقد يستغرق الأمر سنوات للحصول على تشخيص دقيق. وحتى بعد التشخيص الصحيح، غالباً ما يكون العلاج غير متاح؛ لأن أقل من 5 في المائة من الأمراض النادرة لديها علاج معتمد من قِبل إدارة الغذاء والدواء. ونتيجة لذلك؛ فإن الأمراض النادرة تكون مزمنة ومتقدمة وخطيرة أو مهددة للحياة ومكلفة للمرضى وأسرهم والأمة ككل.
إن أسباب الكثير من الأمراض النادرة غير معروفة. يمكن إرجاع معظم الأمراض النادرة إلى طفرة أو تغير في جين واحد. يمكن أن تنتقل بعض الأمراض الوراثية النادرة إلى الأبناء، وهذا هو سبب انتشار بعض الأمراض النادرة في العائلات. يمكن أن تلعب العوامل البيئية أيضاً دوراً في الأمراض النادرة، إما عن طريق التسبب مباشرة في المرض أو التفاعل مع الوراثة لدى شخص ما لإحداث المرض أو تفاقمه. هناك أشكال نادرة من الأمراض المعدية وأمراض المناعة الذاتية والسرطانات.
وبينما قطع الباحثون خطوات كبيرة في السنوات الأخيرة نحو فهم أفضل لكيفية تشخيص عدد من الأمراض النادرة وإدارتها وحتى منعها، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به. في عام 1983، تم التوقيع على قانون الأدوية العضوية ليصبح قانوناً يوفر حوافز لشركات الأدوية لتطوير علاجات للأمراض النادرة. ومنذ ذلك الحين، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على أكثر من 340 علاجاً للأمراض النادرة.
وفي هذا المقال سوف نتحدث عن لين العظم الوراثي كأحد الأمراض النادرة والمهمة.

لين العظم الوراثي
تحدث إلى «صحتك» الأستاذ الدكتور بسام صالح بن عباس، استشاري أمراض الغدد الصماء واضطراب الهرمونات بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض، موضحاً أن «لين العظم الوراثي» هو أحد أهم أسباب هشاشة العظم لدى الأطفال المسببة لكسور وتشوه العظم، وهو على قسمين، هما:
- لين العظم المتصف بنقص الكالسيوم، ولين العظم المتصف بنقص الفوسفات. فنقص الكالسيوم المسبب للين العظم قد يكون بسبب نقص فيتامين «دي»، أو بسبب خلل في الغدة جار الدرقية.
- أما لين العظم الوراثي المتصف بنقص الفوسفات، فقد يكون بسبب خلل جيني يقع على كروموسوم «إكس» أو بسبب مشكلة ذات علاقة بالكلى تؤدي إلى عدم قدرة الكلى على الاحتفاظ بالفوسفات داخل الجسم، وهنا تكمن المشكلة، حيث إنه مهما عُوض المريض بالفوسفات، فإن جسمه لا يستطيع الاحتفاظ بالفوسفات في مستوياته الطبيعية بسبب فقدان الكلى له.
ولجميع أقسام وأنواع لين العظم الوراثي أسبابٌ جينية معينة ومحددة، ولكن قد لا يسعنا ذكر أسمائها؛ حتى لا نتعمق في تفصيلات طبية قد يصعب على القارئ الإحاطة بها.
ما هو تأثير المرض مستقبلاً؟ هناك تأثير جسمي مرضي بسبب تأخر النمو الحركي والإعاقة الحركية وتشوه العظم وتكسره. وأيضاً تأثير نفسي بسبب الإعاقة البدنية والإعاقة الحركية.

الأعراض
> ما أعراض مرض لين العظم الوراثي لدى الأطفال؟ أشار البروفسور بن عباس إلى أن أعراض مرض لين العظم تختلف من مريض إلى آخر، وذلك باختلاف المسبب الجيني أو شدة المرض، ولكن بصفة عامة يشكو الكثير من الأطفال المصابين بلين العظم الوراثي منذ الأشهر الأولى من حياتهم من تأخر المشي والتطور الحركي، وأيضاً من نقص الكالسيوم وما يصاحبه من تقلصات عضلية أو تشنجات ونحوها. ويؤدي نقص الكالسيوم أو الفوسفات في الدم، وهما أساس تكوُّن العظم ومن أهم عناصره وأملاحه، إلى تشوه العظم بصفة عامة وتشوه عظم الساقين واليدين بصفة خاصة.
وفي حالات كثيرة قد تتأثر الجمجمة ويتغير شكلها الخارجي بسبب الإغلاق المبكر لبعض مفاصلها؛ مما يؤدي إلى زيادة ضغط الدم في الرأس. ويتصف لين العظم الوراثي أيضا بكسور العظم المتكررة، وما يصاحب ذلك من ألم متكرر ومزمن.
قصر القامة وتأخر النمو الطولي من أعراض المرض ذات التأثير النفسي البالغ على الطفل، إضافة إلى أعراض المرض الخفية مثل تشوه الأسنان وتسوسها وظهور الخراجات فيها والتهابات اللثة.
ويعتبر تكلس الكلى من أهم أعراض المرض، إما بسبب المرض نفسه أو بسبب علاج المرض بفيتامين «دال» أو بالكالسيوم.
وهنا يجب ألا ننسى الانعكاس النفسي لهذا المرض، إما بسبب المرض أو بسبب الاستمرار المزمن على الأدوية العلاجية، خاصة لو عرفنا أن هذه العلاجات غير مستساغة الطعم، وأخص هنا علاج الفوسفات الفموي.
> هل تختلف أعراض المرض لدى البالغين؟ يقول البروفسور بسام، إن أعراض المرض لدى البالغين هي امتداد لمضاعفات المرض الناشئة منذ الطفولة. وتشمل هذه الأعراض هشاشة العظم وتشوه العظم وضعف العضلات وتأثر المفاصل وتشوه شكلها الداخلي والخارجي. كما أن كسور العظم المتكررة تؤدي بطبيعة الحال إلى الإعاقة الحركية واستعانة الكثير من المرضى بكرسي متحرك للتنقل. وأيضاً تتصف هذه الأعراض المزمنة والشاقة بانعكاساتها النفسية على حياة المريض وعلى نشاطه اليومي المعتاد.
ويظهر ضعف السمع بصورة أكبر لدى البالغين والكبار مع تقدم العمر، وأضف إلى ذلك تكلس الكلى كما ذكرنا سابقاً.

التشخيص والعلاج
> التشخيص. كيف يتم تشخيص المرض؟
- أولاً، يتم تشخيص المرض إكلينيكياً، أي بالاعتماد على ظهور الأعراض، ويكون ذلك بعرض الطفل على الطبيب المختص، وقد يسهل التشخيص لو كانت هناك حالة أخرى في الأسرة مصابة بهذا المرض، فمرض لين العظم كما هو معروف هو مرض وراثي في بعض حالاته.
- ثانياً، يكون التشخيص ويتم التأكد منه بعمل التحليلات المخبرية من قياس لمستوى الأملاح مثل الكالسيوم والفوسفات وفيتامين «دال» وإنزيمات العظم والكبد وهرمون الغدة جار الدرقية ونحوها.
- ثالثاً، عمل الأشعة اللازمة لليدين والساقين، ولا ننسى الجمجمة أيضاً وكذلك الأشعة الصوتية للكلى للكشف المبكر عن تكلس الكلى ومحاولة تفادي تفاقمه.
- رابعاً، عمل التحليل الجيني الذي يحدد بدقة نوع وسبب لين العظم الوراثي وأيضاً موقعه؛ مما يسهل عملية دراسة الحالة مع الوالدين ومحاولة تفادي تكرار الحالة الوراثية في المستقبل في الطفل القادم.
> ما هو علاج مرض لين العظم الوراثي؟ وما هي تحدياته؟ يقسم الأستاذ الدكتور بسام بن عباس العلاج إلى قسمين: علاج تقليدي، وعلاج حديث بالأجسام المضادة، ثم دور الوقاية.
- أولاً:العلاج التقليدي. ويسمى أيضاً بالعلاج التعويضي، حيث يتم التعويض بالفوسفات المفقود وفيتامين «دي» الناقص. إلا أن العلاج التعويضي بالفوسفات لا يفي بالغرض لأنه لا يعالج المشكلة من جذورها، وهي عدم قدرة الكُلية على الاحتفاظ بالفوسفات. وهي أصل المشكلة؛ لذا كان لزاماً من إيجاد علاج جديد أكثر فاعلية من العلاج التقليدي.
أما عن التحديات التي تواجه المريض المستخدم للعلاج التقليدي، فنذكر منها عدم انتظام المريض على هذا العلاج؛ لكونه غير مستساغ من ناحية الطعم. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فهو علاج مزمن ويجب الاستمرار عليه فترات طويلة. ولو افترضنا جدلاً أن المريض واظب على استخدامه، فسيكون، أي المريض، عرضة لتكلس الكلى.
ومن أهم التحديات ما ذكرناه سابقاً، أن الكُلية تفقد الفوسفات المستخدم حتى في حالة الانتظام على أخذه.
- ثانياً: العلاج بالأجسام المضادة. هو علاج جديد وحديث (Anti - FGF23 Monoclonal Antibody) ظهر خلال السنوات الأخيرة ويخص مرض لين العظم الوراثي المتصف بنقص الفوسفات، وهو علاج للمشكلة من جذورها، علاج يعمل على تقليص فقدان ملح الفوسفات من الجسم. وجميع الدراسات العالمية أثبتت جدواه، كما حصل على موافقة هيئة الدواء والغذاء الأميركية مؤخراً. ويعمل هذا العلاج على تقليل تأثير العامل البروتيني المرتفع (FGF23) بسبب الخلل الجيني الذي يؤثر على الكُلية ويجعلها تفقد ملح الفوسفات، فترتبط الأجسام المضادة بهذا البروتين وتخفض من مفعوله؛ ما يؤدي إلى عدم تسرب الفوسفات ويعود إلى مستواه الطبيعي الذي يمكنه من بناء العظم بشكل طبيعي. والجدير بالذكر، أن التجربة المحلية كانت ناجحة واستغنى جميع المرضى عن العلاج التقليدي غير المستساغ وغير المجدي في آن واحد.
> الوقاية. يؤكد البروفسور بن عباس أهمية عمل التحليل الجيني في مثل هذه الحالة، فهو ليس تشخيصياً فحسب وإنما له جانب وقائي مهم. فإذا ثبت الخلل الجيني سواء لمرض لين العظم الوراثي أو لأي مرض وراثي آخر، يمكن استبعاد الجين المصاب بهذا المرض بالتلقيح الخارجي (IVF) وذلك باستبعاد البويضة المخصبة (zygote) المصابة بالمرض أي التي تحمل الجين المختل ووضع البويضة السليمة في الرحم. وهذه التقنية يتم تطبيقها حالياً بمستشفياتنا المتخصصة بنجاح تام.

أمراض نادرة على مستوى العالم

يُذكر أن من أبرز الأمراض النادرة في العالم ما يلي:
> مرض «الهيموفيليا»، أحد الأمراض الوراثية المتعددة التي تسبب خللاً في الجسم وتمنعه من السيطرة والتحكم بإيقاف نزف الدم عند حدوث أي إصابة حتى لو كانت طفيفة.
> متلازمة «موبيوس»، اضطراب عصبي خلقي نادر للغاية يتميز بشلل في عضلات الوجه وعدم القدرة على غلق العينين أو تحريكهما.
> متلازمة «بيكا»، اضطراب نفسي يتميز باشتهاء أكل مواد غير معتادة مثل الشعر، الثلج، التراب، البراز، وغيرها من المواد.
> مرض «الخمود»، نوبة من الخمود بسبب ضعف العضلات الناجم عن التدمير المناعي الذاتي للخلايا العصبية.
> مرض «بروجيريا»، وهو شيخوخة الجلد المبكرة.
> مرض «ارتفاع الحمض الميثايل مالوني»، أحد أمراض التمثيل الغذائي الوراثية الناتجة من خلل في تكسير أو عمل حمض يسمى بالحمض الميثايل مالوني MMA نتيجة لنقص إنزيم معين في الجسم؛ مما يؤدى إلى تراكم عدد من المواد الضارة.
> مرض «عديدات السكاريد المخاطية»، ‏أحد الأمراض الوراثية الناجمة عن خلل فيما يسمى الليسوسوم، وهو الجزء المسؤول عن حرق المواد غير المرغوب فيها داخل الخلايا وتسمى أمراض تخزين؛ لأن الجسم يظل عاجزاً عن كنس وحرق وتكسير تلك المواد.
> مرض «كاواساكي»، متلازمة العقدة اللمفية المخاطية الجلدية، وهو التهاب شامل يصيب الأوعية الدموية صغيرة ومتوسطة الحجم، ويؤثر على جدرانها مما قد يسبب التوسعات الشريانية خاصة الشرايين التاجية وهي التي تغذي القلب ويؤثر كذلك على الكثير من الأعضاء، مثل الجلد، والعقد اللمفاوية، والأغشية المخاطية.
> مجموعة من أمراض الكبد النادرة، التي تؤثر على الناس من جميع الأعمار منها: متلازمة ألاجيل، البورفيريا الكبدية الحادة، الجالاكتوز في الدم، التهاب الأقنية الصفراوية الأولي، مرض ويلسون.
> مجموعة أخرى، مثل: الفينيل كيتونوريا، الضمور العضلي الدوشيني، متلازمة أنجلمان، متلازمة مثلثية الرأس، مرض ارتفاع ضغط الدم الرئوي الذي يرتبط بأمراض أخرى.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

صحتك فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.