شهد العراق في عام 2003 أكبر عمليات نهب وسلب نتيجة لغياب السلطة وتردي الأوضاع الأمنية على خلفية الغزو الأميركي للعراق، وانتهاء حقبة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وبروز عصابات
وقام لصوص بمهاجمة الأبنية الحكومية والمراكز التجارية والثقافية والمتاحف الفنية ومنازل كبار المسؤولين بهدف السرقة، ومن بين هذه الأماكن الهجوم على مركز الفنون في بغداد.
ويعد مركز الفنون في بغداد أو ما كان يسمى «مركز صدام للفنون» الذي تأسس عام 1986 من أكبر الصروح الثقافية في العراق، حيث كان يتم فيه استقبال المهرجانات الفنية العالمية والمعارض التشكيلية المحلية والعالمية فضلا عن كونه متحفا يضم لوحات نادرة لكبار الفنانين في العراق تعود لحقب مختلفة، وتتخذه اليوم وزارة الثقافة العراقية مقرا لها، بينما فقد بريقه الفني في مجالات الرسم والنحت والخزف.
وكان المركز يضم قبل عام 2003 نحو 8 آلاف لوحة فنية لرواد الفن العراقي وفنانين معاصرين لكن في أحداث السلب والنهب والسرقات التي رافقت سقوط حقبة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في أبريل (نيسان) عام 2003، أدت إلى سرقة وإتلاف نحو 7 آلاف لوحة، ولا يزيد عدد اللوحات الموجودة به حاليا على 1900 لوحة أعيدت عن طريق بعض الشرفاء ممن اشتروا اللوحات المسروقة المنتشرة في أنحاء العالم أو أنهم كانوا يحتفظون بها لحين استقرار الأوضاع.
وتعرضت بعض الأعمال الفنية الراقية للتلف نتيجة للتخزين السيئ، كما أن ما أعيد منها من قبل المهتمين بفن الرسم الذين قاموا بشرائها كان بحاجة للترميم والصيانة حيث تولت وزارة الثقافة العراقية ابتعاث عدد من الفنانين إلى إيطاليا ليدخلوا في دورات تدريبية لتعلم الصيانة وترميم اللوحات الفنية وفق طرق حديثة.
وقال الفنان التشكيلي ماهر الطائي لوكالة الأنباء الألمانية: «تم إنشاء مختبر صيانة الأعمال الفنية في المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد التابع لوزارة الثقافة العراقية عند العودة من روما عام 2006 حيث شاركنا في الدورة المقامة هناك لغرض صيانة اللوحات الفنية.. ومنذ ذلك التاريخ قمنا بجرد الأعمال التي تتطلب الصيانة والترميم وعملنا بجدية على صيانتها وإدامتها».
وأضاف: «تعرضت اللوحات لأجواء رطوبة وحرارة وأتربة وسوء تخزين وهذا يولد نوعا من البكتريا التي تتلف اللوحات وألوانها وكان أهم تحد أمامنا هو القضاء على الشقوق والتقشرات في العمل الفني وقد تعلمنا في دراستنا في روما الطرق المناسبة لتنفيذ الصيانة في هذا المجال».
وذكر: «قمنا بواجبنا ومارسنا كل العلوم التي تعلمناها إلا أننا ما زلنا نبحث عن أجهزة حديثة للصيانة وهذا لم يتوفر حتى الآن للأسف وهي تكمل عملنا وتعيد للوحة بعضا من بهائها الأول، وهي بحاجة إلى تخصيصات مالية لترميم اللوحات بشكل علمي وفني متقن يؤدي إلى الاعتراف بها عالميا وهذا الترميم المتقن تكمله الأدوات الإلكترونية الحديثة الذي يعطي طابع الأناقة في تنفيذ الصيانة والآلات الحديثة تساعدنا على اكتشاف مراحل اللون مجهريا وتقتل البكتريا التي تتلف العمل الفني وتعالج كمد الألوان الناتج عن تفاعل الألوان كيماويا بسبب تقادم الزمن على اللوحة».
منذ عام 2006 وحتى الآن قام المختبر بعمليات صيانة كثيرة شملت نحو 50 لوحة سنويا، ويشترك في ذلك عدد كبير من الفنانين ومن بين اللوحات التي تمت صيانتها لوحات تعود إلى فنانين عراقيين كبار أبرزهم: فرج عبو، وعبد القادر الرسام، وجواد سليم ماهود أحمد، وآخرون.
وقال الطائي: «نحن لا نقوم بإعادة رسم الأعمال الفنية القديمة لأنها جريمة حيث ليس من الصحيح إعادة وضع الألوان على عمل متحفي ومن الممكن أن نجري الإضافات على اللوحات حينما يطلب منا أصحابها الذين ما زالوا أحياء، أما الأعمال المتحفية التي تعود إلى أكثر من مائة عام وقد رحل أصحابها فلا يحق لنا التلاعب بها».
وأضاف أن «عملنا في المختبر يقتصر على إجراء الصيانة وإيقاف الضرر فقط والحفاظ على الحقبة الزمنية للوحة، فمثلاً لوحة الفنان عبد القادر الرسام عمرها مائة عام، وقد تعرضت للتشقق وقمنا نحن بتليين التشقق ولكننا ما زلنا بحاجة للأجهزة الحديثة لإجراء الترميم، ولكني سأتوقف بهذا العمل؛ إذ لا يمكن إضافة أي لون وإلا فإني أتلف العمل الفني كله».
وذكر: «نحن حاليا نخاطب الإنتربول بخصوص اللوحات المسروقة منذ عام 2003 كما أننا نطالب المسؤولين بمفاتحة منظمة اليونيسكو لتكون لوحات الفنانين الرواد ضمن الجرد العالمي، ولكن أقولها بكل أسف إن الاهتمام الفني ليس من ضمن أولويات السلطة والمسؤولين، وأنا كفنان أعتقد أن إطار لوحة أهم من مائة كتاب رسمي يوجه إلى أي جهة مهما كان من الأهمية».
وأوضح: «نجري سنويا جردا على اللوحات ونعطيها رمزا وتاريخا وتؤرشف إلكترونيا، كما أننا نصور اللوحة قبل الترميم وبعد الترميم، واسم الشخص الذي قام بعملية الصيانة، وتكون المعلومات باللغتين العربية والإنجليزية وبعد عملية الترميم نغلف اللوحة ونحفظها في المخازن وتكون جاهزة للمشاركة في المهرجانات».
وذكر الطائي: «نحن بعد الصيانة نغلف العمل الفني ونحفظه في المخازن ونحن نقدر أنه يجب أن تكون المخازن مهيأة بطريقة علمية لحفظ اللوحات من ناحية الضوء والرطوبة ودرجات الحرارة، ويجب أن تتوفر مفرغات الهواء. ولم تقتصر فعاليات المختبر على صيانة اللوحات الفنية، بل شمل أيضا الأعمال النحتية والمخطوطات والرسومات الورقية التي لم يتسن للفنانين إتمام عملية النحت والرسم لها، حيث يواجه الفريق صعوبات في عملية الصيانة بسبب رقة الورق رغم اتباع طرق عملية في عمليات الصيانة».
وقال الطائي: «أقدر عاليا جهود الشباب العراقيين في غسل وتنظيف نصب الحرية وسط بغداد للفنان الراحل جواد سليم، لكنني أقول لهم لا تساعدوني في هدم بيتي، وجهودكم مشكورة ومبادراتهم بحسن نية لإصلاح المشهد، ولكنهم في الحقيقة يتبعون طرقا خاطئة جدا في التنظيف بعيدة عن الطرق العلمية».
وإذا كان الإرهابيون في تنظيم داعش قد دمروا الآثار العراقية التي تعود لآلاف السنين والمتاحف في الموصل وسرقة البعض منها، فإن الجهات العراقية المسؤولة مطالبة بصيانة هذه المقتنيات الفنية الرائعة التي تشكل جزءا من تاريخ العراق.
13:35 دقيقه
صيانة الأعمال الفنية في العراق.. مهام كبيرة وإمكانيات قليلة
https://aawsat.com/home/article/350856/%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D9%87%D8%A7%D9%85-%D9%83%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A5%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A9
صيانة الأعمال الفنية في العراق.. مهام كبيرة وإمكانيات قليلة
المتحف الوطني للفن الحديث في حاجة إلى مزيد من المعدات الإلكترونية
صيانة الأعمال الفنية في العراق.. مهام كبيرة وإمكانيات قليلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

