العملية العسكرية الخاصة... مشهد من موسكو

مدنيون يجهّزون قنابل مولوتوف في كييف أمس (أ.ب)
مدنيون يجهّزون قنابل مولوتوف في كييف أمس (أ.ب)
TT

العملية العسكرية الخاصة... مشهد من موسكو

مدنيون يجهّزون قنابل مولوتوف في كييف أمس (أ.ب)
مدنيون يجهّزون قنابل مولوتوف في كييف أمس (أ.ب)

في 24 فبراير (شباط)، أطلقت روسيا عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا. كان السبب للتطور، المناشدة التي قدمها إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئيسا جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، بطلب المساعدة في صدّ عدوان القوات المسلحة الأوكرانية المتواصل.
أعلن بوتين على الفور أن روسيا ستسعى جاهدة لنزع السلاح من أوكرانيا، فضلاً عن تقديم أولئك الذين ارتكبوا كثيراً من «الجرائم الدموية ضد مدنيين، بينهم مواطنو الاتحاد الروسي» إلى العدالة.
من وجهة النظر الروسية، فإن تحرك القوات المسلحة مشروع. وفي اليوم السابق، اعترف الرئيس فلاديمير بوتين بسيادة جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك. ووقّع معاهدات الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة مع رئيسيهما. وقد مرت هذه المعاهدات بعملية التصديق في مجلسي الدوما والشيوخ. وتم منح الرئيس الإذن من مجلس الاتحاد للجمعية الفيدرالية للاتحاد الروسي بإرسال القوات المسلحة إلى منطقة النزاع.
في الغرب، اعتُبر قرار بوتين بمثابة عدوان من جانب الاتحاد الروسي ضد أوكرانيا المستقلة. على الرغم من أن القوات المسلحة لأوكرانيا كانت حتى وقت قريب تستعد لحل عسكري في دونباس. ونشرت نحو 150 ألف عسكري هناك (نحو 70 في المائة من قوة الجيش الأوكراني)، من دون احتساب عناصر المجموعات المسلحة التي تشكلها كتائب القوميين.
من غير المحتمل للغاية أن تكون الأغراض الدفاعية وحدها، دفعت القوات المسلحة الأوكرانية إلى زج 450 دبابة وزرع ألغام في قطاعات واسعة على خط المواجهة.
في وقت سابق، دفعت الولايات المتحدة وحلفاؤها (أولاً وقبل كل شيء، بريطانيا العظمى وتركيا وبولندا ودول البلطيق) بكل طريقة ممكنة قيادة كييف لشن عملية عسكرية واسعة النطاق في دونباس. وهذه الأطراف لم تكتفِ بتشجيع كييف عبر الدعم السياسي وحده، بل قامت بتزويدها بطرازات مختلفة من الأسلحة والذخيرة الحديثة، كما أرسلت إلى أوكرانيا مدربين ومستشارين.
كانت روسيا قلقة للغاية بشأن إمكانية انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وما يمكن أن تلي ذلك من تدابير لنشر قواعد عسكرية أميركية على أراضي أوكرانيا. فضلاً عن أن هذا تزامن مع رفض واشنطن الكامل، مناقشة الضمانات الأمنية مع موسكو على أساس مبادئ الأمن غير القابل للتجزئة. علاوة على ذلك، في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير، أعلن رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي أنه سيبدأ العمل لعقد اجتماع للدول المشاركة في مذكرة بودابست (1994) من أجل مراجعة قرار تخلي أوكرانيا عن وضعها كقوة نووية.
إن الإمكانات العلمية والتكنولوجية المتاحة في أوكرانيا، يمكن أن تسمح لكييف ليس فقط بتطوير أسلحة نووية في وقت قياسي، ولكن أيضاً لإنشاء وسائل حديثة لإيصالها باستخدام الصواريخ الباليستية. هذا، إلى جانب حقيقة وقوع كارثة إنسانية في دونباس؛ حيث يعيش ما لا يقل عن 700 ألف من مواطني الاتحاد الروسي، دفع الرئيس بوتين إلى اتخاذ قراره بإطلاق عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا.
مع انقضاء اليوم الثالث للعملية، كان الجيش الروسي قد دمر 975 منشأة تابعة للبنى التحتية العسكرية في أوكرانيا، بما في ذلك 23 مركزاً للقيادة والاتصالات للقوات المسلحة و31 نظاماً صاروخياً مضاداً للطائرات من طرازات «إس 300» و«بوك» و«أوسا» و48 محطة رادار. وأسقط الجنود الروس 8 طائرات مقاتلة و7 طائرات هليكوبتر و11 طائرة من دون طيار، ودمّروا صاروخين تكتيكيين لمجمع من طراز «توتشكا». كما تم تدمير 223 دبابة ومدرعات أخرى، و39 قاذفة صواريخ متعددة، و86 قطعة مدفعية ميدانية من طراز «هاون»، و143 مركبة عسكرية على الأرض.
ومنذ بداية العملية العسكرية الخاصة، تقدمت الكتائب الشعبية في لوغانسك بدعم ناري من القوات المسلحة الروسية، إلى عمق 52 كيلومتراً وسيطرت على 7 مدن وبلدات جديدة. وتقدمت قوات دونيتسك نحو 10 كيلومترات أخرى في اتجاه بتروفسكوي واستولت على 3 بلدات جديدة. كما تقدمت القوات إلى مدينة ماريوبول من الشمال وتدريجياً من الشرق، برغم قيام الكتائب القومية الأوكرانية المنسحبة بتفجير المحطات الكهربائية الفرعية والجسور عبر الأنهار.

                                                                   جانب من تدريب مدنيين على القتال في كييف (أ.ب)

أيضاً، تقدمت مجموعة القرم التابعة للقوات المسلحة الروسية من الجنوب؛ خصوصاً على طول بحر آزوف. وبدا واضحاً أن الهدف يتمثل في تطويق القوات الأوكرانية في دونباس من الجنوب والغرب.
من المهم بشكل أساسي أن القوات المسلحة الروسية لا تسعى إلى اقتحام المدن الأوكرانية الكبيرة، بل تحاصرها فقط. في الوقت الحاضر، تم تنفيذ ذلك فيما يتعلق بخيرسون وخاركوف وتشرنيغوف وسومي وكونوتوب وبيرديانسك، وجزئياً فيما يتعلق بكييف. يتم ذلك لتقليل عدد الضحايا بين المدنيين والحفاظ على البنية التحتية. من ناحية أخرى، تعمد القوات المسلحة الأوكرانية إلى نشر المدفعية في المناطق السكنية في المدن، وتوزيع الأسلحة على نطاق واسع ومن دون رقابة. وقد أدى هذا التصرف إلى انتشار أعمال قطع الطرق ونهب المحلات التجارية في كييف. هناك معطيات عن وقوع اشتباكات بين القوات المسلحة الأوكرانية والحرس الوطني والكتائب القومية.
يتجلى ميل الجانب الروسي إلى السلام في حقيقة أنه بعد ظهر يوم 25 فبراير، انتظاراً لاحتمال إطلاق مفاوضات مع القيادة الأوكرانية، تم تعليق تقدم القوات الرئيسية للقوات الروسية. ومع ذلك، في اليوم التالي تم استئناف العمليات الخاصة في أوكرانيا بسبب رفض كييف للتفاوض. كان من المفترض إجراء هذه المفاوضات في مينسك، وتم تشكيل الوفد الروسي لهذا الغرض. وفي البداية، عرض الجانب الأوكراني إجراء محادثات في وارسو. ولكن بعد ذلك، بناءً على نصيحة من رعاتهم الأميركيين، تراجع الأوكرانيون عن المشاركة في محادثات.
في الأثناء، واصل الغرب وأوكرانيا إطلاق العنان لحرب إعلامية ضد روسيا. في هذا الإطار، يكفي لفت الأنظار إلى حدث وقع في 26 فبراير عندما استسلم 82 من حرس الحدود الأوكرانيين في جزيرة الثعبان، وتم نقلهم إلى سيفاستوبول. في وقت قالت فيه سلطات كييف إن الجنود الروس أطلقوا النار عليهم، بل تم منحهم جميعاً لقب أبطال أوكرانيا.
وأثناء إجلاء الأسرى الأوكرانيين، حاول 16 قارباً من القوات البحرية باستخدام «تكتيكات السرب» مهاجمة السفن الروسية التي تنقل الأسرى، كان الغرض واضحاً؛ تأكيد كذب رواية أعداد المجموعة. واللافت أنه تم تنسيق تحرك الزوارق الأوكرانية من قبل الطائرات الاستراتيجية الأميركية من دون التي قامت في ذلك الوقت بطلعات في المنطقة، ونقلت معطيات عن تحرك السفن الروسية إلى الجانب الأوكراني المهاجم.
في هذا الإطار، علينا التذكير بأن الرئيس الأوكراني زيلينسكي وأركان قيادته تركوا كييف تحت رحمة القدر. هم الآن في لفيف (توضيح من «الشرق الأوسط»: بعد تلقي المقال، أكّدت الرئاسة الأوكرانية وجود زيلينسكي وأفراد من حكومته في كييف، ونشروا مقطعاً مصوراً له في شوارعها).
على ما يبدو، في إطار العملية الخاصة للقوات المسلحة للاتحاد الروسي، هناك مستويان للأهداف الموضوعة. الأول هو هدف «الحد الأدنى» من المهمة، ويتركز في فصل أوكرانيا عن مناطق «روسيا الجديدة» التي يغلب على سكانها الناطقون بالروسية (تم انتهاك حقوقهم المدنية باستمرار). وضمن هذه المناطق، تقع دونيتسك ولوغانسك وخرسون ونيكولاييف وأوديسا وزابوروجي ودنيبروبتروفسك وخاركوف. فضلاً عن مدينة كييف. في هذه الحالة، تفقد أوكرانيا عملياً إمكاناتها الصناعية وجزءاً كبيراً من السكان.
بهذه الطريقة، أوكرانيا سوف تغدو أقل خطورة بكثير بالنسبة إلى روسيا، لكن التهديد الناتج عنها سوف يعود إلى الازدياد تدريجياً.
تلك المناطق، يمكن أن تحصل على سبيل المثال على وضع دونيتسك ولوغانسك الحالي، أي تغدو كيانات معترفاً بها جزئياً مع قيام الاتحاد الروسي بإبرام اتفاقيات حول الصداقة والتعاون المتبادل معها. عملياً سيؤدي هذا إلى إنشاء منطقة عازلة، من شأنها أن تبعد الناتو عن روسيا، لكن هذا السيناريو لن يسمح بنزع السلاح في أوكرانيا بأكملها.
أما الحد الأعلى، أو المهمة القصوى، للعملية العسكرية فهو يشمل السيطرة على كل أوكرانيا. ومن المحتمل تماماً أن يتم تقسيم البلاد إلى نوفوروسيا (روسيا الجديدة)، التي تتكامل بشكل كبير مع الاتحاد الروسي، وبقية أوكرانيا، التي يحكمها، على سبيل المثال، فيكتور ميدفيدشوك، رئيس المجلس السياسي لمنصة المعارضة «من أجل الحياة».
مجلس الدوما الروسي يرى في ميدفيدشوك مفاوضاً مقبولاً في إطار وفد أوكراني يمكن أن يحاور روسيا بدلاً من الرئيس زيلينسكي، الذي لا تبدو عنده استقلالية كاملة في صنع القرار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عودة رجل الأعمال الثري رينات أحمدوف أخيراً إلى أوكرانيا لا تبدو مصادفة على الإطلاق. قد يحذو حذوه آخرون من رجال المال والأعمال الذين يرغبون في المحافظة على مصالحهم في أوكرانيا.
إذا تم التعامل على المستوى الأقصى للمهمة في أوكرانيا، فسوف تظهر لدى المناطق الغربية من أوكرانيا مشكلة خطيرة؛ خصوصاً أن لدى سكان هذه المناطق مشاعر سلبية للغاية تجاه موسكو. إذا تم منحهم الاستقلال، فإن موسكو عملياً سوف تعزز خطط وارسو، التي سيكون لها نفوذ قوي بالفعل على هذه المنطقة. هذا ينسحب جزئياً على مناطق أخرى، بينها مثلاً ترانسكارباثيان؛ حيث تعيش أقلية من أصول مجرية. عموماً سيؤدي هذا إلى تخفيف ضغط الغرب بشكل كبير، لكنه سيخلق حتماً بؤرة توتر جديد مع الاتحاد الروسي في المستقبل. لإضعاف تأثير هذا العامل، ينبغي أن يتم ضم بقية أوكرانيا في إطار اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي.
في الحالين، يتم تنفيذ العملية العسكرية في أوكرانيا بحذر شديد. ليس فقط بهدف تقليص الخسائر بين السكان المدنيين، ولكن أيضاً بين القوات المسلحة لأوكرانيا، وبهدف الحفاظ على البنية التحتية المدنية. والأكيد أن موسكو لا تسعى إلى ضم أي أراضٍ أوكرانية. أمامها هدف واحد؛ نزع السلاح ونقل السلطة في أوكرانيا.
* خبير عسكري رئيس قسم في معهد بلدان رابطة الدول المستقلة



الجيش الأميركي يعلن إصابة أو إغراق أكثر من 20 سفينة إيرانية

مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي يعلن إصابة أو إغراق أكثر من 20 سفينة إيرانية

مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ذكرت القيادة المركزية الأميركية، الأربعاء، أن القوات الأميركية أصابت أو أغرقت أكثر من 20 سفينة إيرانية منذ بدء الصراع مع طهران مطلع الأسبوع الحالي.

قال ​قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، اليوم (الأربعاء)، ‌إن ‌الجيش ​دمر ‌16 ⁠سفينة ​إيرانية وغواصة واحدة، ⁠وقصف ما يقرب من ⁠2000 هدف ‌في ‌إيران.

وأضاف ​كوبر ‌في ‌مقطع فيديو نشر على «إكس»: «اليوم، ‌لا توجد سفينة إيرانية واحدة ⁠تبحر ⁠في الخليج العربي أو مضيق هرمز أو خليج ​عمان».

وأوضح: «يشارك في هذه العملية أكثر من 50 ألف جندي، وحاملتا طائرات، وقاذفات قنابل انطلقت من الولايات المتحدة، وهناك المزيد من القدرات في طريقها إلينا، ما يمثل أكبر حشد للقوة الأميركية في الشرق الأوسط منذ جيل كامل».

وتابع: «نحن الآن في أقل من 100 ساعة من العملية، وقد ضربنا بالفعل ما يقرب من ألفي هدف بأكثر من ألفي ذخيرة. قمنا بإضعاف الدفاعات الجوية الإيرانية بشكل خطير، ودمرنا المئات من منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. نحن نركز على تدمير كل شيء يهددنا».


التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
TT

التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)

أصبحت الحرب الإلكترونية من أهم أدوات الصراع العسكري في العصر الحديث، إذ تعتمد على التحكم في البيئة الكهرومغناطيسية بهدف تعطيل أنظمة العدو أو تضليلها. ومن أبرز تطبيقاتها التشويش على الصواريخ والذخائر الذكية التي تعتمد في توجيهها على إشارات إلكترونية مختلفة مثل إشارات الأقمار الاصطناعية أو الحساسات الرادارية والحرارية. ويكمن هدف هذا النوع من العمليات في إرباك أنظمة التوجيه ومنعها من تحديد الهدف بدقة.

كيف تعمل الصواريخ الذكية؟

تعتمد معظم الصواريخ الذكية الحديثة على مجموعة من أنظمة الملاحة والتوجيه. فبعضها يستخدم إشارات الأقمار الاصطناعية مثل نظام GPS لتحديد الموقع بدقة عالية، إلى جانب نظام الملاحة القصورية INS الذي يعتمد على قياس الحركة والاتجاه داخلياً. كما قد تستخدم الصواريخ حساسات رادارية أو كاميرات حرارية وبصرية لتعقب الهدف، إضافة إلى روابط اتصال لاسلكية تسمح بتحديث مسارها في أثناء الطيران. يهدف الجمع بين هذه الأنظمة إلى زيادة الدقة وضمان استمرار التوجيه حتى في حال تعطل أحد الأنظمة.

التشويش والتضليل: طريقتان للهجوم الإلكتروني

يمكن للهجوم الإلكتروني أن يؤثر في هذه الأنظمة بطريقتين رئيسيتين. الأولى هي التشويش، حيث تُبث إشارات قوية على التردد نفسه لإرباك أجهزة الاستقبال ومنعها من التقاط الإشارة الأصلية. أما الطريقة الثانية فهي التضليل أو التزوير الإلكتروني، حيث تُرسل إشارات مزيفة تشبه الإشارات الحقيقية، ما يجعل الصاروخ يعتقد أنه يتلقى بيانات صحيحة بينما يتم توجيهه فعلياً إلى مسار خاطئ.

خلال إطلاق صواريخ موجهة خلال تدريب عسكري عام 2013 قبالة مدينة تشينغداو الساحلية في الصين (رويترز)

كيف يتغير مسار الصاروخ؟

في حالة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، قد يبدأ الهجوم بإغراق جهاز الاستقبال بالضجيج الإلكتروني حتى يفقد الاتصال بالإشارة الأصلية، ثم يتم إرسال إشارات مزورة أقوى قليلاً من الإشارة الحقيقية. وإذا نجح هذا الأسلوب، يبدأ النظام الملاحي في حساب موقع خاطئ تدريجياً، ما يؤدي إلى انحراف الصاروخ عن هدفه.

أما الصواريخ التي تعتمد على الرادار أو الحساسات الحرارية، فيمكن خداعها بوسائل مختلفة مثل الضجيج الإلكتروني أو الأهداف الوهمية أو الشعلات الحرارية. وفي هذه الحالات قد يفقد الصاروخ اتجاهه نحو الهدف أو يتجه نحو هدف مزيف.

النتائج العملية للتشويش

عندما ينجح التشويش، غالباً لا ينحرف الصاروخ بشكل مفاجئ، بل تظهر النتيجة على شكل زيادة تدريجية في الخطأ عند إصابة الهدف. فالصاروخ قد يواصل الطيران اعتماداً على نظام الملاحة القصورية، لكنه يفقد التحديثات الدقيقة القادمة من الأقمار الاصطناعية. أما في حالة التضليل الإلكتروني، فقد تكون النتائج أخطر لأن النظام يعتقد أن البيانات التي يتلقاها صحيحة، فيعدل مساره بناءً على معلومات خاطئة.

محاولات الحد من تأثير التشويش

لمواجهة هذه التهديدات، تعمل الجيوش على تطوير وسائل حماية إلكترونية متقدمة، مثل تحسين معالجة الإشارات، وإدارة الترددات لتقليل تأثير التشويش. كما تُستخدم أنظمة لكشف الإشارات المزورة في مستقبلات الملاحة، إلى جانب الاعتماد على أكثر من نظام توجيه في الوقت نفسه.

ورغم هذه الإجراءات، يبقى التشويش الإلكتروني سلاحاً فعالاً في الحروب الحديثة، لأنه يسمح بإضعاف دقة الأسلحة الذكية دون الحاجة إلى تدميرها مباشرة.

اقرأ أيضاً


«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
TT

«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)

منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، اجتاحت الفضاء الرقمي موجة واسعة من المواد المضللة، تراوحت بين صور أُعيد تدويرها، ومقاطع من ألعاب فيديو قُدّمت على أنها ضربات صاروخية، ومشاهد قتالية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، فيما وصفها محللون بأنها «حرب سرديات».

وبعدما أشعلت الضربات الأميركية والإسرائيلية نهاية الأسبوع نزاعاً إقليمياً، اندلعت حرب معلومات موازية، إذ أغرق أنصار الطرفين وسائل التواصل الاجتماعي بمعلومات مضللة غالباً ما تنتشر بوتيرة أسرع من الوقائع على الأرض.

ودحض مدققو الأخبار في «وكالة الصحافة الفرنسية» سلسلة ادعاءات نشرتها حسابات مؤيدة لإيران أعادت نشر مقاطع قديمة للمبالغة في حجم الأضرار الناجمة عن ضربات طهران الصاروخية على إسرائيل ودول خليجية.

وقال مصطفى عياد من «معهد الحوار الاستراتيجي» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «ثمة بالتأكيد حرب سرديات تدور على الإنترنت».

وأضاف: «سواء كان الهدف تبرير الضربات عبر الخليج أو الترويج للقوة العسكرية الإيرانية في مواجهة الضربات الإسرائيلية والأميركية، يبدو أن الغاية هي إنهاك العدو».

وفي الضفة المقابلة، دفعت وسائل إعلام معارضة إيرانية بسرديات مضللة على منصتي «إكس» و«تلغرام» تُحمّل الحكومة الإيرانية مسؤولية ضربة صاروخية استهدفت مدرسة للبنات في إيران، بحسب باحثين.

كما حذّر المعهد من ظهور حسابات مزيفة تنتحل صفة قيادات إيرانية رفيعة.

وفي الأثناء، حصدت مقاطع من ألعاب فيديو أُعيد توظيفها على أنها ضربات صاروخية إيرانية، وصور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر إغراق سفن حربية أميركية، بينها حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، ملايين المشاهدات عبر منصات عدة.

وسُجلت أساليب تضليل مماثلة في نزاعات عالمية أخرى، بينها الحرب في أوكرانيا والحرب في غزة.

وقال عياد: «إنها حقاً سرعة وحجم هذه المواد التي تبعث على الدهشة، وتغذي قدراً كبيراً من الالتباس عبر الإنترنت بشأن الأهداف التي تم قصفها أو أعداد الضحايا على سبيل المثال».

ووفقاً لمرصد «نيوزغارد» لمراقبة الأخبار المضللة، حصدت هذه المشاهد الملفّقة التي تُظهر إيران بصورة أكثر تهديداً مما تشير إليه المعطيات الميدانية، أكثر من 21.9 مليون مشاهدة على منصة «إكس» وحدها.

«ضباب الحرب»

وأعلنت منصة «إكس» الثلاثاء أنها ستعلّق مشاركة صانعي المحتوى في برنامج تقاسم العائدات لمدة 90 يوماً إذا نشروا مقاطع عن نزاعات مسلحة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي من دون الإفصاح عن كونها مصطنعة.

ويستهدف تعديل السياسة ما وصفته الشركة بتهديد لمصداقية المعلومات في خضم الحرب الجارية ضد إيران.

وقال رئيس قسم المنتجات في «إكس» نيكيتا بير إنه «خلال أوقات الحرب، من الضروري أن يتمكن الناس من الوصول إلى معلومات موثوقة من الميدان»، مضيفاً أن تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية تجعل «من السهل جداً إنشاء محتوى قد يضلل الناس».

ويمثل إلزام الإفصاح عن المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي تحولاً ملحوظاً لمنصة واجه نهجها في إدارة المحتوى انتقادات واسعة منذ استحواذ إيلون ماسك عليها مقابل 44 مليار دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

وقال آري أبيلسون، الشريك المؤسس لشركة «أوبن أوريجينز» المتخصصة في التحقق من صحة المحتوى الإعلامي ومكافحة التزييف العميق «إن ضباب الحرب يتحول سريعاً إلى فوضى عارمة، إذ يخلق المحتوى الاصطناعي بالذكاء الاصطناعي ضجيجاً لا متناهياً في بيئات المعلومات».

وأضاف أنه «مع تصاعد حدة صراع عالمي آخر ذي تأثير بالغ في إيران، من المهم أن نفهم جميعاً كيف يعمل نظامنا الإعلامي».

وفيما قد يزيد من حدة الفوضى الرقمية، أظهرت دراسة «نيوزغارد» أن أداة البحث العكسي عن الصور التابعة لشركة «غوغل» قدّمت ملخصات غير دقيقة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي لصور مفبركة ومضللة مرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط.

وقالت الهيئة إن ذلك يكشف عن «ثغرة كبيرة في نظام يُستخدم على نطاق واسع للتحقق من صحة الصور». ولم يصدر تعليق فوري من «غوغل».