العملية العسكرية الخاصة... مشهد من موسكو

مدنيون يجهّزون قنابل مولوتوف في كييف أمس (أ.ب)
مدنيون يجهّزون قنابل مولوتوف في كييف أمس (أ.ب)
TT

العملية العسكرية الخاصة... مشهد من موسكو

مدنيون يجهّزون قنابل مولوتوف في كييف أمس (أ.ب)
مدنيون يجهّزون قنابل مولوتوف في كييف أمس (أ.ب)

في 24 فبراير (شباط)، أطلقت روسيا عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا. كان السبب للتطور، المناشدة التي قدمها إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئيسا جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، بطلب المساعدة في صدّ عدوان القوات المسلحة الأوكرانية المتواصل.
أعلن بوتين على الفور أن روسيا ستسعى جاهدة لنزع السلاح من أوكرانيا، فضلاً عن تقديم أولئك الذين ارتكبوا كثيراً من «الجرائم الدموية ضد مدنيين، بينهم مواطنو الاتحاد الروسي» إلى العدالة.
من وجهة النظر الروسية، فإن تحرك القوات المسلحة مشروع. وفي اليوم السابق، اعترف الرئيس فلاديمير بوتين بسيادة جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك. ووقّع معاهدات الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة مع رئيسيهما. وقد مرت هذه المعاهدات بعملية التصديق في مجلسي الدوما والشيوخ. وتم منح الرئيس الإذن من مجلس الاتحاد للجمعية الفيدرالية للاتحاد الروسي بإرسال القوات المسلحة إلى منطقة النزاع.
في الغرب، اعتُبر قرار بوتين بمثابة عدوان من جانب الاتحاد الروسي ضد أوكرانيا المستقلة. على الرغم من أن القوات المسلحة لأوكرانيا كانت حتى وقت قريب تستعد لحل عسكري في دونباس. ونشرت نحو 150 ألف عسكري هناك (نحو 70 في المائة من قوة الجيش الأوكراني)، من دون احتساب عناصر المجموعات المسلحة التي تشكلها كتائب القوميين.
من غير المحتمل للغاية أن تكون الأغراض الدفاعية وحدها، دفعت القوات المسلحة الأوكرانية إلى زج 450 دبابة وزرع ألغام في قطاعات واسعة على خط المواجهة.
في وقت سابق، دفعت الولايات المتحدة وحلفاؤها (أولاً وقبل كل شيء، بريطانيا العظمى وتركيا وبولندا ودول البلطيق) بكل طريقة ممكنة قيادة كييف لشن عملية عسكرية واسعة النطاق في دونباس. وهذه الأطراف لم تكتفِ بتشجيع كييف عبر الدعم السياسي وحده، بل قامت بتزويدها بطرازات مختلفة من الأسلحة والذخيرة الحديثة، كما أرسلت إلى أوكرانيا مدربين ومستشارين.
كانت روسيا قلقة للغاية بشأن إمكانية انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وما يمكن أن تلي ذلك من تدابير لنشر قواعد عسكرية أميركية على أراضي أوكرانيا. فضلاً عن أن هذا تزامن مع رفض واشنطن الكامل، مناقشة الضمانات الأمنية مع موسكو على أساس مبادئ الأمن غير القابل للتجزئة. علاوة على ذلك، في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير، أعلن رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي أنه سيبدأ العمل لعقد اجتماع للدول المشاركة في مذكرة بودابست (1994) من أجل مراجعة قرار تخلي أوكرانيا عن وضعها كقوة نووية.
إن الإمكانات العلمية والتكنولوجية المتاحة في أوكرانيا، يمكن أن تسمح لكييف ليس فقط بتطوير أسلحة نووية في وقت قياسي، ولكن أيضاً لإنشاء وسائل حديثة لإيصالها باستخدام الصواريخ الباليستية. هذا، إلى جانب حقيقة وقوع كارثة إنسانية في دونباس؛ حيث يعيش ما لا يقل عن 700 ألف من مواطني الاتحاد الروسي، دفع الرئيس بوتين إلى اتخاذ قراره بإطلاق عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا.
مع انقضاء اليوم الثالث للعملية، كان الجيش الروسي قد دمر 975 منشأة تابعة للبنى التحتية العسكرية في أوكرانيا، بما في ذلك 23 مركزاً للقيادة والاتصالات للقوات المسلحة و31 نظاماً صاروخياً مضاداً للطائرات من طرازات «إس 300» و«بوك» و«أوسا» و48 محطة رادار. وأسقط الجنود الروس 8 طائرات مقاتلة و7 طائرات هليكوبتر و11 طائرة من دون طيار، ودمّروا صاروخين تكتيكيين لمجمع من طراز «توتشكا». كما تم تدمير 223 دبابة ومدرعات أخرى، و39 قاذفة صواريخ متعددة، و86 قطعة مدفعية ميدانية من طراز «هاون»، و143 مركبة عسكرية على الأرض.
ومنذ بداية العملية العسكرية الخاصة، تقدمت الكتائب الشعبية في لوغانسك بدعم ناري من القوات المسلحة الروسية، إلى عمق 52 كيلومتراً وسيطرت على 7 مدن وبلدات جديدة. وتقدمت قوات دونيتسك نحو 10 كيلومترات أخرى في اتجاه بتروفسكوي واستولت على 3 بلدات جديدة. كما تقدمت القوات إلى مدينة ماريوبول من الشمال وتدريجياً من الشرق، برغم قيام الكتائب القومية الأوكرانية المنسحبة بتفجير المحطات الكهربائية الفرعية والجسور عبر الأنهار.

                                                                   جانب من تدريب مدنيين على القتال في كييف (أ.ب)

أيضاً، تقدمت مجموعة القرم التابعة للقوات المسلحة الروسية من الجنوب؛ خصوصاً على طول بحر آزوف. وبدا واضحاً أن الهدف يتمثل في تطويق القوات الأوكرانية في دونباس من الجنوب والغرب.
من المهم بشكل أساسي أن القوات المسلحة الروسية لا تسعى إلى اقتحام المدن الأوكرانية الكبيرة، بل تحاصرها فقط. في الوقت الحاضر، تم تنفيذ ذلك فيما يتعلق بخيرسون وخاركوف وتشرنيغوف وسومي وكونوتوب وبيرديانسك، وجزئياً فيما يتعلق بكييف. يتم ذلك لتقليل عدد الضحايا بين المدنيين والحفاظ على البنية التحتية. من ناحية أخرى، تعمد القوات المسلحة الأوكرانية إلى نشر المدفعية في المناطق السكنية في المدن، وتوزيع الأسلحة على نطاق واسع ومن دون رقابة. وقد أدى هذا التصرف إلى انتشار أعمال قطع الطرق ونهب المحلات التجارية في كييف. هناك معطيات عن وقوع اشتباكات بين القوات المسلحة الأوكرانية والحرس الوطني والكتائب القومية.
يتجلى ميل الجانب الروسي إلى السلام في حقيقة أنه بعد ظهر يوم 25 فبراير، انتظاراً لاحتمال إطلاق مفاوضات مع القيادة الأوكرانية، تم تعليق تقدم القوات الرئيسية للقوات الروسية. ومع ذلك، في اليوم التالي تم استئناف العمليات الخاصة في أوكرانيا بسبب رفض كييف للتفاوض. كان من المفترض إجراء هذه المفاوضات في مينسك، وتم تشكيل الوفد الروسي لهذا الغرض. وفي البداية، عرض الجانب الأوكراني إجراء محادثات في وارسو. ولكن بعد ذلك، بناءً على نصيحة من رعاتهم الأميركيين، تراجع الأوكرانيون عن المشاركة في محادثات.
في الأثناء، واصل الغرب وأوكرانيا إطلاق العنان لحرب إعلامية ضد روسيا. في هذا الإطار، يكفي لفت الأنظار إلى حدث وقع في 26 فبراير عندما استسلم 82 من حرس الحدود الأوكرانيين في جزيرة الثعبان، وتم نقلهم إلى سيفاستوبول. في وقت قالت فيه سلطات كييف إن الجنود الروس أطلقوا النار عليهم، بل تم منحهم جميعاً لقب أبطال أوكرانيا.
وأثناء إجلاء الأسرى الأوكرانيين، حاول 16 قارباً من القوات البحرية باستخدام «تكتيكات السرب» مهاجمة السفن الروسية التي تنقل الأسرى، كان الغرض واضحاً؛ تأكيد كذب رواية أعداد المجموعة. واللافت أنه تم تنسيق تحرك الزوارق الأوكرانية من قبل الطائرات الاستراتيجية الأميركية من دون التي قامت في ذلك الوقت بطلعات في المنطقة، ونقلت معطيات عن تحرك السفن الروسية إلى الجانب الأوكراني المهاجم.
في هذا الإطار، علينا التذكير بأن الرئيس الأوكراني زيلينسكي وأركان قيادته تركوا كييف تحت رحمة القدر. هم الآن في لفيف (توضيح من «الشرق الأوسط»: بعد تلقي المقال، أكّدت الرئاسة الأوكرانية وجود زيلينسكي وأفراد من حكومته في كييف، ونشروا مقطعاً مصوراً له في شوارعها).
على ما يبدو، في إطار العملية الخاصة للقوات المسلحة للاتحاد الروسي، هناك مستويان للأهداف الموضوعة. الأول هو هدف «الحد الأدنى» من المهمة، ويتركز في فصل أوكرانيا عن مناطق «روسيا الجديدة» التي يغلب على سكانها الناطقون بالروسية (تم انتهاك حقوقهم المدنية باستمرار). وضمن هذه المناطق، تقع دونيتسك ولوغانسك وخرسون ونيكولاييف وأوديسا وزابوروجي ودنيبروبتروفسك وخاركوف. فضلاً عن مدينة كييف. في هذه الحالة، تفقد أوكرانيا عملياً إمكاناتها الصناعية وجزءاً كبيراً من السكان.
بهذه الطريقة، أوكرانيا سوف تغدو أقل خطورة بكثير بالنسبة إلى روسيا، لكن التهديد الناتج عنها سوف يعود إلى الازدياد تدريجياً.
تلك المناطق، يمكن أن تحصل على سبيل المثال على وضع دونيتسك ولوغانسك الحالي، أي تغدو كيانات معترفاً بها جزئياً مع قيام الاتحاد الروسي بإبرام اتفاقيات حول الصداقة والتعاون المتبادل معها. عملياً سيؤدي هذا إلى إنشاء منطقة عازلة، من شأنها أن تبعد الناتو عن روسيا، لكن هذا السيناريو لن يسمح بنزع السلاح في أوكرانيا بأكملها.
أما الحد الأعلى، أو المهمة القصوى، للعملية العسكرية فهو يشمل السيطرة على كل أوكرانيا. ومن المحتمل تماماً أن يتم تقسيم البلاد إلى نوفوروسيا (روسيا الجديدة)، التي تتكامل بشكل كبير مع الاتحاد الروسي، وبقية أوكرانيا، التي يحكمها، على سبيل المثال، فيكتور ميدفيدشوك، رئيس المجلس السياسي لمنصة المعارضة «من أجل الحياة».
مجلس الدوما الروسي يرى في ميدفيدشوك مفاوضاً مقبولاً في إطار وفد أوكراني يمكن أن يحاور روسيا بدلاً من الرئيس زيلينسكي، الذي لا تبدو عنده استقلالية كاملة في صنع القرار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عودة رجل الأعمال الثري رينات أحمدوف أخيراً إلى أوكرانيا لا تبدو مصادفة على الإطلاق. قد يحذو حذوه آخرون من رجال المال والأعمال الذين يرغبون في المحافظة على مصالحهم في أوكرانيا.
إذا تم التعامل على المستوى الأقصى للمهمة في أوكرانيا، فسوف تظهر لدى المناطق الغربية من أوكرانيا مشكلة خطيرة؛ خصوصاً أن لدى سكان هذه المناطق مشاعر سلبية للغاية تجاه موسكو. إذا تم منحهم الاستقلال، فإن موسكو عملياً سوف تعزز خطط وارسو، التي سيكون لها نفوذ قوي بالفعل على هذه المنطقة. هذا ينسحب جزئياً على مناطق أخرى، بينها مثلاً ترانسكارباثيان؛ حيث تعيش أقلية من أصول مجرية. عموماً سيؤدي هذا إلى تخفيف ضغط الغرب بشكل كبير، لكنه سيخلق حتماً بؤرة توتر جديد مع الاتحاد الروسي في المستقبل. لإضعاف تأثير هذا العامل، ينبغي أن يتم ضم بقية أوكرانيا في إطار اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي.
في الحالين، يتم تنفيذ العملية العسكرية في أوكرانيا بحذر شديد. ليس فقط بهدف تقليص الخسائر بين السكان المدنيين، ولكن أيضاً بين القوات المسلحة لأوكرانيا، وبهدف الحفاظ على البنية التحتية المدنية. والأكيد أن موسكو لا تسعى إلى ضم أي أراضٍ أوكرانية. أمامها هدف واحد؛ نزع السلاح ونقل السلطة في أوكرانيا.
* خبير عسكري رئيس قسم في معهد بلدان رابطة الدول المستقلة



الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended


أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
TT

أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)

أعلن الفاتيكان، الأربعاء، عن سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا ليو الرابع عشر القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.

ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة بين 13 و15 أبريل (نيسان)، ثم ينتقل إلى الكاميرون؛ حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه في 18 من الشهر نفسه إلى أنغولا؛ حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو. وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية؛ إذ يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 أبريل، وفق بيان صادر عن الفاتيكان ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل محطات البابا الخارجية هذا العام التي أعلنها الفاتيكان، الأربعاء، زيارة إلى إمارة موناكو في 28 مارس (آذار)، ثم إسبانيا بين 6 و12 يونيو (حزيران).


رئيس وزراء أستراليا يدعو إلى التحلي بالهدوء بعد تهديد بوجود قنبلة في مقر إقامته

مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
TT

رئيس وزراء أستراليا يدعو إلى التحلي بالهدوء بعد تهديد بوجود قنبلة في مقر إقامته

مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)

قال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، اليوم (الأربعاء)، إنه لا يعدّ أمنه أمراً مفروغاً منه، بعد أن أُجلي من مقر إقامته لعدة ساعات، عقب تهديد بوجود قنبلة.

وأُجلي ألبانيزي من مقر إقامته في كانبرا خلال وقت متأخر من أمس الثلاثاء بعد تهديد أمني، وعاد بعد بضع ساعات، بعدما لم تعثر الشرطة على أي شيء مريب.

رئيس الوزراء الأسترالي (د.ب.أ)

وقالت الشرطة إنه لم يعد هناك أي تهديد.

وذكر ألبانيزي في فعالية بملبورن، اليوم (الأربعاء): «أعتقد أن هذا مجرد تذكير. اغتنموا كل فرصة لإخبار الناس، تحلوا بالهدوء رجاء».

وأضاف: «لا يمكننا أن نعدّ هذه الأشياء أمراً مفروغاً منها».

أعمدة منصوبة خارج «ذا لودج» المقر الرسمي لرئيس الوزراء الأسترالي في كانبرا بأستراليا (رويترز)

وأوضحت محطة «إيه بي سي» الحكومية، اليوم (الأربعاء)، أن التهديد مرتبط بفرقة «شين يون»، وهي فرقة رقص صينية كلاسيكية محظورة في الصين، ومن المقرر أن تقدم عروضاً في أستراليا هذا الشهر.

وذكرت المحطة أن الرسالة التي أُرسلت إلى المنظمين المحليين للفرقة زعمت أنه جرى زرع متفجرات حول مقر إقامة ألبانيزي، وأنها ستنفجر إذا قدمت الفرقة عرضاً في البلاد. ورفضت الشرطة التعليق على مصدر التهديد. ولم ترد «شين يون»، التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، على الفور على طلب للتعليق.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended