روسيا تقر بتكبدها خسائر وتؤكد تقدم قواتها «رغم المقاومة»

زيلينسكي يرفع قضية الغزو إلى «لاهاي»... ورئيس الشيشان يتوعد «من يساعد الأوكرانيين»

TT

روسيا تقر بتكبدها خسائر وتؤكد تقدم قواتها «رغم المقاومة»

أقرت وزارة الدفاع الروسية للمرة الأولى أمس، منذ اندلاع الحرب على أوكرانيا قبل أربعة أيام، بأن قواتها تكبدت خسائر خلال العمليات القتالية من دون أن تحدد حجمها. وتزامن ذلك، مع تواصل العمليات القتالية على محاور عدة، وسط مقاومة ضارية من جانب القوات الأوكرانية. واتهمت موسكو الجانب الأوكراني باستخدام أسلحة محظورة لوقف تقدم القوات الروسية نحو كييف.
وأعلن الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف عن سقوط «عدد من الجنود الروس بين قتيل وجريح خلال أداء مهامهم القتالية في العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا».
ويعد هذا الإقرار الأول من نوعه، وكانت البيانات العسكرية الروسية تجنبت في الأيام الماضية الإشارة إلى خسائر موسكو، في حين تحدثت مصادر أوكرانيا عن تكبيد القوات الروسية خسائر فادحة وقالت إن أكثر من 3500 عسكري روسي قتلوا خلال العمليات، وإن موسكو خسرت عشرات الآليات والمدرعات والطائرات.
وقال كوناشينكوف إن «الجنود الروس يظهرون الشجاعة والبطولة في تنفيذ مهامهم القتالية». وأضاف «للأسف هناك قتلى وجرحى من رفاقنا، لكن خسائرنا أقل بكثير من خسائر القوميين الذين تمت تصفيتهم، وكذلك أقل من خسائر العسكريين الأوكرانيين».
وزاد الناطق العسكري في إيجاز مجريات العمليات العسكرية أمس، أن «قوات جمهورية لوغانسك الشعبية نجحت بدعم ناري من القوات المسلحة الروسية في التقدم بنجاح 4 كيلومترات أخرى في عمق دفاعات العدو، أما وحدات جمهورية دونيتسك الشعبية، فقد قضت على مقاومة الوحدات القومية، وتقدمت 6 كيلومترات أخرى وحررت مدن نيجني وغرانيتنوي وغنوتوفو».
وأشار كوناشينكوف إلى أن القوات الروسية تمكنت من تدمير 1067 هدفا في البنية التحتية العسكرية لأوكرانيا بينها 27 مركزا للقيادة والاتصالات، و38 نظاما صاروخيا مضادا للطائرات من طرازات مختلفة، إضافة إلى 56 محطة رادار.
وأوضح كوناشينكوف أن حصيلة الـ24 ساعة الماضية بلغت «تدمير 7 أنظمة صواريخ مضادة للطائرات بما فيها (S - 300) قرب مدينة كراماتورسك، و3 طائرات هجومية دون طيار من طراز (بيرقدار) في ضواحي تشيرنيغوف». وأشار أيضا إلى «تدمير 254 دبابة وعربة مصفحة أخرى، و31 طائرة على الأرض، و46 راجمة صواريخ، و103 مرابض مدفعية وهاون، و164 آلية عسكرية».
ولفت المتحدث العسكري إلى أنه «بالنسبة لأسرى الحرب الأوكرانيين، سنواصل معاملة جميع جنود القوات المسلحة الأوكرانية الذين ألقوا أسلحتهم طوعا... نحن نفهم أنهم أقسموا اليمين أمام شعب أوكرانيا... كل الذين ألقوا أسلحتهم وكفوا عن المقاومة سيعودون إلى عائلاتهم». وقال كوناشينكوف إنه في المقابل «نعرف كيف يتعامل النازيون الأوكرانيون مع عدد محدود من الأسرى الروس… نرى كيف يمارسون تعذيبهم كما فعل النازيون الألمان وأتباعهم في الحرب العالمية الثانية».
الوضع في خاركيف
وفي اليوم الرابع من الهجوم الروسي على أوكرانيا، سيطرت القوات الأوكرانية بشكل تام على مدينة خاركيف الواقعة في شمال شرقي البلاد والبالغ عدد سكانها 1.4 مليون نسمة عند الحدود الروسية، وفق المسؤول المحلي في خاركيف أوليغ سينيغوبوف. وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في وقت مبكر أمس أن الليلة قبل الماضية كانت «قاسية» في أوكرانيا، متهما موسكو بقصف مناطق سكنية. وقال في مقطع فيديو نشر على الإنترنت: «فاسيلكيف وكييف وتشرنيغيف وسومي وخاركيف والكثير من المدن الأخرى تعيش في ظروف لم نشهدها على أراضينا (...) منذ الحرب العالمية الثانية». وأشاد زيلينسكي الذي رفع قضية غزو بلاده إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، بتشكيل «تحالف دولي مناهض للحرب» دعما لأوكرانيا، ودعا الأجانب إلى الحضور للقتال «ضد مجرمي الحرب الروس».
وذكرت هيئة الأركان الأوكرانية، أن الجيش الروسي «لم يحقق هدفه الرئيسي (وهو) تطويق كييف» واللجوء إلى «التخريب» من خلال «مجموعات استطلاع تدمر البنية التحتية المدنية». وفي كييف حيث يسري حظر للتجول حتى الساعة الثامنة من صباح الاثنين (6.00 ت غ)، كانت فترة قبل الظهر هادئة بعد مواجهات ليلا «مع مجموعات تخريبية» وفق مكتب رئيس بلدية المدينة.
من جهتها، قالت وزارة الدفاع الروسية إنها حاصرت مدينتين كبيرتين في الجنوب هما خيرسون وبيرديانسك البالغ عدد سكانهما 290 ألف نسمة و110 آلاف نسمة على التوالي. وأوضحت في بيان «مدينة غينيتشيسك ومطار تشيرنوبايفكا قرب خيرسون أصبحا تحت سيطرتنا أيضا». وأكدت الوزارة أيضا تحقيق تقدم ميداني للانفصاليين الموالين لروسيا في الشرق المدعومين من الجيش الروسي والذين تقدموا، بحسب موسكو، 52 كيلومترا منذ بدء الهجوم.
وكانت وزارة الدفاع الروسية، اتهمت أوكرانيا في وقت سابق أمس، باستخدام أسلحة محرمة. وقالت في بيان إن الجيش الأوكراني: «بدأ الاستخدام المكثف للذخيرة المملوءة بالفوسفور في ضواحي كييف، في محاولة يائسة لاحتواء هجوم القوات الروسية». وأشارت الوزارة إلى أن الجيش الأوكراني يستخدم «ذخيرة محظورة بموجب البروتوكول الثالث لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980 بشأن الأسلحة غير الإنسانية». وأضافت أنه في مدينة ماريوبول، قامت القوات الأوكرانية القادمة من لفيف بترويع المدنيين، ونصب العربات المدرعة والمدفعية في المناطق السكنية، مستخدمة السكان المحليين كـ«دروع بشرية». كما اتهمت الوزارة «قوات القوميين» في سيفيرودونتسك بتهديد الوحدات المنسحبة بالإعدام، وقتل 4 ضباط.
وفي وقت لاحق، شددت وزارة الدفاع الروسية على أن القوات المسلحة الروسية لم تشن أي ضربات على مدن أوكرانيا وأنها قامت «بتعطيل البنية التحتية العسكرية بأسلحة عالية الدقة». في المقابل نفت كييف صحة المعطيات الروسية، وأشارت إلى أن القوات الأوكرانية نجحت في صد هجوم عنيف الليلة الماضية على كييف، كما حققت القوات المدافعة عن خاركوف شرق البلاد «اختراقا كبيرا أجبر الروس على التراجع».
رئيس الشيشان على الخط
إلى ذلك، دخل الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف على خط التهديدات العسكرية، ودعا إلى إطلاق «عملية واسعة تشمل كل أراضي أوكرانيا». وكان قاديروف أرسل وحدات النخبة التابعة له، وهي وحدات مؤلفة من نحو 12 ألف مقاتل مدربين جيدا على «حرب الشوارع»، وأشارت تقارير إلى أن هذه الوحدات حاولت اقتحام كييف الليلة قبل الماضية، لكنها منيت بخسائر فادحة.
وأعرب قاديروف، عن استغرابه من «الاستمرار في معاملة القوميين المتعصبين في أوكرانيا، برفق ورأفة». وأضاف: «دخلت عمليتنا العسكرية الخاصة يومها الرابع، لكني لا أفهم سبب الاستمرار في معاملة هؤلاء برفق وحنان؟ كان واضحا من اليوم الأول، أنهم لا يفهمون إلا لغة القوة».
وأشار قاديروف إلى أنه من «الصعب تطهير خاركوف وكييف من هؤلاء القوميين المسلحين بشكل مفرط بأسلحة ثقيلة، فقط باستخدام السيارات المدرعة الخفيفة، ونحن نتأنى ونطيل صبرنا عليهم على أمل عودة الحكمة والعقلانية إلى السلطات الأوكرانية وقيادة القوات المسلحة هناك».
ورأى قادروف أنه «لقد حان الوقت لاتخاذ قرار محدد وبدء عملية واسعة النطاق في جميع الاتجاهات أراضي أوكرانيا. قمت شخصيا أكثر من مرة بوضع تكتيكات واستراتيجيات ضد الإرهابيين، وشاركت في المعارك. أعتقد أن التكتيكات المستخدمة في أوكرانيا حاليا، بطيئة للغاية وغير فعالة وتستغرق الوقت الطويل. يجب بالفعل تحرير المدن والبلدات يجب القيام بهجوم حاسم (...) يجب إنجاز العمل والسير قدما دون الالتفات، وليحصل ما يحصل».
وأوضح رئيس الشيشان في وقت لاحق أمس، أنه لم يدع إلى قصف شامل على أوكرانيا، لكنه «اقترح تكثيف وتسريع الإجراءات للقضاء على كتائب العصابات الإرهابية». ووجه تحذيرا قويا «لكل من يساعد أوكرانيا»، مشيرا إلى معطيات عن وجود مقاتلين شيشان معارضين لروسيا ينشطون في صفوف القوات الرديفة للجيش الأوكراني.
على صعيد آخر، نقلت وسائل إعلام حكومية روسية عن مصادر أن القوات الروسية سوف «تستهدف بضربات موجهة الأفراد الذين ينقلون الأسلحة الغريبة إلى العاصمة الأوكرانية كييف». وقال رئيس لجنة حماية سيادة الدولة التابعة لمجلس الاتحاد الروسي، أندريه كليموف، إن القوات الروسية لن تتردد في توجيه ضربات ضد الذين ينقلون الأسلحة غربية إلى كييف.
وكان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، ينس ستولتنبرغ، قد كشف أمس، عن زيادة «الناتو» لشحناته المرسلة إلى أوكرانيا من الأنظمة المضادة للدبابات والمضادة للطائرات والذخيرة، مبديا تأييده لانضمام كييف إلى الحلف. وفي مقابلة مع شبكة «سي إن إن» قال: «نحن نزيد من (المساعدة) بمزيد من أنظمة الدفاع الجوي، والمزيد من الأنظمة المضادة للدبابات، والذخيرة، ونفعل ذلك من أجل مساعدة أوكرانيا على التمسك بحقها في الدفاع عن النفس». ومع ذلك أضاف ستولتنبرغ أن «الناتو» لا يرى روسيا على أنها تهديد وشيك لأمن الكتلة، لكنه أشار إلى أن تصرفات موسكو أصبحت أكثر «عدوانية» بشكل ملحوظ. وتابع أن هذه التصرفات «تتعارض مع القيم الأساسية لأمننا عندما تستخدم القوة ضد أوكرانيا، وأيضا تهدد التوازن».
من جانب آخر، نفت حكومة مولدوفا أمس صحة معطيات أفادت بأن طائرات تابعة لحلف الناتو هبطت في مطار ماركوليستي. وقالت في بيان بأنه «فيما يتعلق بالمعلومات المضللة المتداولة في الفضاء العام حول طائرات الناتو التي يُزعم أنها هبطت في مطار ماركوليستي، فإن هذه معلومات مزيفة والمجال الجوي لمولدوفا مغلق حاليا».
وكان برلمان مولدوفا أعلن قبل أيام، حالة الطوارئ لمدة 60 يوماً بسبب «الوضع في أوكرانيا والتهديدات لأمن مولدوفا». وفي نفس اليوم قررت السلطات إغلاق المجال الجوي للجمهورية.
من جهة أخرى، أعلنت هيئة الحدود الأوكرانية إغلاق حدود البلاد مع كل من روسيا وبيلاروسيا وأراضي «جمهورية ترانسنيستريا» غير المعترف بها في مولدوفا اعتبارا من اليوم الاثنين. وجاء في بيان للهيئة نشر على صفحتها في «فيسبوك» أن المنافذ مع روسيا وبيلاروسيا والجزء الوسطي من الحدود الأوكرانية المولدوفية سوف «تغلق بشكل مؤقت». كما أكد البيان أن إمكانية دخول المواطنين الأوكرانيين إلى أراضي البلاد سيتم ضمانها.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.