الأزمة الأوكرانية تخيّم على محادثات فيينا

الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث عن الأزمة الأوكرانية في البيت الأبيض أول من أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث عن الأزمة الأوكرانية في البيت الأبيض أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

الأزمة الأوكرانية تخيّم على محادثات فيينا

الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث عن الأزمة الأوكرانية في البيت الأبيض أول من أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث عن الأزمة الأوكرانية في البيت الأبيض أول من أمس (إ.ب.أ)

حتى الساعة، لم يعرف بعد ما إذا كانت الحرب التي بدأتها روسيا على أوكرانيا، ستلقي بظلالها على احتمالات تجديد الاتفاق النووي مع إيران، خصوصا وأن مسؤولين أميركيين كانوا قد أشاروا إلى أن حظوظ النجاح أو الفشل لا تزال متساوية. ومع انشغال إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، في الرد على أكبر أزمة دولية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، يتوقع أن تتعرض إدارته إلى مزيد من الضغوط الخارجية والداخلية، في مواجهة «الحلف» الذي بدا أن أضلاعه المثلثة، روسيا والصين وإيران، تتناغم فيما بينها.
وتتخوفت بعض الأوساط الأميركية من أي أثر سلبي لعودة كبير المفاوضين الإيرانيين على باقري كني إلى طهران، فيما يرى آخرون أن تطورات الازمة الأوكرانية، قد لا تغير كثيرا في المقاربة التي تعتمدها إدارة الرئيس بايدن في مفاوضاتها في فيينا، لأنها تريد هذا الاتفاق.
ويقول ريتشارد غولدبيرغ كبير المستشارين في معهد «الدفاع عن الديمقراطيات»، والمدير السابق لقسم محاسبة إيران عن أسلحة الدمار الشامل في مجلس الامن القومي، لسوء الحظ، لم نر أي مؤشر حتى الآن على أن إدارة بايدن قلصت تعاونها مع روسيا فيما يتعلق بالمحادثات النووية الإيرانية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، لا تزال كل الدلائل تشير إلى أنه يمكن الإعلان عن صفقة في أي يوم، وقد تؤدي إلى مساعدة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على صرف انتباه العالم عن غزوه أوكرانيا.
ويضيف أن الحديث عن حلف ثلاثي، لم يغير حقيقة أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يحافظان على تحالفهما في المفاوضات الجارية، ويدعمان بقوة الوصول إلى أي اتفاق مع إيران. لكن ما هو غير واضح هو ما إذا كان سيتم رفع العقوبات التي تستهدف نقل الأسلحة من روسيا إلى إيران كجزء من الصفقة أم لا.
ويرى غولدبيرغ أن الأمل الوحيد لتخلي إيران عن برنامجها النووي هو من خلال الضغط الاقتصادي الأقصى، المدعوم بالتهديد باستخدام القوة العسكرية. و«من المؤسف أن إدارة بايدن تخلت عن هذا المسار منذ أكثر من عام، وعرضت بدلا من ذلك دفع أموال الابتزاز الإيرانية، لتأجيل الأزمة لعام أو عامين».
وتحدثت أوساط أميركية عن أن فشل المفاوضات، سيطرح اتخاذ إجراءات ضد البرنامج النووي الإيراني، في ظل تقديرات بأن طهران قد نفذت «اختراقا» كبيرا، لإنتاج ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي خلال أسابيع قليلة فقط. وتشير تقديرات أخرى إلى أن إيران ربما تحتاج لسنوات من الخبرة اللازمة لإنتاج قنبلة وإطلاقها.



عودة ترمب للبيت الأبيض... فرصة للحوار أم تهديد لإيران؟

ترمب يعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أ.ب)
ترمب يعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أ.ب)
TT

عودة ترمب للبيت الأبيض... فرصة للحوار أم تهديد لإيران؟

ترمب يعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أ.ب)
ترمب يعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أ.ب)

منذ فوزه في الانتخابات الرئاسية، تباينت آراء الخبراء والسياسيين الإيرانيين حول عودة دونالد ترمب للمكتب البيضاوي، وتأثيرها على إيران. ويراها البعض فرصة للتفاوض بناءً على ميول ترمب للحوار، بينما يرى آخرون أن عودة سياسة «الضغط الأقصى» بما فيها العقوبات الاقتصادية والخيار العسكري، لا تزال احتمالاً قائماً.

ويعتقد مؤيدو التفاوض المباشر مع واشنطن أن غياب إيران عن أولويات ترمب الأولى يمثل فرصة لتخفيف الضغوط وفتح باب للحوار، خصوصاً في ظل فتوى تحظر الأسلحة النووية في إيران.

في المقابل، يحذِّر منتقدو الحوار من «تغلغل» أميركي واستغلال التفاوض لفرض تنازلات، ويشيرون إلى انعدام الثقة وتجارب الماضي، بما في ذلك انسحاب ترمب من الاتفاق النووي.

وأشارت صحيفة «شرق» الإيرانية إلى «قلق» بين غالبية الخبراء، وقالت إن احتمالية عودة سياسة «الضغط الأقصى»، مثل تقليص صادرات النفط الإيراني، وتحريك آلية «سناب باك»، وعودة القرارات الأممية، وحتى احتمال اللجوء إلى الخيار العسكري، لا تزال قائمة.

وفي المقابل، هناك فئة ترى أن عودة ترمب قد تخلق فرصاً أكبر لإيران للتفاوض والوصول إلى اتفاق، نظراً لميول ترمب للتفاوض. وقال علي مطهري، نائب رئيس البرلمان الإيراني السابق، إن عودة ترمب قد تمثل فرصة وليس تهديداً لإيران، خصوصاً إذا أظهر ترمب رغبة في التفاوض.

ودعا مطهري إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع الحكومة الأميركية بدلاً من الاعتماد على الوسطاء؛ لأن «التجربة السابقة أظهرت أن المفاوضات غير المباشرة لم تحقق النتائج المرجوة».

ورأى أن «تطوُّر الوضع في منطقة الشرق الأوسط، مثل الاتفاقات مع روسيا ووقف إطلاق النار في غزة، يجعل إيران في موقع قوي للتفاوض من موقف متساوٍ مع الولايات المتحدة»، وأضاف: «في ظل الأوضاع الحالية أفضل قرار هو بدء المفاوضات».

ومن جهتها، تحدثت صحيفة «اعتماد» الإصلاحية عن جدار مرتفع من انعدام الثقة بين إدارة ترمب وطهران. وقالت: «كثيرون في إيران يترقبون أي ترمب سيواجهون؟»، في إشارة إلى «التوقعات المتباينة» حول كيفية تعامل ترمب مع إيران.

وقال الناشط الإصلاحي، محمد هاشمي رفسنجاني للصحيفة إن «برنامج حكومة ترمب ليس خوض صراعات مع إيران في الشرق الأوسط، بل السعي لحل القضايا العالقة مع طهران بأسرع وقت ممكن». وقال: «ترمب أعلن أنه إذا لم تمتلك إيران أسلحة نووية، فبإمكان البلدين بناء علاقات بناءة في مجالات أخرى. كما أن بناء الأسلحة النووية محظور في إيران وفقاً لفتوى القيادة، وإيران ليس لديها برنامج لتنفيذه».

ونقلت الصحيفة عن الناشط الإصلاحي محمد صادق جواد حصار قوله إنه «في حال التزم ترمب بتعهدات لتهدئة التوترات في منطقة الشرق الأوسط وإقامة علاقات بناءة مع إيران فإن ذلك سيؤثر إيجاباً في الساحتين السياسية والاقتصادية في إيران».

أما الناشط المحافظ، حسين كنعاني مقدم فقد قال للصحيفة إن «ترمب يعمل على تمهيد الطريق للاستفادة من القوى العالمية مثل الصين وروسيا، وكذلك القوى الإقليمية مثل إيران التي لها تأثير في المعادلات السياسية والإقليمية. بالنظر إلى حقيقة أن حكومة بزشكيان هي حكومة وفاق وطني، يبدو أن هناك إشارات تُرسل إلى أميركا مفادها أن إيران مستعدة للعمل على حل القضايا الإقليمية».

ويعتقد النائب السابق حشمت الله فلاحت بيشه، أن غياب إيران عن أوامر ترمب التنفيذية الأولى وسعيه للابتعاد عن الأزمات الإقليمية «مؤشر» على تراجع نفوذ المتشددين في واشنطن وإمكانية فتح قنوات للتفاوض، رغم توقعات بضغط اقتصادي محدود.

وأكد فلاحت بيشه في افتتاحية صحيفة «آرمان ملي»، غياب اسم إيران من أول أوامر تنفيذية وقَّعها ترمب في يومه الأول، وهو «مؤشر إيجابي»، وذلك بعد توقعات بأن تتضمن أوامره الأولى عقوبات على طهران.

وقال فلاحت بيشه الذي كان رئيساً للجنة الأمن القومي، إن إيران «ليست ضمن أولويات إدارة ترمب العشرين الأولى؛ إذ تتركز أغلب أولوياته على إدارة الشؤون الداخلية، وتحقيق وعوده الانتخابية».

وكتب: «عدم وجود إيران ضمن أولويات ترمب لا يُعد عاملاً سلبياً، بل قد يُشكل فرصة إيجابية، لو كانت إيران من أولوياته لكان من المحتمل أن تتحول إلى هدف تجريبي للرئيس الأميركي الجديد». وأضاف: «سعي ترمب للابتعاد عن الأزمات الإقليمية وعدم فرض ضغوط قصوى على إيران في أول يوم عمل له يُظهر تراجع نفوذ المتشددين، واحتمالية تقديم مقترح للتفاوض من قِبَل الولايات المتحدة، على الرغم من إمكانية بدء ضغوط اقتصادية محدودة».

من جهة أخرى، واصلت صحيفة «كيهان» الرسمية انتقاداتها لمسؤولين في حكومة مسعود بزشكيان بسبب تأييدهم التفاوض مع الولايات المتحدة. وقالت إن تصريحات الرئيس التي تحدث فيها بحذر عن المفاوضات مع أميركا «تتناقض مع أقوال نوابه ومستشاريه التي يترتب عليها عواقب للبلاد».

وكان مستشار الرئيس الإيراني علي عبد العلي زاده، قد قال نهاية الشهر الماضي، إن «مجموعة الحكم وصلت إلى قناعة بضرورة التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة».

وحذرت «كيهان» من «التسلل»، وقالت: «كثير من القلاع صمدت أمام الضربات القوية، لكن أبوابها فُتحت بيد عناصر خائنة ومتسللة». وهاجمت وسائل إعلام مؤيدة لمسعود بزشكيان قائلة إنها «تعد التفاوض مع أميركا الحل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد».

وقالت: «إثبات ما إذا كانت أميركا مستعدة للالتزام بالتوافق أو لا، هل يكون بناءً على (التجربة الماضية) أو بناءً على وعد آخر من أميركا أو توقيع آخر مثل توقيع جون كيري على الاتفاق النووي؟! إذا كانت أميركا قد أثبتت استعدادها لعبد العلي زاده، فمن الأفضل أن يعرف الناس طريقة هذا الإثبات». وأشارت أيضاً إلى الشكوك التي أبداها مستشار بزشكيان في التوصل لاتفاق خلال شهرين إلى ثلاثة من المفاوضات، وحذر من «مراوغة» ترمب لإجبار طهران لتقدم التنازلات، ودفع «لتغيير القواعد تحت الطاولة»، وسخِرت صحيفة «كيهان» من ذلك قائلة: «من أين جاءك هذا الاعتقاد بشأن تحت الطاولة من أمريكا، أيها المستشار؟! لماذا تشك في أميركا وتزرع اليأس في نفوس الناس من الآن؟!».