امتحان ترمب الصعب: هل يكفي «النجاح العسكري» وحده لإنهاء الحرب؟

طهران ترى البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية... وواشنطن لا تبدو معنية بانتقال سياسي في إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص باحتفال خاص مع الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب بفلوريدا الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص باحتفال خاص مع الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب بفلوريدا الاثنين (أ.ف.ب)
TT

امتحان ترمب الصعب: هل يكفي «النجاح العسكري» وحده لإنهاء الحرب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص باحتفال خاص مع الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب بفلوريدا الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص باحتفال خاص مع الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب بفلوريدا الاثنين (أ.ف.ب)

في يومها الحادي عشر، تبدو الحرب على إيران أقرب إلى لحظة حسم عسكري منها إلى لحظة تسوية سياسية؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا، وفق معظم التقديرات المتداولة، تقدماً كبيراً في ضرب البنية الصاروخية والدفاعات الجوية والقيادة العسكرية الإيرانية، وتقليص قدرة طهران على إلحاق الأذى المباشر بجوارها كما في الأيام الأولى. لكن هذا التقدم لا يجيب عن السؤال الأصعب: هل يكفي «النجاح العسكري» وحده لإنهاء الحرب؟

هنا تحديداً تظهر ضبابية الرئيس دونالد ترمب. فهو يعلن أن الحرب «ستنتهي قريباً» وأنه من الممكن أن يتحدث مع إيران، ثم يعود ليقول إن واشنطن «ربحت في نواحٍ كثيرة، لكن ليس بما يكفي»، مهدداً بضربات أشد إذا واصلت إيران تهديد الملاحة والطاقة... التناقض السابق ليس مجرد ارتباك لفظي؛ بل يعكس مأزقاً حقيقياً: هل هناك إنجاز عسكري واضح يفتقر الصيغة السياسية لتحويله نهايةً مستقرة؟

إيران، من جهتها، لا تبدو في موقع الرابح ميدانياً. وبعد تعيين مجتبى خامنئي مرشداً جديداً في رسالة تحدٍّ صريحة، وتصريحات كبار المسؤولين عن مواصلة القتال ورفض التفاوض، بدا واضحاً أن النظام لن يترجم الضربات إلى انفتاح أو تسوية، بل إلى مزيد من التشدد والالتحام مع «الحرس الثوري». وبذلك، فإن طهران تراهن على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن «صمودها» بحد ذاته قد يُعدّ «نصراً» إذا نجحت في منع خصومها من فرض استسلام كامل.

النفط سلاح إيران الأثقل

إذا كانت إيران تخسر كثيراً من أدواتها العسكرية التقليدية، فإن ورقة النفط تبقى سلاحها الأثقل. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة حيوية في سوق الطاقة العالمية، وأي تعطيل واسع فيه ينعكس فوراً على الأسعار، وعلى تكلفة الشحن والتأمين، وعلى المزاج السياسي في واشنطن والعواصم الغربية.

من هنا يمكن فهم لماذا أصبحت الأسواق سريعاً جزءاً من الحرب؛ فإيران تعرف أنها لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة وإسرائيل في التفوق الجوي والتكنولوجي، لكنها تستطيع رفع التكلفة الاقتصادية والسياسية عليهما وعلى العالم، وكلما ارتفعت الأسعار، زادت الضغوط داخل أميركا وأوروبا لإنهاء الحرب سريعاً، لا لأن إيران ربحت ميدانياً، بل لأنها نجحت في تحويل الطاقة أداةَ ابتزازٍ استراتيجي.

مواطنة بريطانية تملأ خزان سيارتها وسط ارتفاع في أسعار الوقود (أ.ف.ب)

هذه هي النقطة التي تجعل قرار وقف القصف بالغ الحساسية. فإذا أوقفت واشنطن الحرب فقط لأن أسعار النفط قفزت أو لأن المخاوف الانتخابية والسياسية تصاعدت، فستكون الرسالة إلى طهران واضحة: تعريض تدفق الطاقة للخطر هو الطريق إلى البقاء. وهذا أخطر من أي مكسب ميداني مؤقت؛ لأنه يعني أن إيران، حتى بعد تحطيم جزء كبير من ترسانتها، احتفظت بأداة ردع تمكّنها من إعادة بناء موقعها لاحقاً.

في المقابل، إذا واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط إلى الحد الذي يُفقد إيران القدرة على تهديد الملاحة وإرباك أسواق الطاقة، فسيكون ذلك بمثابة نزع آخر ورقة مؤثرة من يد النظام. عندها فقط يصبح وقف القصف أقرب إلى إنهاء حرب لا إلى تجميدها.

خطة اليوم التالي؟

الانتقاد المركزي الموجّه إلى ترمب داخل أميركا وخارجها هو أنه لا يملك خطة متماسكة لليوم التالي: من يدير إيران؟ من يمنع الفوضى؟ من يوقّع تفاهمات وقف النار والقيود النووية؟ ومن يضمن ألا تتحول البلاد ساحةَ انهيارٍ شبيهة بالعراق أو سوريا؟

هذا السؤال مشروع، لكنه قد لا يطابق منطق ترمب نفسه. فالرئيس الأميركي لا يبدو معنياً بإعادة بناء إيران أو إدارة انتقال سياسي فيها، كما فعلت واشنطن في تجارب سابقة بعد 11 سبتمبر (أيلول). مقاربته أبسط وأقسى: المطلوب هو تحطيم قدرة النظام على تهديد المصالح الأميركية والإقليمية، أما شكل السلطة في طهران بعد ذلك فليس بالضرورة مسؤولية أميركية مباشرة.

إيرانيون خلال تجمعهم لإظهار دعمهم للمرشد الجديد مجتبى خامنئي في ميدان «انقلاب» وسط طهران الاثنين (أ.ب)

بهذا المعنى، لا تبدو واشنطن كأنها تسعى إلى إسقاط النظام ثم وراثته سياسياً، بل إلى إضعافه إلى حد يجعله عاجزاً عن تكرار الخطر نفسه. فإذا سقط من الداخل، يكون ذلك مكسباً إضافياً. وإذا بقي، لكن بقدرات أقل كثيراً، فهذا أيضاً يمكن تسويقه كانتصار، إنها مقاربة مختلفة عن عقلية «بناء الدولة»، وأكثر قرباً من فكرة العقاب الاستراتيجي ثم الانسحاب.

لكن هذه المقاربة محفوفة بالمخاطر. فلا توجد مؤشرات قوية حتى الآن إلى قرب انهيار النظام، رغم التصدعات الواضحة في بنيته القيادية. كما لا يوجد بديل منظم أو جاهز يمكن الرهان عليه. وأي محاولة لدفع إيران نحو تفكك داخلي أو حرب أهلية قد تفتح أبواباً أوسع من الفوضى والنزوح والاقتتال الإقليمي.

لذلك؛ فإن غياب خطة مفصلة لليوم التالي لا يعني بالضرورة أن الإدارة لا تعرف ماذا تريد، بل قد يعني أنها خفّضت سقف أهدافها السياسية عمداً. فهي لا تعد بإيران جديدة مستقرة وديمقراطية، بل بإيران أضعف وأقل قدرة على الإيذاء.

غير أن نجاح هذا الرهان يتطلب قبولاً إيرانياً بالأمر الواقع، أو على الأقل عجزاً عن مقاومته. حتى الآن، لا توحي طهران بذلك.

3 نهايات مرجَّحة للحرب

السيناريو الأول هو وقف نار مشروط بعد استكمال الضربات الأساسية. وفيه تستمر العمليات أياماً أو أسابيع إضافية، إلى أن تقتنع واشنطن وتل أبيب بأن البنية الصاروخية والنووية والعسكرية الإيرانية تضررت بما يكفي، ثم تُفتح قنوات غير مباشرة لفرض صيغة توقف النار بشروط أميركية - إسرائيلية. هذا هو السيناريو الأكثر عقلانية؛ لأنه يتيح لترمب إعلان النصر من دون التورط في مشروع إسقاط نظام أو احتلال بلد كبير ومعقد.

الدخان يتصاعد في العاصمة الإيرانية طهران الثلاثاء بعد قصف جوي (إ.ب.أ)

السيناريو الثاني هو حرب أطول مما ترغب فيه واشنطن، وهذا يحدث إذا اختار مجتبى خامنئي رَفْض أي تسوية تبدو استسلاماً، والاستمرار في الرهان على إنهاك الأسواق ورفع التكلفة على الخليج والعالم. عندها قد لا تربح إيران عسكرياً، لكنها قد تراهن على كسب سياسي: أي دفع الولايات المتحدة إلى التوقف قبل تحويل الإنجاز العسكري مكسباً استراتيجياً كاملاً.

السيناريو الثالث، وربما الأرجح، هو «نصر بلا حسم». أي أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدمران جانباً كبيراً من قدرات إيران، وتحدّان من قدرتها على تهديد الملاحة والجوار، لكن النظام يبقى قائماً، أكثر تشدداً وأشد التصاقاً بـ«الحرس الثوري»، وأكثر اقتناعاً بأن البقاء يمر عبر إعادة بناء أدوات الردع لاحقاً. في هذه الحالة، لا تُحل المشكلة من جذورها، بل تؤجَّل. ويكون ما تحقق هو تعديل في ميزان القوة، لا نهاية فعلية للصراع.

هل يوقف ترمب القصف الآن؟

الجواب الأقرب إلى الواقعية هو: ليس بعد، لكن ليس إلى ما لا نهاية أيضاً. فوقف القصف الآن، تحت ضغط النفط والذعر في الأسواق، سيمنح طهران فرصة الادعاء بأنها نجحت في فرض حدود الحرب على واشنطن، والاستمرار بلا أفق سياسي واضح قد يحوّل الإنجاز العسكري استنزافاً مفتوحاً.

لهذا؛ يتحرك ترمب في المنطقة الرمادية بين الخيارين: يريد ما يكفي من الضربات ليقول إنه حقق «نصراً نهائياً» بالمعنى العسكري، لكنه لا يريد تحمل أعباء «اليوم التالي» كما فعلت إدارات أميركية سابقة. المشكلة أن هذا الخيار الوسطي، على واقعيته، قد لا ينتج أكثر من نصر ناقص: إيران أضعف، لكن لم تُهزم سياسياً؛ الحرب تتراجع، لكن أسبابها العميقة تبقى قائمة.

وعليه، فإن الأيام المقبلة لن تحدد فقط متى تتوقف الحرب، بل أي معنى ستأخذه نهايتها: هل ستكون تسوية تفرض وقائع جديدة على إيران، أم مجرد هدنة يخرج منها النظام جريحاً لكنه مقتنع بأن «ابتزاز النفط» أنقذه من السقوط؟ هذا هو الامتحان الحقيقي لترمب، لا عدد الأهداف التي دُمّرت فقط، بل نوع النهاية التي سيستطيع فرضها.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تشعل الانقسامات الأميركية

الولايات المتحدة​ متظاهر معارض لحرب إيران يقاطع جلسة استماع لوزير الحرب في «الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (رويترز)

حرب إيران تشعل الانقسامات الأميركية

يرى أنصار ترمب ومنتقدوه أن زيارته إلى الصين الأسبوع المقبل قد تشكّل نقطة حاسمة في مسار حرب إيران.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب ووزيرة الأمن الداخلي السابقة كريستي نويم (رويترز)

ضغوط ترمب تدفع آلاف المهاجرين إلى الرحيل طوعاً عن أميركا

يتخلى عشرات آلاف المهاجرين عن طلبات الحصول على الحماية، ويختارون مغادرة الولايات المتحدة بسبب القيود المشددة التي وضعتها إدارة الرئيس دونالد ترمب.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز p-circle

هرمز... سجن بحري مفتوح يحتجز آلاف البحارة

تحول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إلى ما يشبه «سجناً بحرياً مفتوحاً» يحتجز آلاف البحارة العالقين على متن سفن الشحن، وناقلات النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)

تحليل إخباري العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

العملات المستقرة هي عملات رقمية مصممة للحفاظ على قيمة شبه ثابتة، غالباً ما تكون مرتبطة بالدولار الأميركي، أو بأصول تقليدية أخرى، منها الذهب.

أنطوان الحاج
يوميات الشرق الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده إلى أعمال بناء قاعة الرقص خلف الستائر أثناء حديثه في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (رويترز)

بين المليار و400 مليون دولار… ترمب يشرح حقيقة تمويل قاعة الرقص بالبيت الأبيض

وسط الجدل المتصاعد حول مشروع إنشاء قاعة احتفالات جديدة في البيت الأبيض، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليؤكد موقفه، مدافعاً عنه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

روسيا نقلت مكونات مسيّرات إلى إيران عبر قزوين

جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
TT

روسيا نقلت مكونات مسيّرات إلى إيران عبر قزوين

جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، والعقوبات الغربية المتشابكة، تتكشف ملامح شبكة معقدة من طرق الإمداد، والتحالفات بين روسيا، وإيران، والصين، في مواجهة ضغط أميركي متزايد يستهدف بالدرجة الأولى البرنامج العسكري الإيراني، وقدرته على الاستمرار في التصنيع، والانتشار.

وتشير معطيات استخباراتية، ومسارات تجارية وملاحية إلى أن بحر قزوين، الذي طالما بقي هامشياً في حسابات الصراع الدولي، بات اليوم أحد أهم الممرات اللوجستية غير التقليدية في دعم القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، وبالتوازي مع حملة عقوبات جديدة تستهدف شبكات إمداد مرتبطة بشركات في الصين، وهونغ كونغ، وفق تقريرين منفصلين نشرتهما السبت صحيفة «نيويورك تايمز».

سفينة إيرانية استُهدفت في بحر قزوين من قِبل الطيران الإسرائيلي في مارس 2026 (فيديو وزعه الجيش الإسرائيلي)

قزوين... الممر البديل

وفق تقديرات مسؤولين أميركيين، بدأت روسيا في نقل مكوّنات أساسية للطائرات المسيّرة إلى إيران عبر هذا الممر، في خطوة تُسهم في إعادة بناء جزء من الترسانة الإيرانية بعد خسائر كبيرة قُدّرت بنحو 60 في المائة من مخزونها من الطائرات المسيّرة خلال جولات القتال الأخيرة.

هذه الشحنات لا تأتي في إطار عسكري صرف، بل تتداخل مع حركة تجارية واسعة تشمل القمح، والذرة، وزيوت الطعام، والأعلاف، وتُنقل عبر موانئ إيرانية مطلة على بحر قزوين تعمل على مدار الساعة لتأمين احتياجات الاقتصاد الإيراني المتأثر بالعقوبات.

ويرى خبراء أن هذا التحول في مسارات الإمداد يعكس «تكيّفاً استراتيجياً» بين موسكو وطهران، إذ باتت روسيا تعيد توجيه صادرات كانت تمر عبر البحر الأسود، ومضايق أكثر هشاشة أمنياً، نحو الشمال الإيراني الأكثر عزلة عن الرقابة الغربية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة نيكول غرايفسكي، المتخصصة في الشأنين الروسي والإيراني، إن «بحر قزوين يمثل البيئة المثالية تقريباً للالتفاف على العقوبات، ونقل المعدات الحساسة، نظراً لطبيعته المغلقة، وصعوبة تتبعه».

وتشير بيانات ملاحية إلى أن جزءاً من حركة السفن بين الموانئ الروسية والإيرانية يتم دون تشغيل أجهزة التتبع، ما يزيد من تعقيد عملية الرصد الدولي للشحنات، ويحول بحر قزوين إلى ثقب أسود جيوسياسي.

ولا تقتصر أهمية هذا المسار البحري على التجارة التقليدية، بل تمتد إلى البنية العسكرية الإيرانية نفسها. فالمكوّنات الروسية التي تصل عبر بحر قزوين، بحسب مسؤولين أميركيين، تُستخدم لتعزيز قدرة إيران على إنتاج الطائرات المسيّرة بوتيرة أسرع، ما يمنحها هامشاً أكبر في الصراعات الإقليمية، وفي مواجهة التفوق العسكري الأميركي، والإسرائيلي.

وبينما لا يعتقد أن هذه المكونات تغيّر ميزان القوى بشكل جذري، إلا أنها توفر لإيران قدرة مستمرة على إعادة الإمداد، وهو ما يُعد عاملاً حاسماً في الحروب طويلة الأمد.

في المقابل، ترى موسكو وطهران في هذا التعاون جزءاً من «اقتصاد مقاوم للعقوبات»، يتيح لكلا البلدين تقليل الاعتماد على المسارات التجارية الخاضعة للرقابة الغربية، مثل مضيق هرمز، أو البحر الأسود.

جانب من عملية إطلاق سابقة لمسيرات إيرانية الصنع (أرشيفية - إكس)

خناق على الشبكات الآسيوية

بالتوازي، أعلنت الولايات المتحدة عن حزمة جديدة من العقوبات تستهدف أفراداً وشركات في الصين، وهونغ كونغ، إلى جانب كيانات في بيلاروسيا، بتهمة المساعدة في تزويد إيران بمعدات تدخل في تصنيع الصواريخ، والطائرات المسيّرة.

تأتي هذه الخطوة في إطار سياسة أميركية أوسع تهدف إلى تفكيك سلسلة الإمداد الصناعية التي تدعم البرنامج العسكري الإيراني، عبر استهداف حلقاته الوسيطة، وليس فقط المنتج النهائي.

وتشير واشنطن إلى أن شركات صينية خاصة، بعضها مرتبط بمصافي نفط، لعبت دوراً في تسهيل تدفق الموارد إلى الاقتصاد الإيراني، رغم العقوبات القائمة منذ سنوات.

وتكتسب هذه الإجراءات بعداً سياسياً إضافياً، إذ تتزامن مع تحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في بكين، وسط توتر متصاعد حول دور الصين في دعم الاقتصاد الإيراني عبر مشترياتها من النفط.

وتظهر الصورة الكاملة اليوم أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد يقتصر على البرنامج النووي، أو المواجهات العسكرية المباشرة، بل تحول إلى حرب شبكات إمداد عالمية تمتد من بحر قزوين إلى بحر الصين الجنوبي، مروراً بالموانئ الخليجية، والمصافي المستقلة في آسيا.

وفي هذا الإطار، تبدو إيران وروسيا والصين وكأنها تبني تدريجياً منظومة بديلة للتجارة، والتسليح، وتعمل خارج النظام المالي والتجاري الغربي، لكنها تظل عرضة لضغوط العقوبات، ومحاولات الاحتواء المستمرة.

ومع تصاعد هذه الشبكات المتشابكة، يبدو أن بحر قزوين، رغم هدوئه الجغرافي، قد تحول إلى أكثر المساحات حساسية في صراع عالمي يتجاوز حدود المنطقة إلى إعادة تشكيل موازين القوى الدولية نفسها.


تقرير: إسرائيل ستطلق اليوم سراح ناشطَي «أسطول الصمود» تمهيداً لترحيلهما

الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
TT

تقرير: إسرائيل ستطلق اليوم سراح ناشطَي «أسطول الصمود» تمهيداً لترحيلهما

الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)

أفادت منظمة حقوقية بأن إسرائيل ستطلق اليوم السبت سراح الناشطين في «أسطول الصمود العالمي» الداعم لغزة، البرازيلي تياغو أفيلا والإسباني سيف أبو كشك، على أن يبقيا في عهدة سلطات الهجرة تمهيداً لترحيلهما من البلاد، وففاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل «عدالة»، الذي يتولى تمثيل الناشطين: «اليوم، أبلغ جهاز الشاباك (الأمن الداخلي) فريق (عدالة) القانوني أنه سيتمّ اليوم السبت التاسع من مايو (أيار) 2026 إطلاق سراح الناشطين في أسطول الصمود العالمي تياغو أفيلا وسيف أبو كشك، من الاحتجاز الإسرائيلي»، على أن يسلّما إلى «سلطات الهجرة الإسرائيلية في وقت لاحق اليوم، ويبقيا في عهدتها في انتظار ترحيلهما».

ودعا أسطول الصمود العالمي الذي يحمل مساعدات إنسانية لغزة إلى إعادة التجمع في ميناء مرمريس التركي في الأيام المقبلة.

الناشط البرازيلي تياغو أفيلا الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)

وقال النشطاء، أمس الجمعة، إن العديد من القوارب وصلت بالفعل في خليج البلدة وهناك قوارب أخرى من اليونان وإيطاليا في طريقها إلى هناك.

كما أظهرت البيانات من منصة تعقب إلكترونية أمس الخميس أن القوارب متجهة إلى مرمريس.

ومن غير الواضح متى يعتزم النشطاء الإبحار مجدداً من مرمريس باتجاه قطاع غزة مع إمدادات المساعدات.

وقال المنظمون إن المزيد من المعلومات بشأن «المرحلة المقبلة» من الحملة سوف تتوفر في 12 مايو (أيار).

واعترضت البحرية الإسرائيلية الأسبوع الماضي، أكثر من 20 سفينة من أسطول الصمود العالمي في المياه الدولية غرب جزيرة كريت واعتقلت 175 شخصاً.


هرمز... سجن بحري مفتوح يحتجز آلاف البحارة

صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
TT

هرمز... سجن بحري مفتوح يحتجز آلاف البحارة

صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز

تحول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إلى ما يشبه «سجناً بحرياً مفتوحاً» يحتجز آلاف البحارة العالقين على متن سفن الشحن، وناقلات النفط، وسط تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار إغلاق المضيق منذ أسابيع.

ووفقاً لتقرير نشرته «وول ستريت جورنال»، فإن نحو 20 ألف بحار ما زالوا عالقين داخل الخليج العربي، فيما بدأت الإمدادات الغذائية والطبية بالنفاد على عدد من السفن، بينما يعيش البحارة تحت تهديد الطائرات المسيرة، والصواريخ، والألغام البحرية.

ويقول بحارة إنهم باتوا يقضون أيامهم في ترقب التعليمات العسكرية، والتحذيرات المتكررة عبر أجهزة اللاسلكي، في وقت أصبحت فيه العودة إلى الموانئ، أو محاولة العبور عبر المضيق محفوفة بالمخاطر.

«المنطقة حمراء»

وفي واحدة من أكثر الشهادات تعبيراً عن حجم الأزمة، روى ضابط الملاحة البنغلاديشي شميم صبير، العامل على متن ناقلة نفط مملوكة لشركة صينية، كيف بات طاقمه يعيش أيامه الأخيرة من الإمدادات الغذائية بعد أكثر من شهرين من التعطل داخل المضيق.

وقال صبير إن سفينته كانت ضمن أكثر من 800 سفينة تنتظر السماح لها بالمغادرة، مضيفاً أن الطائرات المسيّرة الإيرانية كانت تحلق باستمرار فوق السفن العالقة، بينما امتلأت قنوات الاستغاثة البحرية بنداءات بحارة يطلبون الطعام، والمياه، والمساعدة الطبية.

وأضاف أن رد البحرية الإيرانية على استفسارات الطواقم بشأن موعد فتح المضيق كان يتكرر بصورة ثابتة: «المنطقة خطيرة جداً... إنها منطقة حمراء».

ويقول البحارة إن بعض السفن اضطرت إلى التخلص من النفايات الفاسدة في البحر بعد تراكمها لأسابيع، فيما بدأ الطعام ينفد تدريجياً على عدد من السفن التي كانت تعتقد أن إغلاق المضيق لن يستمر طويلاً.

أزمة إنسانية في البحر

وتقول المنظمة البحرية الدولية إن ما لا يقل عن عشرة بحارة لقوا حتفهم منذ بدء الحرب، بينما تعرضت أكثر من 30 سفينة لهجمات بطائرات مسيّرة، وصواريخ إيرانية.

وبحسب التقرير، فإن الأزمة الإنسانية تتفاقم بشكل متسارع، خصوصاً على السفن التي تعاني نقصاً في المياه العذبة، والأدوية، والوقود.

وأبلغ بحار هندي عبر أجهزة الاتصال البحرية أن سفينته نفدت منها المؤن، والمياه، فيما دخل اثنان من أفراد الطاقم في حالة صحية حرجة. كما قال بحار روسي يعمل على ناقلة نفط إن أفراد طاقمه لم يتبقَّ لهم سوى الماء، والأرز، دون توافر أدوية لعلاج حالته المرضية المرتبطة بارتفاع ضغط الدم.

ويقول خبراء شحن إن الأزمة مرشحة للتفاقم خلال الأسابيع المقبلة، مع ازدياد أعداد السفن التي تتخلى عنها الشركات المالكة بسبب الخسائر المالية الضخمة، وارتفاع تكاليف التأمين.

محاولة أميركية متعثرة

وكانت الولايات المتحدة قد أطلقت عملية محدودة لإخراج السفن العالقة أطلقت عليها اسم «مشروع الحرية»، حيث تواصلت البحرية الأميركية مع عدد من السفن، وشجعتها على محاولة المغادرة، مؤكدة أنها نجحت في تقليص مخاطر الألغام البحرية باستخدام طائرات مسيّرة، وتقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لكن العملية توقفت بعد نحو 36 ساعة فقط، وسط استمرار التهديدات الإيرانية، والهجمات المتبادلة في المنطقة.

وقال أحد الضباط العاملين على متن سفينة شحن إن كثيراً من البحارة لم يقتنعوا بسلامة الممرات البحرية التي تحدثت عنها واشنطن، مضيفاً: «الحرس الثوري ينتظر في البحر، ومعه أسلحة... الوضع ليس آمناً بالنسبة لنا».

وأشار بحارة إلى أن التحذيرات الإيرانية عبر أجهزة اللاسلكي لا تتوقف، وتشمل رسائل متكررة تؤكد أن «مضيق هرمز مغلق بالكامل».

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

تكاليف قياسية للشحن والتأمين

ألقت الأزمة بظلالها الثقيلة على قطاع الشحن العالمي، إذ ارتفعت أقساط التأمين على السفن الموجودة داخل المضيق إلى مستويات غير مسبوقة، وصلت إلى نحو 8 ملايين دولار لناقلة نفط كبيرة واحدة، أي أكثر من 30 ضعف مستويات ما قبل الحرب.

وتقول شركات شحن إن كثيراً من ملاك السفن باتوا عاجزين عن تحمل التكاليف المتزايدة، فيما بدأت الخلافات تتصاعد بين بعض الشركات وأطقم السفن بسبب تأخر الرواتب، ونقص الإمدادات.

وأكد اتحاد عمال النقل الدولي أنه تلقى أكثر من ألفي طلب استغاثة من بحارة عالقين، نصفها يتعلق بعدم دفع الرواتب، بينما ترتبط مئات البلاغات الأخرى بنقص الطعام، والوقود، والمياه.

وقال منسق الاتحاد في الشرق الأوسط محمد العرشدي إن ما يجري «غير مسبوق في تاريخ الملاحة الحديثة».

محاولات يائسة للمرور

وفي محاولة للحصول على مرور آمن، بدأت بعض السفن تغيير أعلامها، أو كتابة عبارة «الطاقم كله صيني» على أجهزة التعريف الخاصة بها، بينما لجأت سفن أخرى إلى إطفاء أجهزة التتبع، والإبحار باستخدام المناظير فقط بعد تعرض إشارات الملاحة للتشويش.

ورغم ذلك، لم تتمكن سوى أعداد محدودة من السفن من عبور المضيق خلال الأيام الأخيرة.

وفي حادثة لافتة، ذكرت الصحيفة أن يختاً فاخراً يملكه الملياردير الروسي أليكسي مورداشوف تمكن من عبور الحصار الإيراني قبل ساعات من زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وفي ظل استمرار الأزمة، يحاول البحارة الحفاظ على توازنهم النفسي بوسائل بسيطة. بعضهم يمارس الرياضة على سطح السفن، وآخرون يشاهدون الأفلام، أو يقرأون الكتب، أو يحاولون التواصل مع عائلاتهم رغم الانقطاع المتكرر لخدمات الإنترنت والاتصالات.

وقال صبير إن طاقمه بدأ يقتصد فيما تبقى من الطعام، الذي يقتصر حالياً على الشعيرية سريعة التحضير، وبعض الخضراوات.

وأضاف: «الوضع أصبح حرجاً للغاية».

ومع استمرار إغلاق المضيق، وتصاعد المخاوف من مواجهات بحرية جديدة، أو انتشار الألغام، يبقى آلاف البحارة عالقين في انتظار إجابة عن السؤال الذي يحدد مصيرهم، ومصير جزء كبير من حركة التجارة والطاقة العالمية: متى سيُعاد فتح مضيق هرمز؟