«السبع» تندد بتهديد موسكو للنظام العالمي... وكييف تدعو لإقصائها من «سويفت»

بريطانيا فرضت حزمة عقوبات استثنائية و«الناتو» فعّل خططه الدفاعية

ألوان العلم الأوكراني في «باب براندينبورغ» ببرلين أمس (رويترز)
ألوان العلم الأوكراني في «باب براندينبورغ» ببرلين أمس (رويترز)
TT

«السبع» تندد بتهديد موسكو للنظام العالمي... وكييف تدعو لإقصائها من «سويفت»

ألوان العلم الأوكراني في «باب براندينبورغ» ببرلين أمس (رويترز)
ألوان العلم الأوكراني في «باب براندينبورغ» ببرلين أمس (رويترز)

حذّرت مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، في ختام قمّة طارئة عبر الفيديو، من أنّ الهجوم العسكري الذي شنّته روسيا فجر الخميس لاجتياح أوكرانيا يشكّل «تهديداً خطيراً للنظام العالمي».
وقالت المجموعة التي تتولّى ألمانيا حالياً رئاستها الدورية إنّ «هذه الأزمة تشكّل تهديداً خطيراً للنظام العالمي القائم على قواعد، مع تشعّبات تتخطّى بكثير أوروبا». وأضافت أنه «لا شيء يبرر التغيير بالقوة لحدود دولية معترف بها».
واعتبرت «السبع» أن الرئيس فلاديمير بوتين وضع نفسه «في الجانب الخاطئ من التاريخ» عبر غزوه أوكرانيا، منددين بهجوم عسكري حصل «بدون استفزاز وغير مبرر بالكامل». وقالت المجموعة، في بيان، إن «الرئيس بوتين أعاد الحرب إلى أوروبا. لقد وضع نفسه في الجانب الخاطئ من التاريخ».
إلى ذلك، أعلنت مجموعة السبع أنها «مستعدة للتحرك» في حال حصول «اضطرابات» في إمدادات الطاقة بسبب التحرك العسكري الروسي، في إشارة ضمنية إلى دور روسيا كأحد أبرز مزودي أوروبا بالغاز والنفط عبر أوكرانيا. وقالت: «نؤيد استقرار إمدادات الطاقة العالمية، ومستعدون للتحرك عند الحاجة لمواجهة أي اضطراب محتمل».
وشنّت القوات الروسية الخميس هجوماً على أوكرانيا، ونفذت ضربات جوية، ودخلت قوات برية من كل الجوانب إلى الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك العاصمة كييف، ما أسفر عن عشرات القتلى خلال بضع ساعات، بحسب السلطات الأوكرانية.
- نظام «سويفت»
طالبت كييف باستبعاد روسيا من نظام «سويفت» الأساسي للتعاملات المصرفية العالمية، لمعاقبتها على غزوها أراضيها. وكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على «تويتر»، بعد مكالمة هاتفية مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون: «نطالب باستبعاد روسيا من نظام سويفت، وفرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا».
من جانبه، اعتبر وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، في تغريدة، أن أولئك الذين يعارضون استبعاد روسيا من نظام سويفت «ستكون أيديهم ملطخة بدماء الرجال والنساء والأطفال الأبرياء في أوكرانيا».
وسبق أن توعّدت الدول الغربية باستهداف روسيا بعقوبات اقتصادية قاسية في حال حصول غزو. وشبّه الرئيس الأوكراني الغزو الروسي لأوكرانيا بأفعال «ألمانيا النازية» خلال الحرب العالمية الثانية. وقال عبر «فيسبوك»: «هاجمت روسيا أوكرانيا بجبن وبطريقة انتحارية كما فعلت ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية»، داعياً الروس إلى «الخروج» إلى الشوارع «للاحتجاج على هذه الحرب».
من جانبه، أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ أن الحلف سيعقد قمة عبر الفيديو، اليوم (الجمعة)، مخصّصة للهجوم الروسي على أوكرانيا، مشيراً إلى أن الناتو فعّل «خططه الدفاعية» لنشر قوات إضافية في الدول الأعضاء.
وقال ستولتنبرغ، بعد اجتماع طارئ لسفراء دول الحلف: «دعونا إلى قمة عبر الفيديو (الجمعة) لتحليل المسار الذي يجب سلوكه، وفعّلنا الخطط الدفاعية، بهدف التمكن من نشر قدرات قوة الردّ حيث يلزم الأمر». وأوضح أن «الناتو ليست لديه قوات في أوكرانيا، وليست لديه أي خطط لإرسال قوات إلى هذا البلد»، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وتابع: «لقد عززنا وجودنا في شرق أوروبا منذ أسابيع. لدينا آلاف الجنود، وسنرسل مزيداً من القوات في الأيام المقبلة». وتحدّث ستولتنبرغ عن «إرسال عناصر» من قوة الردّ التابعة لـ«الناتو»، التي تضمّ 40 ألف جندي، ولديها قوة عمل مشتركة عالية الجهوزية، مؤلفة من 8 آلاف عسكري، مع وحدة جوية موضوعة حالياً تحت القيادة الفرنسية.
وذكّر بأن «هذا الانتشار يهدف إلى منع حصول هجوم. مهمة الناتو دفاعية، ونحذّر من أن أي هجوم ضد أحد أعضاء الحلف سيُعتبر بمثابة هجوم ضدنا جميعاً».
وقال إن «اللحظة خطرة على صعيد الأمن في أوروبا»، مضيفاً أن روسيا تقوم بـ«عمل حربي وحشي» ضد أوكرانيا، و«لدينا حرب في أوروبا». واعتبر أن «روسيا تشنّ غزواً متعمداً بدمٍ بارد ومخطط له منذ وقت طويل، رغم وابل من النفي والأكاذيب». وأضاف: «يجب أن تكفّ فوراً عن ذلك، وأن تسحب قواتها».
من جهته، أدان الاتحاد الأوروبي أمس سلوك روسيا «غير المبرّر»، وحذر من أن نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيواجه «عزلة غير مسبوقة» بعد تدخله العسكري في أوكرانيا.
وقال مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في بروكسل، أمام الصحافيين، إن «القادة الروس ستتوجّب عليهم مواجهة عزلة غير مسبوقة»، مشدّداً على أن الاتحاد يُحضّر حزمة جديدة من العقوبات ستكون «أشد العقوبات التي يتمّ تنفيذها على الإطلاق».
بدورها، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، في تغريدة: «ندين بشدة هجوم روسيا غير المبرر ضد أوكرانيا. في هذه الساعات العصيبة القاتمة نتضامن مع أوكرانيا ونسائها ورجالها وأطفالها الأبرياء في وجه هذا الهجوم غير المبرر»، متعهدين «محاسبة الكرملين».
ويعقد «اجتماع استثنائي» للجنة الوزارية في المجلس الأوروبي، اليوم، في مقر المنظمة الأوروبية، في ستراسبورغ، وذلك لمناقشة «الخطوات التالية» بعد الهجوم الروسي. وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تحدث مع زيلينسكي، أن فرنسا «تدين بحزم قرار روسيا شن الحرب على أوكرانيا»، داعياً موسكو «إلى وضع حد فوري لعملياتها العسكرية». وأعلن «تضامن فرنسا مع أوكرانيا، ووقوفها إلى جانب الأوكرانيين، وتحركها مع شركائها وحلفائها لوقف الحرب».
من جهته، اعتبر المستشار الألماني أولاف شولتس أن العملية العسكرية الروسية «انتهاك فاضح» للقانون الدولي. وقالت ألمانيا، في وقت لاحق، إن الاتحاد الأوروبي وحلف ناتو ومجموعة السبع ستفرض «عقوبات شديدة» ضد روسيا.
من جهتها، تعهدت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، الخميس، أن تفرض برلين وحلفاؤها «أشد العقوبات» على روسيا. وقالت: «سننسق اليوم داخل الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي ومجموعة السبع، وسننفذ حزمة كاملة من أشد العقوبات صرامة».
وأعلنت وزيرة الداخلية الألمانية، نانسي فيزر، أن بلادها مستعدة لتقديم «دعم كبير» لجيرانها، ولا سيما بولندا، في حال حصل تدفق لاجئين فارين من الغزو الروسي لأوكرانيا.
- عقوبات بريطانية استثنائية
حذّر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، أمس، من أن الدول الغربية ستفرض عقوبات «هائلة» تستهدف الاقتصاد الروسي رداً على غزو موسكو لأوكرانيا، واصفاً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه «ديكتاتور».
وقال جونسون، في كلمة متلفزة للبريطانيين: «دبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً وأخيراً عسكرياً، يُفترض أن ينتهي مشروع فلاديمير بوتين الوحشي والهمجي بالفشل».
وأعلن رئيس الوزراء البريطاني عن أكبر حزمة عقوبات على روسيا منذ سنوات. وقال إنه قرر استبعاد البنوك الروسية من النظام المالي البريطاني، في إطار فرض مزيد من العقوبات، بعد أن شنّت موسكو غزواً شاملاً لأوكرانيا براً وجواً وبحراً. وقال جونسون للبرلمان: «ستمكننا هذه الصلاحيات من استبعاد البنوك الروسية تماماً من النظام المالي في المملكة المتحدة، وهو بالطبع الأكبر في أوروبا بفارق كبير، ما يحول دون وصولها إلى مدفوعات الجنيه الإسترليني والمقاصة عبر المملكة المتحدة»، مضيفاً أن الولايات المتحدة تتخذ تدابير مماثلة.
وقال: «ستمكننا هذه الصلاحيات أيضاً من حظر الشركات الروسية الحكومية والخاصة من جمع أموال في المملكة المتحدة، وحظر التعامل في أوراقها المالية ومنحها القروض. سنحد من الأموال التي يمكن للمواطنين الروس إيداعها في حساباتهم المصرفية بالمملكة المتحدة».
وشملت حزمة العقوبات الثانية التي تفرضها بريطانيا على روسيا في أقل من أسبوع حظر شركة «أيروفلوت» للطيران، وخطوات لتجميد أصول أكثر من 100 كيان وشخصية أخرى. وأوضح جونسون: «هذا يشمل جميع الشركات الصناعية الرئيسية التي تدعم آلة الحرب الخاصة بـ(الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين. علاوة على ذلك، فإننا نحظر أيضاً نشاط شركة أيروفلوت في المملكة المتحدة».
وتابع: «لن يتمكن بوتين أبداً من غسل يديه من دماء أوكرانيا»، معلناً «رزمة من العقوبات الاقتصادية هي الأكبر والأشد التي تتعرض لها روسيا».
وحّد قادة الدول الغربية مواقفهم، وأجمعوا على التنديد بالهجوم الروسي غير المبرر، وتوعّد الرئيس بوتين والمقربين منه بعقوبات غير مسبوقة.
ووصف رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي الهجوم الروسي بأنه «غير مبرر»، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يعملان على توفير ردّ فوري. وأكد: «تندد الحكومة الإيطالية بهجوم روسيا على أوكرانيا غير المبرر، وتقف إيطاليا إلى جانب الشعب الأوكراني ومؤسساته في هذه اللحظة المأسوية».
بدوره، ندّد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بـ«العدوان» الروسي على أوكرانيا، وأكد في تغريدة على «تويتر» أنه على اتصال بدول الاتحاد الأوروبي وحلف ناتو «لتنسيق استجابتنا». وندّدت فنلندا والسويد بالهجوم الروسي وشجبتا بشكل منفصل «هجوماً على منظومة الأمن الأوروبي». كما أدانت الدنمارك الهجوم.
من جهتها، أدانت النرويج العضو في الحلف الأطلسي «الانتهاك الجسيم للقانون الدولي»، وأعلنت نقل سفارتها من كييف إلى لفيف، غرب البلاد.
وأعلنت ليتوانيا، أمس، أنها ستفرض حالة الطوارئ على أراضيها بعد الهجوم الجويّ والبري الذي شنّه الجيش الروسي على أوكرانيا. وقال الرئيس الليتواني غيتاناس نوسيدا، بعد اجتماع لمجلس الأمن الوطني: «اليوم سأوقّع مرسوماً يفرض حال الطوارئ». وأضاف أن «ليتوانيا ستطلب تفعيل المادة الرابعة من ميثاق حلف شمال الأطلسي»، التي تنصّ على إجراء مشاورات طارئة في حال كان عضو في الحلف مهدداً.
من جهتها، أعلنت هيئة الإذاعة في لاتفيا حظر 3 قنوات تلفزيونية روسية لمدة تراوح بين 3 و5 سنوات، معتبرة أنها تشكّل «تهديداً للأمن القومي». ودعت الهيئة «جميع دول الاتحاد الأوروبي» إلى «استخدام البراهين التي جمّعتها الهيئة والاقتداء بلاتفيا من خلال تقييد إعادة بثّ هذه البرامج».
وقال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، في بيان، إن «هذه الإجراءات غير المبررة هي انتهاك واضح آخر لسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، ولالتزامات روسيا بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة». وقال إنه سيبحث مع شركاء من مجموعة السبع رداً جماعياً، «بما في ذلك من خلال فرض عقوبات إضافية لتلك التي تم الإعلان عنها في وقت سابق من هذا الأسبوع». وأضاف: «هذه الأعمال الطائشة والخطيرة لن تمر بدون عقاب».
وقال رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، بعد اجتماع لمجلس الأمن القومي: «إن الغزو الروسي الأخير يهزّ أسس النظام الدولي الذي لا يسمح بمحاولات أحادية الجانب لتغيير الوضع الراهن».
في المقابل، قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي لنظيره الروسي سيرغي لافروف، أمس، إن الصين «تتفهم مخاوف روسيا المنطقية على الصعيد الأمني»، بعد ساعات على بدء موسكو هجوماً على أوكرانيا. وقال وانغ، وفق ما جاء في بيان حول المكالمة الهاتفية، نشرته وزارته: «لطالما احترمت الصين سيادة الدول كافة وسلامة أراضيها»، مضيفاً: «في الوقت نفسه، لاحظنا أن المسألة الأوكرانية ترتبط بتاريخ خاص ومعقّد. نتفهّم مخاوف روسيا المنطقية على الصعيد الأمني».


مقالات ذات صلة

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

يوميات الشرق الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الضباب يُغطي المحيط الهادئ بالقرب من حي بارانكو في ليما (أ.ب)

«الأمم المتحدة»: الأرض احتبست حرارة قياسية في 2025

حذرت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين) من أن كميّة الحرارة المحتبسة في الأرض بلغت مستويات قياسية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.