منذ ظهور جائحة «كوفيد - 19»، بلغ عدد الدراسات العلمية التي نُشرت حولها في أقل من عامين أضعاف ما نُشر خلال العقود السبعة الماضية، حول الأوبئة والأمراض الأخرى، وما زالت البحوث الطبية تحمل كل يوم مفاجآت جديدة حول فيروس «كورونا المستجد»، الذي يستمر الجدل حول ما إذا كان مصدره طبيعياً، أو نتيجة تسرُّب عرضي أو متعمَّد من مختبر.
آخر هذه الدراسات الكبرى تنشرها مجلة «The Lancet» الرصينة في عددها الأخير، ويستفاد من خلاصتها أن «الثقة، وصدقيّة الحكومات، والتضامن الاجتماعي، عوامل حاسمة في تفسير (اللغز الوبائي) الذي ما زال يحيط بـ(كوفيد)».
تبدأ الدراسة باستذكار ما حصل أواسط القرن الماضي في قرية روزيتو الصغيرة من أعمال ولاية بنسلفانيا الأميركية، معظم سكانها من المهاجرين الإيطاليين الذين لفتوا انتباه الأوساط الطبية لتدني معدلات إصابتهم بأمراض قلبية مقارنة بسكان القرى والمدن المجاورة. وبعد إجراء الدراسات والمقارنات العلمية، تبيّن أن السبب في ذلك لم يكن نظامهم الغذائي أو نمطاً معيّناً في حياتهم، بل التماسك الاجتماعي الذي كان يميّز حياة أولئك السكان والانسجام والوئام والتعاضد بينهم، الذي كان يحمي قلوبهم من الأمراض التي كانت تصيب سكان القرى والمدن الأخرى.
بعد ستين عاماً على ذلك الاكتشاف، وعندما بدأت عاصفة «كوفيد» تهبّ على العالم، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تتصدران دول العالم من حيث المؤشرات التي تدلّ على جهوزيتهما الطبية والعلمية لمواجهتها. لكن مع مرور الوقت، لم يعد في أرقام الإصابات والوفيات الأميركية والبريطانية ما يثير الحسد عند الدول الأخرى. واليوم، بعد عامين على ظهور الجائحة، عادت هذه الدراسة لتؤكد بشكل قاطع أن تدني عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن «كوفيد» لا علاقة له بعدد الأسرَّة في المستشفيات ووحدات العناية الفائقة، ولا بالمختبرات أو الكثافة السكانية أو معدلات الاستثمار في قطاع الصحة، بل بالتعاضد الاجتماعي الذي كان سدّاً منيعاً في بعض البلدان ضد انتشار الوباء.
يقول جوزيف ديلمان، أحد واضعي هذه الدراسة التي أُجريت في معهد العلوم الطبية المرموق التابع لجامعة واشنطن: «تبيّن لنا أن العوامل الحاسمة للوقاية من الإصابة بالفيروس كانت الثقة بين الناس وثقة هؤلاء بالحكومة، ولو كانت الثقة بين المواطنين في كل بلدان العالم كما هي في كوريا الجنوبية، أو الثقة بالحكومة كما هي في الدنمارك، لكان معدّل الإصابات أقل بنسبة 40 في المائة، أي 440 مليون إصابة أقل حتى نهاية الجائحة».
وتشير الدراسة إلى أنه، منذ عام 2020، يجري الحديث عن «اللغز الوبائي» وراء الفوارق الصارخة بين البلدان، حيث إن الوفيات في دول مثل بلغاريا وناميبيا وبوليفيا تضاعف تلك التي تسجلها بلدان مجاورة، مثل تركيا وأنغولا وكولومبيا. وبعد مقارنة دقيقة بين مؤشرات عديدة، مثل التجهيزات الطبية وقدرات المنظومات الصحية وعشرات المعايير الفنية في 177 دولة، خلصت الدراسة إلى نتيجة قاطعة مفادها أن المقاييس التي كانت مستخدمة ليست صالحة لتفسير تداعيات الجائحة، لأنها لم تأخذ في الاعتبار تأثير القيادة السيئة والظروف السياسية السائدة في كل بلد، وأنه توجد عوامل كثيرة أخرى تحتاج للمزيد من البحث لمعرفة أسباب انتشار الفيروس، «لكن الثقة الاجتماعية هي قطعاً العامل الرئيسي الذي يفسّر هذه الفوارق».
وتقول هيلين ليجيدو، الخبيرة في الصحة العامة من معهد الطب الاستوائي في لندن وجامعة سنغافورة: «كل الدراسات التي أُجريت لتحديد مدى تأهب الدول لمواجهة الجائحة أخفقت، ولا بد اليوم من إجراء دراسات جديدة تأخذ في الاعتبار معايير القيادة السياسية والثقة وعوامل نوعية أخرى بات واضحاً تأثيرها العميق والحاسم على تقديراتنا».
وتشير الدراسة إلى أنه منذ بداية الجائحة، أدرك المختصون في العلوم الاجتماعية وعلم النفس الاجتماعي أن مساهمتهم في تفسير هذه الجائحة وتحديد التدابير لمكافحتها لا تقل أهمية عن دور مختبرات البحوث الفيروسية، وراحوا ينشرون الدراسات التي تساعد على توجيه وإدارة سلوك المواطنين، والتي أظهرت أن الثقة كانت المحور الأساسي فيها. وقد بيّنت تلك الدراسات أنه لا فائدة من معرفة كيفية حدوث الإصابات إذا لم يمتثل السكان للتوصيات الصحية، لأنهم غير مقتنعين بفائدتها، كما أنه لا نتيجة تُرجى من تطوير لقاح إذا رفض الناس تناوله، كما حصل في العديد من البلدان بسبب عدم ثقة المواطنين بالسلطات الصحية، المرتبطة بدورها بالثقة في السلطات السياسية.
ويستغرب بعض المختصين كيف أن عامل التعاضد الاجتماعي لم يؤخذ في الاعتبار قبل هذه الدراسة، إذ من المعروف أن الثقة في الجهات المسؤولة تساهم بنسبة عالية في رفع المستوى الصحي. وتقول سيليا غوميز الخبيرة الوبائية من جامعة مدريد، إن «الثقة عماد أساسي في علم النفس. نحن لا نعرف أسرار الطيران ولا القبطان الذي يقود الطائرة، لكننا نقرر السفر بدافع الثقة. والشيء ذاته يحصل بالنسبة للتدابير الصحية؛ إذا انعدمت الثقة بالسلطات، نعير آذاننا لجهات أخرى أو نتصرّف وفقاً لما نعتقد أنها مصلحتنا».
وتلاحظ الدراسة أن 90 في المائة من الديمقراطيين في الولايات المتحدة تناولوا اللقاح، مقابل 64 في المائة من الجمهوريين، وتشير إلى أن 135 ألفاً من الأميركيين قضوا بسبب «كوفيد» بين يونيو (حزيران) وديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، لأنهم رفضوا تناول اللقاح الذي كان متاحاً بوفرة في المراكز الصحية. ويعود ذلك إلى أن القيادات السياسية هي التي زرعت الشكوك بين المواطنين وقوّضت الثقة بالسلطات الصحية.
ويشير الباحثون في هذه الدراسة إلى أن تدني الثقة في الوسط الاجتماعي ينشأ بنسبة عالية جداً عن ارتفاع معدل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين السكان، ولذلك فإن الحد من هذه الفوارق سيؤدي إلى تعزيز التماسك الاجتماعي الذي بدوره يساهم في تحسين نتائج حملات التصدي والمكافحة للجوائح في المستقبل.
خبراء يسعون إلى حل «لغز» تفاوت وفيات «كورونا» بين الدول
https://aawsat.com/home/article/3492761/%D8%AE%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%8A%D8%B3%D8%B9%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AD%D9%84-%C2%AB%D9%84%D8%BA%D8%B2%C2%BB-%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%AA-%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%C2%AB%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7%C2%BB-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84
خبراء يسعون إلى حل «لغز» تفاوت وفيات «كورونا» بين الدول
دعوا إلى اعتماد معايير القيادة السياسية والثقة في تقييم الاستجابة للوباء
مواطنون في هونغ كونغ ينتظرون الحصول على فحص كورونا أمس (أ.ب)
- بروكسل: شوقي الريّس
- بروكسل: شوقي الريّس
خبراء يسعون إلى حل «لغز» تفاوت وفيات «كورونا» بين الدول
مواطنون في هونغ كونغ ينتظرون الحصول على فحص كورونا أمس (أ.ب)
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
