يوم التأسيس: المؤرخ راشد بن عساكر لـ«الشرق الأوسط»: البعد الديني في قيام الدولة السعودية الأولى مبالَغ فيه

أزال الغموض الذي اكتنف تأسيسها

صورة تاريخية لوادي حنيفة عام 1917
صورة تاريخية لوادي حنيفة عام 1917
TT

يوم التأسيس: المؤرخ راشد بن عساكر لـ«الشرق الأوسط»: البعد الديني في قيام الدولة السعودية الأولى مبالَغ فيه

صورة تاريخية لوادي حنيفة عام 1917
صورة تاريخية لوادي حنيفة عام 1917

من يقرأ ما تم تدوينه في بعض الكتب التي أرّخت تاريخ الجزيرة العربية، وتحديداً وسطها (نجد أو اليمامة)، منذ العصور الإسلامية المبكرة وحتى القرون الأربعة الماضية، يلحظ إشارتها، بل وتأكيدها على انتشار وتفشي الجهل والبدع والشركيات بين السكان، بل جزمت بغياب مظاهر الوعي الديني والثقافي والعلمي بكل أشكاله، وحضر هذا الطرح بقوة في «الدرعية»، وحدها دون سائر مدن المنطقة التي تناثرت فيها وعلى ضفة وادي حنيفة الشهير إمارات شكّلت كل واحدة منها كياناً سياسياً مستقلاً، مارس السيادة على أراض أشبه بأحياء، وحارات المدن والبلدان، والكل يحلم بالتوسع على حساب الآخر، وقامت بينها صراعات وحروب ونزاعات، وغاب فيها الأمن وانتشر الفقر، وغاب القانون، ناهيك عن وجود أعداء خارج المنطقة يتربصون للانقضاض على هذه الكيانات الصغيرة تفوقهم قوة ليبسطوا عليها سيادتهم أو على الأقل تكون تابعة لهم وتحت إمرتهم، ونجح البعض وأخفق الكثير، لكن جل هذه الكيانات توارت واختفت من الخريطة.
ولعل من المتعارف عليه، أن فكرة إنشاء دولة تنطلق من الدرعية إلى مناطق أخرى لازمت حكامها من الأمير مانع المريدي وأبنائه واحفاده، وتحقق ذلك بعد ثلاثة قرون بعد أن تمكن الإمام محمد بن سعود، من إعلان هذه الدولة الحلم، التي حملت اسم (الدولة السعودية الأولى)، وصاحب إعلان هذه الدولة أطروحات من بعض المؤرخين، ركّزوا على مناصرة الإمام محمد بن سعود للدعوة الإصلاحية، وعدّوها منطلق قيام الدولة وبالغوا في وصف الأوضاع الدينية، وعدّوها الدافع الأهم من دوافع قيام الدولة الجديدة التي سقطت مرتين بفعل داخلي وخارجي، لتقوم مرة ثالثة مسجلة اسمها دولة عصرية حديثة، ورقماً صعباً في المعادلة الدولية.
لرصد واقع الحال في تلك الفترة وظروف قيام الدولة السعودية الأولى، التقت «الشرق الأوسط»، الدكتور راشد بن عساكر، المؤرخ والباحث والمؤلف في تاريخ المنطقة، فكان هذا الحوار:
عقد سياسي واجتماعي
> كيف تقرأ ما تناقله وسجله بعض المؤرخين المتقدمين وحتى المتأخرون في كتبهم وطروحاتهم عن تاريخ وسط الجزيرة العربية وقرروا خلالها بأن منطقة نجد تحديداً غابت عنها مظاهر العلم وتفشى فيها الجهل وانتشرت فيه البدع منذ القرون الأربعة الماضية، قبل قيام الدولة السعودية الأولى، وهل مناصرة الإمام محمد بن سعود للدعوة التي نادى بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب (التي ألصقت به ما اصطلح على تسميته الوهابية) له ما يبرره بخصوص الوضع في نجد قبل هذا التأييد؟
- السائد والمتناقل والمسجل في بعض الكتب التي أرّخت تاريخ وسط الجزيرة العربية بخصوص أن منطقة نجد أو اليمامة على وجه التحديد قد غابت عنها مظاهر الثقافة والوعي بكل أشكالهما وانتشرت فيها البدع وذلك منذ العصور الإسلامية المبكرة، وحتى القرون الأربعة الماضية، حتى شهدت مولد ما اصطلح على تسميته بالدعوى الإصلاحية بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمؤازرة من الإمام محمد بن سعود، وتبين بالبحث التاريخي أن ذلك غير صحيح وغير دقيق. فالبلاد ينتقصها توحيد الجانب السياسي، فالدين موجود وقائم قبل ذلك بالتعاليم الدينية والمذهب الحنبلي المنتشر والمعتمد على الكتاب والسنة.
الإمام محمد بن سعود سعى لإيجاد تحالفات سياسية وعسكرية، وكذلك معاضدة دينية للدعاة، ومنهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قبل نحو ثلاثة قرون، وتمخض هذا عن خلق عقد سياسي واجتماعي جديد ما زلنا حتى اليوم نتحرك داخل إطاره رغم انقلاب المجتمع، وتغير الظروف والأساس الذي قام عليه هذا العقد.
ولعل المؤرخين، خصوصاً الرسميين منهم والذين تناولوا تاريخ المنطقة في تلك الفترة لم يشيروا إلى وجود أي مظاهر ثقافية أو أي مؤشرات تدل على وجود نهضة علمية وعلماء في العلوم الشرعية وغيرها، بل وصل بالبعض من هؤلاء المؤرخين إلى وصف المنطقة بتفشي الجهل فيها ووجود مظاهر تخالف روح الإسلام، وانتشار الشركيات فيها، بل اعتبرت المنطقة تعاني من فقر في العلماء والفقهاء الذين كان وجودهم ضرورياً لتوجيه دفة المجتمع إلى بر الأمان والقضاء على كل مظهر يخالف الإسلام.
لا جهل ولا بدع ولا شركيات
> كمؤرخ وباحث ومؤلف، هل من الممكن أن تصف الحالة المغايرة لما ذكره بعض المؤرخين عن أوضاع المنطقة خلال تلك الفترة.
- لا شك أن المخطوطات والوثائق والشعر والأثر والنقش، وغيرها من المعطيات، هي الشاهد الأكبر والأوثق لدراسة تاريخ أي أمة وقراءة فكرها وتوجهاتها، وإعطاء حكم على طبيعة وجودها ودرجة مساهمتها في بناء الحضارة الإنسانية، وفيما يتعلق بالفترة التي وصمت بالجهل وانتشار البدع ووجود المظاهر الشركية في نجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى، فإن كثيراً من المخطوطات والوثائق والقصائد تقول غير ما كتب عنها، فمثلاً الشاعر حميدان الشويعر، الذي عاش قبل وأثناء فترة ما يعرف بالدعوة الإصلاحية، يشير في إحدى قصائده إلى صلاة القيام (التراويح في العشر الأواخر من رمضان):

الوعد مثل من قال كحي واكح
في قيام العشر وان ظهرت اظهري
واقعدي عندنا لين ما يظهرون
واظهري والمطوع بهم يوتري

كما أشار الشاعر نفسه في صورة أخرى للحالة الدينية في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلى أن إخراج الزكاة (الركن الثالث من أركان الإسلام)، كان أمراً ضرورياً يهتم بها الحكام، والمجتمع اهتماماً بالغاً:

تاجر فاجر ما يزكي الحلال
لو يجي صايم العشر ما فطّره
ويكفي أن نقول إن عالماً شامياً، هو الأوزاعي، شد الرحال لطلب العلم في الرياض (التي كانت تسمى في ذلك الوقت حجر اليمامة)، وبالمثل العالم ومفسر الأحلام المشهور ابن سيرين اتجه للدراسة في جامع الرياض، لمتطلبات تولي قضاء البصرة فذهب للدراسة على علماء حجر اليمامة، وبالمثل إسحاق بن إسرائيل وابن راهوية فإنهما أخذا ونشرا علم الحديث ودراسته، وعدّ عالم حجر اليمامة الإمام يحيى بن أبي كثير أحد الستة الذين يؤخذ عنهم علم الإسناد في الحديث النبوي، وقد وصلت بعض أسماء طلاب العلم في حجر اليمامة إلى قرابة القرن الثالث الهجري إلى أكثر من مائتين وخمسين عالماً وطالباً للعلم، بل إن مؤرخاً وهو ياقوت الحموي وعاش قبل 960 عاماً، أشار إلى تمسك البلاد النجدية وتشددهم فيه من خلال إيراده ما قاله شاعر نجدي حنّ لبلاده نجد:

يا حبّذا نجد وطيب ترابهِ
وغلظةَ دنيا أهل نجد ودينهم

وبمجمل القول، فإن من يطلع على ما سجله عبد الله البسام في كتابه علماء نجد خلال ثمانية قرون، يجد عدداً كبيراً من العلماء النجديين تجاوز من ترجم لهم أكثر من 800 عالم خلال الفترة من القرن التاسع إلى القرن الرابع عشر الهجري، حيث إنه عند إحصاء العلماء قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، نجد عددهم أكثر من 200 عالم، أما من ينظر إلى إحصائية علماء نجد منذ الفترات الإسلامية المبكرة فيجد أن عددهم من القرن الأول إلى الرابع الهجري أكثر من 250 عالماً ومحدثاً، أما في الفترات المتقطعة خلال الفترة من القرن الخامس إلى السابع الهجري نجد أن بعض هؤلاء العلماء من نجد قد ورد ذكرهم في بعض المصادر، مثل كتب الإجازات والسماعات، التي تترجم لبعض الأعلام في العالم الإسلامي.
أما بعد القرن السابع إلى القرن الماضي، فنجد أن الأرقام تشير إلى وجود أكثر من 1500 عالم أو طالب علم له القبول في المجتمع النجدي، وربما أن كثيراً من الوثائق التي يملكها الأفراد في كثير من المدن والقرى النجدية ستكشف عن وجود عدد كبير من العلماء المغمورين الذين لم يكن لهم حظ من البروز أو الشهرة، فقد وقع في يدي وثائق ومخطوطات خاصة بإحدى الأسر في منطقة نجد تجاوزت أكثر من (1000) وثيقة في فترات متفاوتة، وحملت معلومات مفيدة عن الحياة العلمية والاجتماعية والفكرية التي مرت في هذه المنطقة الغنية والمزدهرة منذ العصور الإسلامية الأولى، كما أن وجود كثير من وثائقنا الوقفية خارج البلاد تقدم معلومات مفيدة في هذا الجانب، خاصة ما يحفظ في مكتبات تركيا بحكم أن الدولة العثمانية حكمت العالم الإسلامي أكثر من ستة قرون.
ولعل من محاسن الصدف أن نجد وثائق من القرن العاشر الهجري، وربما قبل ذلك لبعض المناطق، مثل الوثيقة الخاصة بجد الأسرة المالكة السعودية (آل سعود) إبراهيم بن موسى المريدي الدرعي الحنفي نسبة إلى قبيلة حنيفة التي حكمت هذه المنطقة قبل الإسلام وبعده، وإبراهيم هذا هو الجد العاشر للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، وتاريخ الوثيقة عام 981هـ. وفيها إشارة إلى هذا الأمير بحمايته للحجاج القادمين من شرق الجزيرة إلى غربها مروراً بنجد، وبمشاركه عدد من الأمراء المحليين.
غنى حضاري وتراثي
> هل أنجزت عملاً يؤكد ما ذهبت إليه وجمعتها في كتاب؟
- الملك سلمان - حفظه الله - الذي يعدّ المؤرخ الأول والقارئ والمطلع والناقد الحصيف، سهّل لي ولكثير من الباحثين البحث في تاريخ بلادنا المملكة العربية السعودية بشكل خاص، وتاريخ الجزيرة العربية على وجه العموم، وهو يطلع على كثير مما يُكتب في شتى المجالات العلمية والتاريخية والأدبية وعلم الأنساب، وكذلك ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فإنه قارئ حصيف ومعتنٍ بتاريخ مراحل الدولة السعودية الثلاث، ولديه من المعلومات والبحوث ما لم يتوفر لغيره، والحديث عن سموه في هذا الأمر يطول من حيث سعة الاطلاع والتدقيق التاريخي، ووجّه سموه من خلال ما نشهده حالياً من عمليات تطويرية شاملة، ومنها العناية بالتوثيق التاريخي والعناية بتراث بلادنا المملكة العربية السعودية.
وفيما يتعلق بسؤالك عما أنجزته في هذا المجال، فقد شرعت منذ مدة في عمل يتعلق بمنطقة العارض الشاملة للعيينة والدرعية وعرقة والرياض ومنفوحة والمصانع، والأسرة المالكة ووثائقهم المختلفة من جمع ما يخص الحياة العلمية والكتب المخطوطة في منطقة نجد وما يتعلق بالعلماء والأسر والأماكن والحياة الاجتماعية والتراث الذي أُنجز في هذه المنطقة، وقد اطلعت على كثير من الوثائق والمخطوطات التي جمعتها وخرجت بنتائج تدل على أن هذه البلاد غنية بتاريخها وحضارتها وتراثها.
ابن غنام أهمل الحديث عن المؤسس
> هل ترى كل ما طرح عما اصطلح على تسميته بـ«الوهابية» بصورة سلبية قديماً وحديثاً مردّه اعتماد منتقدي الشيخ محمد بن عبد الوهاب على ما ذكره بعض المؤرخين، لعل أبرزهم المؤرخ حسين بن غنام؟
- المؤرخ حسين بن غنام توفي علم 1225هـ - 1810م، لم يكن عند تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1139هـ - 1727م موجوداً ولا حتى بعد اللقاء بين الإمام محمد بن سعود والداعية الشيخ محمد بن عبد الوهاب 1157هـ - 1744م مولوداً، وقيل إن عمره في ذلك الوقت لا يتعدى ثلاث سنوات، وكانت ولادته في منطقة الأحساء، وكل ما أرّخه كان عن منطقة نجد، والذي يقرأ تاريخه يجد الحوادث التي ساقها تركز على شخصية وتاريخ ومنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بإضفاء العبارات المبالغة عنه والسجع اللغوي الذي سلكة عليه، والتي توحي وكأن الشيخ هو الذي طلب منه كتابتها، إضافة إلى أن قارئ تاريخ ابن غنام يلمس بوضوح غياب الحديث عن الجوانب الإنسانية والفكرية للمؤسس الأول الإمام محمد بن سعود، وللائمة من آل سعود، وضمّن في تاريخه روضة الأفكار عدداً من الآراء التي لا نتفق معه فيها عندما جزم أن بلاد نجد ينتشر فيها الشرك مثالاً، ليأتي من بعده من المؤرخين الذين تناولوا الفترة سواءً من الغربيين والمحليين وينقلون تلك الآراء ويعدونها صحيحة.
فتح كبير وضرورة أمنية
> بماذا تختصر المشهد عن حقيقة واقع المنطقة في تلك الفترة، خصوصاً أنك مَن تخصص في رصد تاريخها وألّفت عنها؟
- الحدث أو الفتح الأكبر أو التحول العظيم في تاريخ المنطقة هو قيام الدولة السعودية الأولى التي تعد أول دولة مركزية في الجزيرة العربية بدأ أساسها منذ عام 1139هـ، وقد كان قيامها ضرورة لتحقيق الأمن لسكان المنطقة التي تنازعتها الحروب والنزاعات، وهو ما حدث بوجود شخصيه قيادية وعسكرية وفكرية وإدارية، رأت من المناسب استغلال الظروف لقيام دولة تحقق الأمن وتردع الظالم وتبني الأمل؛ وهذا ما تحقق على يد الإمام محمد بن سعود، والأئمة من بعده، إلى سقوط الدولة بفعل خارجي، ثم قيام الدولة الثانية، وأعقبها الدولة السعودية الثالثة التي قامت على يد الملك عبد العزيز، وأصبحت اليوم دولة سجلت اسمها على خريطة العالم كرقم صعب.
ما زال الإمام محمد بن سعود وجهوده وأفكاره تحتاج إلى مزيد من البحث والتنقيب مع إبراز جهود هذه الشخصية من خلال المؤتمرات والبحوث والأفلام الوثائقية كحق وواجب تجاه ما قام به من إيمان مخلص في توحيد بلادة واستقلالها وتحقيق العدل في أرجائها وخلفه من بعده أبناؤه وأحفاده.



«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
TT

«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)

أعلنت وزارة الداخلية السعودية، الأربعاء، مباشرة الجهات المختصة في حينه الإجراءات النظامية بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية، والتي تمثل خطاً أحمر لا يُقبل المساس به، أو التأثير عليه.

جاء ذلك في بيان للوزارة أشار إلى ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى من شأنه المساس بالوحدة الوطنية، وتهديد السلم والأمن المُجتمعي، متضمناً عبارات مثيرة للتعصب القبلي المقيت، في تصرف غير مسؤول، ولا يعكس وعي المجتمع السعودي، وإدراكه لخطورة تلك الممارسات الشاذة التي لا تمثل إلا أصحابها.

وحذَّرت «الداخلية» من كل ما من شأنه المساس بالنظام العام، ومؤكدة أن الجهات الأمنية تقف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللُّحمة الوطنية بإثارة النعرات القبلية المقيتة، وأن الجزاء الرادع سيكون مصيره، باعتبار أن تلك الأفعال تعدّ جريمة خطيرة يُعاقب عليها القانون.

من جانبهم، أبدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي ترحيبهم بهذه الإجراءات التي تأتي امتداداً لجهود الوزارة المتواصلة في الضرب بيد من حديد على كل من يقوم بمثل تلك التصرفات الشاذة باعتبارها تجرأ سافراً على مبادئ الوحدة، والائتلاف، واجتماع الكلمة التي قامت عليها الدولة.

واستنكر رواد تلك المواقع نشر أو تداول أي محتوى يثير التعصب القبلي المقيت، والبغضاء، والكراهية في المجتمع، مُعربين في الوقت ذاته عن فخر أبناء البلاد على مدار تاريخها العريق بتلاحمهم، والتفافهم حول وحدتهم الوطنية، ونبذهم كل أسباب الفرقة، والشقاق.


كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
TT

كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)

وجّه قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم التشاورية، في جدة غربي السعودية، الثلاثاء بضرورة استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية، مشيرين إلى أهمية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، والإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، ومشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون، والمضي قدماً في دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، إلى جانب التأكيد على أهمية تكثيف التكامل العسكري ما بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.

وعكست هذه التوجيهات التي كشف عنها البيان الإعلامي لجاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقب القمة، إشاراتٍ لافتة جاءت بالتوازي مع أخذ السعودية زمام المبادرة للدعوة لهذه القمة التشاورية، حيث تضمّنت «التوجيهات السامية»، كما وصفها البديوي، مصطلحات واضحة ومباشرة اشتملت على «الاستعجال» و«الإسراع» في مناسبتين، إلى جانب «أهمية»، والدعوة المباشرة لتكثيف التكامل العسكري، الأمر الذي لقي تفاعلاً واسعاً يكشف عن جدية، ووضوح في المبادرة السعودية، واللقاء التشاوري الخليجي، للخروج بنتائج حقيقية لهذا اللقاء في ظل الظروف الراهنة شديدة التعقيد.

ولي العهد السعودي وملك البحرين قبيل القمة (واس)

ودلّلت تعليقات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد عقب القمة على ذلك قائلاً: «قمتنا الخليجية التشاورية اليوم في جدة تجسد الموقف الخليجي الموحد تجاه الأوضاع الراهنة، وما تستلزمه من تكثيف التنسيق، والتشاور، بما يعزز الدور الفاعل لدولنا في دعم المسارات الدبلوماسية، وصون أمن المنطقة، واستقرار شعوبها، وتحقيق تطلعاتها نحو التنمية، والازدهار».

امتداد لجهود ولي العهد السعودي وقادة الخليج

الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، قال لـ«الشرق الأوسط» إن استضافة المملكة للقمة الخليجية التشاورية جاءت استجابة لبحث الظروف التي تمر بها منطقة الخليج العربي جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، والتشاور، وتنسيق مواقف دول مجلس التعاون الخليجي على ضوء ما أسفرت عنه هذه الحرب، ولاحتواء تداعيات الأزمة الراهنة، سواء من الناحية الأمنية، أو الاقتصادية، أو غيرهما. واستدرك أنها تهدف إلى تعزيز الجهود المبذولة لمعالجة هذه الأزمة، وتداعياتها، لتحقيق استقرار المنطقة، وحفظ مصالح دول مجلس التعاون، وتعزيز أمنها الجماعي، وتابع أنها تأتي امتداداً لجهود الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي.

ولي عهد الكويت لدى وصوله إلى جدة وفي استقباله ولي العهد السعودي (واس)

الدكتور عبد العزيز يرى أن رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز -لتعزيز العمل الخليجي المشترك، وترسيخ الوحدة الاقتصادية، وتطوير المنظومتين الدفاعية، والأمنية، وصولاً إلى تكامل خليجي أكثر رسوخاً واستدامة، بما يحقق قيمة مضافة لحماية مصالح دول مجلس التعاون الحيوية، ويعزز التعامل الجماعي مع ما قد تفرضه الأزمة الحالية من تحديات، أو تحسباً لأي أزمات قد تطرأ على المنطقة مستقبلاً- تعد من الملفات التي طرحت على طاولة لقاء القادة.

عدم ارتهان القرار الخليجي لجهات أخرى

وتوقع بن صقر خلال حديثه أن القمة سوف تبني على نجاح دول المجلس في التصدي للهجمات الإيرانية بالصواريخ الموجهة، والمسيرات، والبناء على هذا النجاح في وضع استراتيجية دفاعية متكاملة وشاملة لدول المجلس، تبدأ بالتسليح الحديث الذي يناسب الأجيال الجديدة من الحروب، والتدريب، والشراكات الدفاعية الخارجية، بما يرسي قواعد دفاع استراتيجية قوامها الاعتماد على الذات، والشراكات المناسبة، والمفيدة، وعدم ارتهان القرار الخليجي لأي جهات أخرى.

ولي العهد السعودي مستقبلاً أمير قطر (واس)

وكان القادة الخليجيّون أكدوا على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية سيادتها، وأمنها، واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

كما أشار الأمين العام للمجلس إلى إشادة القادة بما أظهرته القوات المسلحة لدول المجلس من «شجاعة وبسالة عاليتين في الدفاع عن دول المجلس في وجه الاعتداءات الإيرانية السافرة، وبما أبدته هذه القوات من قدرات وجاهزية مكنتها -بعد توفيق الله- من التصدي للاعتداءات الصاروخية، وبالطائرات المسيرة، والتعامل معها باحترافية وكفاءة عاليتين»، إلى جانب الحفاظ على أمن الدول الأعضاء، ومقدرات شعوبها.

الممرات البديلة «نقاش الفترة المقبلة»

وتوقّع بن صقر أن العمل على إيجاد ممرات بديلة لتأمين سلاسل إمدادات الطاقة سوف يكون محل نقاش خليجي جاد في الفترة المقبلة، وهو الأمر الذي تناوله بيان الأمين العام لمجلس التعاون الذي كشف عن توجيه القادة إلى الإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، علاوةً على استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية.

وزير الخارجية السعودي استقبل نظيره الإماراتي عقب وصوله للمشاركة في القمة (واس)

ويتّفق أحمد الإبراهيم، المحلل السياسي، مع هذا الطرح، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن البيان الذي أعقب القمة عكس أهميّتها، وأكّد على أن السعودية كما تولّت الأمر، وأمّنت سلاسل الإمداد لوجستيّاً لدول الخليج خلال الأزمة، وعملت على تأمين ممرات بديلة للطاقة عبر خط أنابيب شرق–غرب كجزء من معالجة أزمة مضيق هرمز، جدّدت اليوم خطواتها المبدئية عبر جمع دول الخليج على طاولة واحدة، للتعامل مع المرحلة المقبلة.

«توجيهات صريحة ومباشرة»

وأضاف: «هذه من المرّات النادرة التي أشهد فيها بياناً مباشراً وصريحاً يتضمن التوجيهات الصارمة، خاصةً في التعامل مع المتطلّبات المستقبلية، والسيناريوهات المفتوحة على كافة الاحتمالات الآن، مع احتمالية تعثر المفاوضات الأميركية–الإيرانية، أو أي سيناريو خطير قادم».

جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أدلى ببيان عقب القمة (مجلس التعاون)

بدوره يرى المحلل السياسي محمد الدوسري أن أهمية مجلس التعاون الخليجي تكمن في مقدرته على العبور من الكثير من الأزمات، ومن ذلك الحرب العراقية-الإيرانية، وأزمة احتلال العراق للكويت، ودور المجلس -وعلى رأسه السعودية- في تجاوز العديد من المحن، مشدّداً على أن العقل الجمعي لمواطني الخليج يرى أهمية توحيد الموقف الخليجي لعبور الأزمات، ومن ذلك الأزمة الجارية، وانعكاسات إغلاق مضيق هرمز.

«الخيمة السعودية»

ونوّه الدوسري إلى أن اللقاء التشاوري لقادة دول الخليج هو بمثابة رسالة لاجتماعها، واستظلالها في «الخيمة الكبيرة»، وهي السعودية، لتفتح آفاقاً جديدة، وتتفق على معالجة وتجاوز الأخطار الحالية المحدقة.


رئيس سويسرا: نتضامن مع السعودية... والتفاوض الأميركي الإيراني ضرورة أمنية للاستقرار

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس السويسري غي بارميلان أثناء لقاء ثنائي 23 أبريل بجدة (السفارة السويسرية في الرياض)
ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس السويسري غي بارميلان أثناء لقاء ثنائي 23 أبريل بجدة (السفارة السويسرية في الرياض)
TT

رئيس سويسرا: نتضامن مع السعودية... والتفاوض الأميركي الإيراني ضرورة أمنية للاستقرار

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس السويسري غي بارميلان أثناء لقاء ثنائي 23 أبريل بجدة (السفارة السويسرية في الرياض)
ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس السويسري غي بارميلان أثناء لقاء ثنائي 23 أبريل بجدة (السفارة السويسرية في الرياض)

شدّد الرئيس السويسري غي بارميلان على دعم ووقوف بلاده إلى جانب السعودية في الظروف التي وصفها بالصعبة، مؤكداً على أهمية مواصلة الجهود الرامية لحل دبلوماسي بين واشنطن وطهران، عن طريق التفاوض، بغية تغليب السلام والاستقرار في المنطقة.

وفي إشارة إلى تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية الإسرائيلية، قال بارميلان في حوار مع «الشرق الأوسط»: «احتل الوضع الأمني الحالي في المنطقة صدارة جدول الأعمال. وأعربت عن تضامن سويسرا مع السعودية في هذه اللحظة الصعبة، وأثنيت على الأمير محمد لحكمته وضبط النفس الذي أبداه، وأبديت له تأييد ودعم سويسرا، كما اتفقنا على ضرورة تشجيع جميع الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل دبلوماسي عن طريق التفاوض، حرصاً على السلام والاستقرار في المنطقة».

وأضاف بارميلان: «جاءت الزيارة الأخيرة إلى مدينة جدة بالسعودية في 22 و23 أبريل (نيسان) بمناسبة الذكرى السبعين لإرساء العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا، وتهدف إلى تعزيز علاقاتنا الثنائية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، حيث رافقتني في هذه الزيارة سعادة وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية السيدة هيلين بودليغر أرتييدا، ووفد تجاري رفيع المستوى يمثل الصناعات السويسرية الرئيسية».

تعميق التعاون الاستراتيجي

وأضاف بارميلان: «ركزت محادثاتي مع الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء على تعزيز العلاقات الاقتصادية في بيئة عالمية تتسم حالياً بقدر كبير من الغموض. واستكشفنا خلال حديثنا فرص تعميق التعاون في قطاعات استراتيجية مثل الخدمات اللوجستية والسلع الأساسية والخدمات المالية والتأمين، وكلها مجالات تتمتع فيها كل من سويسرا والسعودية بخبرة قوية».

وتابع بارميلان: «كان أحد العناصر الرئيسية للزيارة هو اجتماع المائدة المستديرة الاقتصادية، الذي شاركت في رئاسته مع وزير الاستثمار فهد بن عبد الجليل السيف، والذي جمع بين كبار ممثلي الحكومة وقطاع الأعمال من الجانبين. كانت هذه فرصة قيّمة لتحديد مجالات ملموسة لتعزيز التعاون وتقوية الروابط بين الشركات السويسرية والسعودية».

وزاد: «سعدت بتوقيع اتفاقية حماية الاستثمار الثنائية الجديدة مع وزير الاستثمار السعودي، وهي إحدى النتائج الرئيسية للزيارة، وتشرفت بشكل خاص بحضور الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية حفل التوقيع، وهو ما يؤكد على أهمية هذه الاتفاقية، على أساس أنها تهدف إلى تعزيز المصداقية القانونية لدى المستثمرين، وتقوية شروط المشاركة الاقتصادية الثنائية، وذلك بحضور كثير من الرؤساء التنفيذيين ورؤساء كبرى الشركات السويسرية متعددة الجنسيات لحفل توقيع هذه الاتفاقية، وهو ما يؤكد على أهميتها بالنسبة للقطاع الخاص في كلا البلدين».

العلاقات السعودية - السويسرية

وقال بارميلان إن «العلاقات الثنائية بين سويسرا والسعودية وثيقة وقديمة وتمتد لأكثر من 70 عاماً، وهي قوية وتتميز بالتطور المستمر. الشراكة القائمة بين بلدينا بُنيت على أسس الاحترام المتبادل والحوار المنتظم والروابط الاقتصادية المتنامية، وتستمد هذه الشراكة قوتها من المصلحة المشتركة بين بلدينا في الاستقرار والأسواق المفتوحة والتعاون الدولي القائم على القواعد».

وأضاف: «يعد التعاون الاقتصادي جوهر علاقتنا الثنائية، حيث تعد سويسرا شريكاً تجارياً مهماً للسعودية، حيث يعمل حوالي 200 شركة سويسرية بنشاط في المملكة في مجالات الأدوية والآلات والهندسة والتكنولوجيا والسلع الأساسية والخدمات اللوجستية والخدمات المالية والتأمين».

وتابع: «لاحظنا وجود فرص كبيرة في السعودية مرتبطة ببرنامج التحول (رؤية السعودية 2030)، وإن الخبرة السويسرية في مجالات الضيافة والبحث والابتكار والبنية التحتية المستدامة والتصنيع المتقدم والتعليم والتدريب المهني بإمكانها أن تسهم في تحقيق أهداف هذه الرؤية».

وزاد بارميلان: «أما على الصعيد المؤسسي، فتعمل سويسرا والسعودية على دفع جدول الأعمال المشترك بين البلدين، من خلال لقاءات اللجنة الاقتصادية المشتركة السنوية، والحوار المالي الثنائي، والمشاورات السياسية. إلى جانب الروابط الاقتصادية، نحافظ على تبادلات سياسية بناءة، ونتعاون في المحافل المتعددة الأطراف».

وشدّد بارميلان على أن العلاقات السويسرية - السعودية واسعة النطاق واستشرافية، وتتيح فرصاً واقعية لتعزيز التعاون في القطاعات كافة، سواء القائمة منها أو الناشئة.