فاروق يوسف: نعيش وسط غابة من الرسامين لكن أثرهم محدود

«رسامون من العالم العربي» في جزئه الأول... قصة المؤسسين

من أعمال الفنان العراقي جواد سليم
من أعمال الفنان العراقي جواد سليم
TT

فاروق يوسف: نعيش وسط غابة من الرسامين لكن أثرهم محدود

من أعمال الفنان العراقي جواد سليم
من أعمال الفنان العراقي جواد سليم

قليلاً ما تصدر في العالم العربي كتب رصينة في الفن التشكيلي بمقدورها أن تكون وسيطاً ممتعاً، عميقاً ومبسطاً، بين الفنانين وعامة الناس. من هنا تأتي أهمية الكتاب الجديد للناقد التشكيلي العراقي فاروق يوسف «رسامون من العالم العربي» الذي صدر الجزء الأول منه حاملاً عنواناً فرعياً «الفاتحون»، على أن يصدر الجزء الثاني «المغامرون» قريباً. ويتمنى المؤلف أن يتمكن من وضع الجزء الثالث، مخصصاً إياه للتشكيليين الشباب. بهذا المعنى عكف المؤلف على وضع موسوعة لمن يريد التعرف على الحركة التشكيلية العربية منذ نشوئها في القرن التاسع عشر، من خلال تقديم الأسماء الأكثر تأثيراً. هو لا يدعي أنه أحصى كل الفنانين... «إنهم أكثر مما نتصور. العالم العربي غابة من الرسامين. وإن كان أثرهم في الواقع لا يزال محدوداً؛ لأسباب عديدة».
الجزء الأول «الفاتحون» الذي أبصر النور بعناية «مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة» في البحرين، يتكون من مقدمة شيقة تحمل عنوان «ما لا نتذكره لا يحدث»، ثم يستعرض الكاتب مسارات 86 فناناً عربياً من المؤسسين، وجميعهم ولدوا قبل عام 1935، بادئاً بالفنانين داود وجورج قرم من لبنان، ومنتهياً بإلياس الزيات أحد مؤسسي كلية الفنون الجميلة بدمشق. اللطيف في الصفحات التي خصصت لكل فنان، أنها كتبت بأسلوب رشيق، لا إسهاب فيه، فيها معلومات وافية عن حياة كل منهم، مع تتبع مساره الفني، وتحري المؤثرات على عمله، وكذلك تطور أسلوبه الجمالي، وإعطاء فكرة واضحة عما تميز به كل منهم، ومدى تأثيره في فناني عصره أو من أتوا بعده. وهو ما يفسح في المجال أمام القارئ أن يشكل فكرة عن المحطات الرئيسية في تاريخ الفن التشكيلي العربي.

من هم المؤسسون؟

نحو 600 صفحة من الورق الصقيل، مزدانة بصور تبرز أهم أعمال كل فنان، إلى جانب مساره الإبداعي. وهو ما جعل الكاتب يطلق على مشروعه الموسوعي هذا صفة «متحف خيالي». لم ينشغل الكاتب بهاجس ألح طويلاً على مؤرخي الفن، وهو: من الذي بدأ الرسم أولاً؟ أو من يكون المؤسس الأول؟ «قررت أن أتصفح أوراق تجارب الفنانين الأوائل، واحداً بعد آخر، كما لو أني أتصفح كتاباً وضعته الحياة بين يدي. أنا هنا أعيد رواية أحداث، كان لها أكبر الأثر في تطوير معرفتنا بالرسم، ومن ثم الارتقاء بذائقتنا الجمالية».
يشرح فاروق يوسف لـ«الشرق الأوسط» أنه قضى 5 سنوات منكباً على البحث كي يصدر هذا الكتاب... «في النهاية، المشقة (الأكبر) كانت في جمع المعلومات المشتتة، وغربلة الفنانين الذين عليّ أن أختارهم، وسط كم هائل من الأسماء. هناك أسماء معروفة لكنها لم تكن مؤثرة. وبالتالي فإن أول رسام عراقي، على سبيل المثال واسمه عبد القادر سالم، ليس موجوداً في الكتاب؛ لأن أسلوبه كان مدرسياً».
يشرح يوسف أن «اللوحة التي تعلق على حائط هي فن غربي. نحن في تراثنا الرسم قديم وموجود، لكنه لم يكن يوضع في إطار ويعلق. كان موجوداً على الخزف والورق والقماش والزجاج وفي الكتب، وحين أتحدث عن الفاتحين أو المؤسسين، فهم أولئك الذين كانوا أول من رسموا لوحات توضع على جدار بالمعنى الغربي». وهنا يلفت يوسف إلى أن اللبنانيين كانوا سباقين إلى الريادة، متقدمين على المنطقة العربية كلها، لأسباب دينية، ولوجود الرسم في الكنائس. الرسام داود قرم ذهب لدراسة الرسم في روما سنة 1870، مما مهد الطريق لابنه جورج لدراسة الرسم في باريس من بعده. داود قرم بدأ الرسم في الكنائس والأديرة قبل أن ينتقل إلى الرسوم الشخصية، وهو ما أكسبه شهرة عالمية في زمانه، وقد أصبح على صلة بالملوك والأمراء والساسة الذين رسمهم، في أوروبا ومصر والآستانة. وعلى خطاه سار ابنه جورج منتقلاً من الرسم الكنسي إلى رسم المناظر الطبيعية والأشخاص. وتكر سبحة الفنانين، فنمر على حبيب سرور الذي يصح أن يطلق عليه لقب «المعلم»، فعلى يديه تتلمذ مصطفى فروخ وصليبا الدويهي. وهو الذي كان أول من اكتشف موهبة جبران خليل جبران الفنية.

فنان وقصة ومفاجأة
الكتاب يقوم بمسح لفنانين من مختلف الدول العربية، فنجد محمود سعيد، ومحمد راسم، وراغب عياد، وجواد سليم، والهادي الخياشي وولده نور، ونصير شورى، والهادي التركي، وحاتم المكي، والشعيبية طلال، والجيلالي الغرباوي، وباية محيي الدين، وفاتح المدرس، وأحمد شبرين، وإيتيل عدنان، وشفيق عبود، وعارف الريس، وإسماعيل شموط، وشاكر حسن آل سعيد، وأحمد الشرقاوي، وأمين الباشا، وعلي بن سالم.
رسامون مشاهير، وآخرون أقل شهرة، لكنهم جميعهم استحقوا وجودهم في هذا المرجع، ولا بد من أن يجد القارئ في تتبع سيرهم المتلاحقة ما يجعله يفهم صلة الرحم الثقافي بين فنان وآخر، وربما فهم الشقة التي أبعدت بعضهم. هناك الفنانة العراقية مديحة عمر، التي ماتت عام 2006 عن 98 عاماً. امرأة لم يعرف عنها الكثير، رغم أنها من أهم رائدات الفن التشكيلي الحديث في العراق، فقد قضت جل حياتها في الولايات المتحدة الأميركية، إلا إن المعرضين اللذين أقامتهما في بغداد يشهدان على مرورها المؤثر في الثقافة العراقية. وميزة هذه العراقية المغتربة أنها شغفت بالخطوط العربية منذ طفولتها. وقد أسهمت مديحة عمر منذ الأربعينات في البحث عن الحرف العربي عبر الفن التشكيلي متوخية الكشف عن طاقاته الإبداعية.
إلى جانب المسار الإبداعي، نجح الكاتب في إدخالنا إلى حياة هؤلاء الفنانين، التي غالباً ما تتسم بالمفاجآت والتشويق، بسلاسة وعذوبة؛ إذ سيحلو لك أن تقرأ حكاية الرسامة فخر النساء زيد؛ تركية الأصل التي تزوجت من الأمير زيد بن علي شقيق ملك العراق فيصل الأول، وبيعت لوحتها «انشطار الذرة وحياة النبات» عام 2013 مقابل 2.74 مليون دولار.

ملحقان للتيناوي
والمجموعات الفنية

للكتاب ملحقان: الأول خصص لأبي صبحي التيناوي، ولد عام 1888 ومارس الرسم على الورق والزجاج. نشأ أمياً، ثم صار رساماً. رسم وباع ما كان يخطه في المقاهي الشعبية في دمشق، وسيلة لكسب الرزق، إلى أن لحظ البعض في الستينات في رسومه أصالة وتمايزاً، وطبعت رسومه وبيعت بسبب إقبال اللبنانيين والأجانب عليها، لاقتنائها. ويعلق فاروق يوسف: «هو رسام لا يمكن إنكار اتصال أعماله بفن عربي، ممتد إلى مقامات الحريري التي زينها يحيى بن محمود الواسطي برسومه في القرن الثالث عشر الميلادي». لكن الكتاب لم يدرج التيناوي مع جملة الفنانين المؤسسين، باعتباره لا ينتمي إلى مدرسة الفن الحديث، ولم يأت بجديد، لكنه رغم ذلك أثر في عدد من الرسامين العرب والسوريين.
أما الملحق الثاني فمخصص للجماعات الفنية التي نشأت في تلك الفترة المبكرة، وكان لها حضورها... نجد «جماعة الفن والحرية» المصرية التي قامت بتأثير من بيان «برايتون - تروتسكي» الذي صدر عام 1938 في المكسيك ودعا إلى إنشاء اتحاد أممي للفن الثوري الحر. وكانت هذه الجماعة بعيدة؛ لا بل منفصلة عن التجارب التي استلهمت التاريخ المصري وحياة الفلاحين، ويمكن القول إنها سارت عكسها. هناك أيضاً «جماعة بغداد للفن الحديث» ودعت إلى استلهام جماليات فن يحيى بن محمود الواسطي الذي عاش في العراق في القرن الثالث عشر، ومن بين أعضائها جواد سليم وجبرا إبراهيم جبرا. و«جماعة مدرسة تونس» التي قدمت أعمالاً صورت الحياة المحلية بأسلوب استشراقي عديم الخيال.
ويشرح لنا يوسف أن «فترة التأسيس في الرسم العربي كانت أكثر أصالة من اليوم. كان لكل من هؤلاء الفاتحين الذين تحدثت عنهم في كتابي، عالمه الخاص. وهي مرحلة عظيمة ترك فنانون كبار بصمات بنى عليها من جاءوا بعدهم». وفي رأيه أن «بروز فكرة القومية، وأحزابها التي شهدت ذروتها في الستينات والسبعينات، أثرت على المزاج الفني. لهذا نرى أن اللوحات فقدت شيئاً من بريقها». يعطي مثلاً على ذلك الفن المصري بعد جمال عبد الناصر، ويقول: «لو قارنا ما قبل بما أتى بعد ذلك، فسنجد أن اللوحات في مصر، أصبحت تتشابه في مفرداتها، وطغت عليها الألوان الترابية. لقد نما اهتمام بالتاريخ الفرعوني وحصل تأثر واضح».

إصداران إضافيان منتظران
يستعد المؤلف لإصدار المجلد الثاني من هذا العمل الكبير، عن الرسامين العرب، دون الأخذ بالاعتبار انتماءاتهم القطرية، بل ينظر إليهم جميعهم باعتبارهم ينتمون إلى ثقافة واحدة رغم بعض التمايزات. وسيخصص الجزء الثاني للرسامين الذين ولدوا قبل ستينات القرن الماضي وبعد 1935، «وهي فترة صعبة؛ لأنها شهدت انفتاحاً كبيراً على العالم. سنرى خلال هذه المرحلة تأثير ظهور الفن التجريدي في أميركا، في أربعينات القرن الماضي، حيث حدث نوع من الفوضى في أحوال الفن في العالم، نبت أشخاص لا يجيدون الرسم أصلاً وتمكنوا من بيع لوحاتهم بمبالغ باهظة».
ويبدو أن إنجاز المجلد الثالث سيكون أصعب من الاثنين السابقين له، بحسب المؤلف؛ «وذلك لأننا لا نزال نقطف ثمار العشوائية التي انتشرت في الفن. نحن نعاني من الكثرة المفرطة في عدد الفنانين والأعمال. هناك فنانون شباب لا يعرفون كيف يرسمون شجرة، أو شخصاً، ومع ذلك معترف بهم، وربما لهم رواج. هذا ليس دفاعاً مني عن التشخيص في الرسم، ليس هذا ما أقصده، وإنما يفترض من الفنان أن يجيد الحرفة. وهؤلاء الذين أتحدث عنهم أصبحوا أغلبية، وبالتالي هم قادرون على فرض وجودهم والدفاع عن أنفسهم».



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.