مراثي الذات في واقع مضطرب

الشاعرة اللبنانية ليندا نصار في «الغرفة 23 وقصائد أخرى»

مراثي الذات في واقع مضطرب
TT

مراثي الذات في واقع مضطرب

مراثي الذات في واقع مضطرب

تتكئ الشاعرة اللبنانية ليندا نصار في ديوانها الجديد «الغرفة 23 وقصائد أخرى» الصادر عن دار خطوط وظلال بالأردن، على اللعب بالأشياء الصغيرة المهمشة والمنسية، باحثة في ظلالها عن نقطة التقاء مغايرة، تلمّ شتات ذات مأزومة في متاهة واقع مضطرب، وتسعى لأن تجعلها أكثر التصاقاً وحميمة بذكرياتها وأحلامها وأشيائها الخاصة. ولا سبيل إلى ذلك الخروج من هذه المتاهة سوى مواجهة الشعر والحياة معاً، بلا فواصل أو عقد زمنية، الشعر ابن الحرية والتجريب والمغامرة، والحياة كما هي، حافة مراوغة، لا معنى للوقوف عليها، سوى الخوف من السقوط في الهاوية، بما تحمله من مرادفات تشي بالزوال والعدم.
ربما لذلك يظل الخوف من السقوط في هاوية الكتابة هو نقطة الأمان ألقابعة تحت قشرة الوعي، وعي الذات الشاعرة بكينونتها، والمقدرة على أن تخط وتمحو، تحب وتكره، تكون أو لا تكون، وغيرها من أسئلة وهواجس الوجود، في واقع أصبح كل شيء فيه يتحلل ويتداعى، وغدا التعايش مع الموت في كنفه، كضيف مقيم، محاولة مميتة للتشبث بالأمل في الحياة؛ واقع كابوسي، تعيشه الذات في وطن مهدد بالتفتت والانقسام. ومن ثم تبدو الكتابة وطقوسها ضرباً من الجنون ومجابهة اللامعنى في أبسط تفاصيل اللعبة، ومخاطرها إنسانياً وشعرياً.
هكذا تمهد الشاعرة لديوانها قائلة:
«ثمة جنون في طقوس الكتابة لا يستوعبه سوى من احترق بنار المعنى... هــا أنــا خــارج الغرفــة 23، ومــا زلــت أكتــب خوفاً مــن أن يفيـض الحبـر في دمـي، أكتـب لأخفّـف مـن ثقـل الحيـاة عبــر مقاومــة الصمــت الأخــرس... إننا نكتب فعلاً، كي نكون فعلاً على قيد الحياة»
في هذا التقديم لا يقين لشيء، فقط حيرة الذات والخوف من اقتران الحبر بالدم، والرهان على الكتابة كفعل مقاومة ومبرر للبقاء على قيد الحياة. لكن خلف هذا الخوف تكمن رمزية مُرة من اليأس والإحباط، تتسع دلالتها في أجواء القصائد الست عشرة، وعبر 76 صفحة من القطع المتوسط، ثمة إحباط عاطفي وإنساني واجتماعي، يتناسل بشكل متخفٍّ أحياناً، وسافر ومتحدٍ أحياناً أخرى، يطارد الذات في أبسط تفاصيلها، ويتحول إلى قناع لضحية، فقدت دورها على المسرح.
تدفع الشاعرة بهذا المعنى قصائدها إلى حد المرثية للذات والواقع معاً، وفي معادلة، تتحول فيها الذاكرة إلى مجرد أرقام مجردة ومصمتة... فعلى هذا النحو من البساطة الشعرية الموحية تقول في نص بعنوان «نوتة 36»:
«أصابع فوق خطوط جسدي
لا أحد سواي في الغرفة 23
هو مجرد ظل يراقبني
من بعيد
ينسيني كعكة الميلاد
أوقد شمعة أولى
في حديقتي السريّة
تذرفني تجاعيدي
أعدها رقماً رقماً
وأنا أعزف النوتة السادسة والثلاثين
عيني تجمع حبات الكحل الذائبة
في ظرف أصفر
وتبعث بها إليّ
على صندوق بريد الهدايا»
يبدو المشهد هنا وكأنه اختزال لتداعيات الداخل والخارج، وصدى ذبذبة شاردة في فراغ لوحة العمر، فراغ النوتة والموسيقى معاً، بينما تتسم الصورة الشعرية بمسحة من الشجن الذاتي، تتسرب عبر دوال النفي والقطع (أصابع فوق، لا أحد سواي، هو مجرد) ويمنح تتالي الفعل المضارع الذات مسافة رخوة، لتراقب موضوعها من زوايا متعددة، وفي علاقة لا تخلو من الإحساس بالوحشة والفقد، حيث لا هدايا، سوى حبات الدموع ترتد إلى العين نفسها، بعدما ذابت في الكحل.
يستعيد المشهد السابق نفسه في مونولوج مشرَّب بنبرة من البوح، في نص بعنوان «دهشة رقم جديد» (ص 23) تتقاطع فيه المرايا وتتجاور، وتصدره الشاعرة بومضة من شعر بدر شاكر السياب تقول: «القبلة برعمة القتل»، فيما يقول النص:
«لم أكن سوى فتاة فندق
تعلِّقُ حزنها في هواء غرفة
كتب على سوادها 23
هكذا نادتني الأرقام يومها
بغصّة من وراء الباب
كيف حصل هذا الطرق الخفيف في ذاكرتي؟».
تدور بي السماء
غير آبهة بسقوطي الأخير
في نهر الحيرة
أحمل كرة نار في أحشائي
أقلِّم الوقتَ بأسناني
متسائلة عن كريات دمي التي تأخرت
خلسة مني
لم أوقن أبداً أن الحياة ستبني رؤاي في السِّر
تفاصيل الغروب لا أجنحة لها
أحمل عيني الشاردة
وفي كأس الانتظار
أتخيل ألف شكل لي «
تترك الشاعرة الإجابة عن سؤالها مفتوحة على أقسى لحظات الونس والعزلة معاً، الونس برفقة باقة من الشعراء (أدونيس، درويش، حجازي، الفيتوري، السياب) وغيرهم، تستأنس بهم كنقرات مضيئة على باب النص، من الوقوع في براثن الخوف، وضجر الرقم «23» عنوان حيزها المكاني الضيق، والذي تحول إلى فوبيا، تطالعها في تذكرة السينما وفي غرفة العناية بالمشفى. كما ينتصب أحياناً كلعبة مضادة، توهم بخلاص عابر مؤقت وساخر، فينسخ الرقم نفسه في أرقام أخرى، ويتراءى كثقب في ذاكرة معطوبة، تنزوي الذات الشاعرة في داخلها بهويتها المنتهكة، تتلمس طاقة ما، لمواصلة الكتابة واللعب مع الأرقام بإحساس آخر، يردها لأجواء الصبا والطفولة «يقول الطيف: هذا الحلم صغير جداً - لِمَ لا تقلبين الأعداد لتتقاعدي مرة أخرى في الثالثة والستين».
لا يتوقف هذا الخلاص المشحون بالمرارة والسخرية عند لعبة الأرقام وما تضمره من الإحساس بالتشيؤ وفقد القيمة والمعنى، وإنما يمتد إلى كل تفاصيل الحياة، ونلمح حالة من التنكر، تتحايل فيها الذات على موضوعها، وتنقسم عليه من موقع الضد، فتخاطبه بضمير المخاطب، وبنرجسية مفتعلة؛ بحثاً عن أسطورة خاصة، يمكن اللواذ بها، إلى حد التلاشي، تماماً كما فعل الفتى الجميل نرسيس، المغرم بوجهه السابح فوق صفحة الماء، كما تقول الأسطورة اليونانية، وتطالعنا أصداؤه في هذا النص التي تصدره بومضة مرحة للشاعرة البولونية «هالينا بوسفياتوفسكا»، عن ماضي القبلات وحاضرها (ص 14):
«يسخرون من تسريحة شِعْرها
يقطفونه بالغيمات الصناعية
كلما تأخَّر المطرُ
تصلي القصيدة تحت وابل من الصور
المجنونة في الضاحية
نكاية في من يمجد الحرب
أسترق نظّاراتٍ طيبة من عينيها
كي لا تفضحني الاستعارة
أهذا هو قلبُ المعنى في العين
أم مجردُ ظلٍّ يترنح من غرفة تجاور حزني
المساء ثقي
والشاعرة تراقص بحيرة خرساءَ من الانتظار
نرسيس صديقها الوحيد يرمي بخاتمه السحريِّ
إلى أصابعها الخشبية
ترفضه
تعيده إلى جيبه المثقوب بالحصى
مرة أخرى يمسح عرقه بالزيت
يردِّد ابتسامات مقلوبة ليلاً
على صفحة الماء
في خزانة غرفتها تذكّرت كيف كان يتودد إليها في السِّر،
ونبيذه يخطف العين».
يشكل القسم الثاني من الديوان، والذي عنونته الشاعرة بـ«قصائد أخرى» وجهاً آخر لمراثي الذات، تتماثل فيه صورة مدينتها «بيروت»؛ المهددة بكوارث الحرب والفساد مع مشاهد وتاريخ مدن أخرى، زارتها، وتنفست هواءها، ولفحتها قصص حانية عابرة عاشتها في شوارعها وأزقتها ومقاهيها. بهذه الروح تودع القسم الأول قائلة (ص47):
«لا وقتَ للحبّ
كواكب السماء أغلقت مجرّات أحلامها
حتى مساءات الشتاء ستفقد وقتها يوم يعبث بها
تقول في نفسها هكذا هو العالم
دخانٌ سابق لنيرانه
يشعل ألفَ قصيدة في رئة شاعرة
خنقتها الحرب»
وسط هذه الأجواء المشوبة بإحساس لاعج بالغربة تستعيد ليندا نصار مشاهد وصور مدائنها البديلة المفضلة: مرتيل المغربية، مسقط العمانية، باريس وكنيسة نوتردام وأصداء الحريق الذي ضربها في مقتل، وفيكتور هوغو، وروايته الشهيرة عنها: «القصيدة التي أجلت مفاجأتها حتى السطر الأخير - لم تدرك يومها أن الهواء سيضيع بوصلة الحياة - وأن الموت لا يغرف التأجيل: هذا ما كان يظنه فيكتور هوغو.. - هنا شمعة أمام مذبح الحب».
اللافت في قصائد هذه القسم علو نبرة التبرير في بناء الصورة الشعرية، ما يجعلها أقرب إلى روح المنطق وتراتب المقدمات والنتائج، منها على سبيل المثال(ولأني لست حرا أترك لك بقية القصيدة في درج المكتب - كي تفكري في نهاية تصلح لها) ص 69. (من أنا... كي لا أحمل في حلقي غيمة صغيرة تشبهني) ص 61. إضافة إلى تشتت الوصف - أحياناً - ما بين المظاهر الخارجية للمكان وبين التوثيق الداخلي للمشهد شعرياً المفعم بالعواطف والمشاعر الذاتية... ورغم هذه الهنّات الطفيفة حمل الديوان صوتا شعرياً خاصاً، قادراً على إثارة الدهشة والأسئلة ببساطة وسلاسة لغوية شائقة.



غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».