منتديات خاصة تضيء فضاء الإبداع في مصر

كسرت نمطية المؤسسة الرسمية واحتضنت تيارات الكتابة الجديدة

لقطة من إحدى ندوات «منتدى المستقبل للفكر والإبداع»
لقطة من إحدى ندوات «منتدى المستقبل للفكر والإبداع»
TT

منتديات خاصة تضيء فضاء الإبداع في مصر

لقطة من إحدى ندوات «منتدى المستقبل للفكر والإبداع»
لقطة من إحدى ندوات «منتدى المستقبل للفكر والإبداع»

تطل الثقافة المصرية بوجهها الإيجابي خارج صندوق المؤسسة الثقافية الرسمية، التي بات المثقفون لا يعولون عليها كثيرا في شد أزرهم وهمومهم الإبداعية، رغم أنها مؤسسة خدمية بالأساس. الأمر نفسه ينطبق على اتحاد كتاب مصر، والذي يفتقر إلى خطة عملية، تحتضن تيارات الإبداع المصري، في سلسلة منتظمة من الندوات، وفي سياق حوار نقدي ومعرفي جاد، يضيء الخطاب الإبداعي، ويكشف ملامح خصوصيته، وما ينطوي عليه من أوجه إضافة ونقص على شتى المستويات.
تتجلى حيوية هذا الوجه الثقافي عبر عشرات الإصدارات، من الشعر والرواية والقصة وقضايا النقد والفكر والأعمال المترجمة، لا تكف عن ضخها دور النشر في سوق الثقافة المصرية، لكن معظم هذه الإصدارات يظل يتيما، مفتقدا أي ضوء نقدي، خاصة إذا كان يمثل الشرارة الأولى لكتاب وشعراء شباب، بينما يحتفي النقد غالبا بأعمال لكتاب مكرسين، طالما أكل على موائدهم وشرب إلى حد التخمة والغثيان.
اللافت أن الكثير من الإصدارات الشابة، تمتلك جرأة المغامرة والتجريب، وتنبئ بطاقات إبداعية موهوبة، من الممكن أن تثري الحياة الأدبية، وتحتاج إلى من يكشف لها عثرات الطريق، ويساعدها في صقل مغامراتها، حتى لا تصبح مجرد صراخ في البرية، وهو ما التفت إليه عدد من المنتديات الأدبية الخاصة في القاهرة والإسكندرية، وبعض الأقاليم الأخرى، أخذت على عاتقها مهمة الاحتفاء بالتجارب الجديدة في الكتابة، وتقديمها بالشكل اللائق للجمهور في ندوات خاصة، أو حفلات توقيع، ترافقها دراسات نقدية عن العمل نفسه.
في مقدمة هذه المنتديات الخاصة يبرز «منتدى المستقبل للفكر والإبداع»، الذي دشنه مجموعة من الشعراء والكتاب، على رأسهم الناقد الأدبي الدكتور يسري عبد الله، والشاعر محمود قرني، والروائي عبد الستار حتيتة. ويعقد المنتدى ندوة ثقافية أسبوعية، بـ«مكتبة خالد محيي الدين» بميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، محاولا تنشيط الحياة الثقافية، وإيجاد صيغة أدبية بديلة عن نشاط المؤسسة الثقافية الرسمية، وطابعه الكرنفالي التقليدي النخبوي، وذلك بالتركيز على الأصوات الجديدة الفاعلة في الإبداع المصري، وإعلاء قيمة التنوع الثقافي عبر الحوار النقدي البناء لإبراز هذه الأصوات وتسليط الضوء عليها.
يستهدف المنتدى تبني وتوسيع دائرة التلقي الإبداعي والنقدي مصريا وعربيا عبر قراءات نقدية لأهم الأعمال الإبداعية مصريا وعربيا في كل الأنواع الأدبية، وكذلك مناقشة أهم الأعمال الفكرية التي تغطي مساحات طليقة وحرة ومتجددة من المعرفة الإنسانية. ويرى القائمون على المنتدى أن «الواقع المصري بات يفتقر إلى آليات شفافة للعمل الثقافي، بعد أن تعاظم فساد المؤسسة الثقافية الرسمية وبات وجودها تعبيرا فجا عن استعادة قيم أزاحتها وثارت عليها ثورتان كبيرتان». ويؤكدون أن المنتدى «يعتد بالتنوع والاختلاف المثمر، بين شتى أطياف الكتاب والمبدعين، ويسعى لأن يكون طاولة مفتوحة يلتقي عليها الجميع، بكل الحب والاحترام، كما يسعى إلى إزاحة الغبار عن كتاب حقيقيين في أقاليم البلاد، يعانون من التهميش والإقصاء، ولا يجدون فرصة حقيقية، تقدر إبداعهم، وتضعه في السياق الصحيح».
وأقام المنتدى في الآونة الأخيرة عددا من الندوات الأدبية اللافتة، من بينها ندوة رواية «جد كاب» للكاتب يحيي مختار، ورواية «بولاق أبو العلا» للكاتب فتحي سليمان، ورواية «الحريم» للكاتب حمدي الجزار. كما أقام أمسيتين شعريتين شارك فيهما شعراء من مختلف التيارات الشعرية، وناقش المنتدى في بادرة جديدة مخطوط ديوان جديد للشاعر محمود قرني.
أيضا في هذا السياق الذي يأخذ على عاتقه إبراز الوجه المضيء للثقافة في مصر، وتقاطعاتها عربيا، يبزر صالون ابن رشد الثقافي، وهو عبارة عن ملتقى ثقافي نصف شهري تعقده دار ابن رشد للطباعة والنشر والتوزيع بمقرها بالقاهرة، وتنهض فكرة الصالون على الحوار الحي المباشر بين الكاتب والجمهور. واستضاف الصالون مؤخرا الكاتب والمؤرخ الفلسطيني فؤاد أبو حجلة، في ندوة تحدث فيها عن تجربته مع الإبداع والإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، كاشفا عن تفاصيل تنقله بين عدد من العواصم العالمية حاملاً بين يديه قضية وطنه في محاولة لطرحها والتعريف بها عبر القنوات الإعلامية المختلفة. واستمع الحضور إلى عدد من المقالات الصحافية ذات الصيغة الأدبية، من أرشيف الكاتب، والتي وصفها كاتب هذه السطور بأن كلا منها في ذاته هو نواة لمشروع روائي مكتمل الأركان، كما استضاف الكاتب المصري أحمد هريدي، صاحب الإنجاز المتميز في أدب الرحلات.
ودشنت دار ابن راشد جائزة سنوية للشعر، يتم الإعلان عن الفائزين بها في الرابع والعشرين من يناير (كانون الثاني)، بالتزامن مع ذكرى الثورة واستشهاد الناشطة السياسية الشابة الشاعرة شيماء الصباغ، عضو حزب التحالف الشعبي الاشتراكي. وقال أحمد إبراهيم مدير دار ابن رشد للنشر: «إن تسمية الجائزة باسم شيماء الصباغ تأتى لتخليد ذكراها، خصوصا أنها عانت بشكل كبير في نشر الديوان الشعري الأول لها». كما قامت الدار بطبع ديوانها الشعري «على ظهر تذكرة»، وأقامت له ندوة موسعة بأتيلييه القاهرة للفنون والآداب، بالإضافة إلى حفلات التوقيع التي تقيمها لكتاب وشعراء، تقوم بإصدار مؤلفاتهم، ومنها حفل توقيع للشاعر حمدي عابدين بمناسبة صدور ديوانه «رجل الهاى لوكس» عن الدار نفسها، وأيضا الشاعر عبد الحفيظ طايل، بمناسبة صدور كتابه «فقه الانتهاك».
ويتوالى المشهد نفسه في الإسكندرية العاصمة الثانية لمصر، فرغم وجود الكثير من المنابر الثقافية بها، ومنها مكتبة الإسكندرية، وقصر الإبداع، وعدد آخر من قصور الثقافة، فإن النشاط في هذه المنابر يخضع للسياق الرسمي، ويفتقر إلى الحيوية والاستقلالية، كما أن أغلب نشاطه روتيني مناسباتي يقام من قبيل سد الخانة وملء الفراغ، كما يقول أحد أدباء الإسكندرية.
ومن بين المنتديات الثقافية الخاصة بالإسكندرية مؤسسة «التراسينا» للثقافة والفنون، والتي أقامت في الفترة الأخيرة، مجموعة من الأنشطة الأدبية المهمة، من بينها، ندوة لمناقشة الفضاء الأدبي والمعرفي في رواية الكاتبة التركية إليف شفاق «قواعد العشق الأربعون» والتي ترجمت للعربية أخيرا. كما أقام ملتقى «الكابينة» الثقافي بعروس المتوسط، حفل توقيع لرواية «الحالة صفر» للشاعر المصري عماد فؤاد، وشهد الحفل إضاءات نقدية للرواية، قدمها عدد من النقاد والكتاب.
ويرى الناقد الأدبي الدكتور يسري عبد الله، أحد مؤسسي منتدى المستقبل للفكر والإبداع، أن وجود هذه المنتديات ضروري، للنهوض بالإبداع المصري، وإبراز دوره الخلاق في المجتمع، مشيرا إلى أن تنامي هذه المنتديات وطبيعتها الحرة المستقلة من شأنه أن يكشف خواء الثقافة الرسمية والتي بحاجة لمراجعة حقيقية لراهنها المتعثر، وماضيها القريب المثقل بالخيبات.
ويلفت الدكتور يسري إلى أن هذه المراجعة لن تتم برأيه إلا «عبر مسارين مركزيين، أولهما يستلزم وجود تصور محدد المعالم صوب الثقافة المصرية، وماهيتها، ودورها، والمأمول منها، وآليات استعادة ما تمثله من قوة ناعمة مضافة إلى متن الدولة المصرية، وهذا جميعه يحتاج إلى وسط بيئي مسكون بالحرية، والمنطق الديمقراطي لهيئات الوزارة المختلفة، وتفعيل لامركزية الإدارة الثقافية، والإيمان المطلق بحق الاختلاف، بوصفه حقا إنسانيا، وثقافيا لازما وواجبا في آن، وإيجاد طرائق واضحة وخطوات إجرائية ذات طابع عملي للخروج من مأزق انفصال الثقافة الرسمية عن جماهير شعبنا في القرى والنجوع المصرية، والتي تركت فريسة للجهل وللأفكار المتطرفة»، مؤكدا أن هذا الدور تقوم به ضمنيا هذه المنتديات الثقافية الخاصة.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».