موسكو أمام خيارَي الحرب المحدودة أو التنازلات المتبادلة

سيناريو «الغزو الشامل» مستبعد... والأزمة مرشحة لتكون طويلة الأمد

صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)
صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

موسكو أمام خيارَي الحرب المحدودة أو التنازلات المتبادلة

صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)
صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)

أيام كانت مثقلة بتوقعات ساخنة. قد تكون هذه الحصيلة الأساسية لأسبوع حَبَس العالم فيه أنفاسه، وهو يترقب اندلاع المعركة الحاسمة في أوكرانيا. إذ سيطرت حال التأجيج التي وجّهتها وسائل إعلام ومراكز قرار غربية على الموقف. وبات العالم يحسب الساعات والدقائق في انتظار «ساعة الصفر» بعدما حدد موعد الحرب، ورسم خرائطها. بل حدد ملامح نتائجها الأولى على الأقل.
اجتياح في 15 أو 16 فبراير (شباط) كان سيسفر عن سقوط العاصمة الأوكرانية كييف بأيدي الروس في غضون 48 ساعة، مع وقوع عشرات الألوف من الضحايا من الجانبين.
مشهد قاتم عزّزته الحشود العسكرية الروسية والغربية على طرفي الحدود. ولكن مرّ يوم 15 فبراير من دون أن يحدث شيء. ثم مرّ يوم 16 الذي حدّدته توقّعات موازية للحدث الكبير، ولم يحدث شيء أيضاً. وبدلاً من مشاهدة تقدم الحشود العسكرية واختراق الحدود، وتفجر نهر الدماء المتدفقة للضحايا، راقب العالم بحذر وريبة مشهد الدبابات الروسية وهي تغادر بهدوء «أرض المعركة» عائدة إلى أماكن تمركزها الدائمة بعد انتهاء التدريبات العسكرية التي أعلنت عنها موسكو في وقت سابق.
سخرت موسكو كثيراً من «خبراء» التحليل السياسي في الغرب والشرق، لدرجة أن الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا دعت وسائل الإعلام إلى وضع «أجندة جديدة» للغزو الروسي المحتمل «كي نتمكن من تحديد مواعيد إجازاتنا السنوية المقبلة». كذلك سخر الكرملين من ذلك على طريقته الخاصة، فقال الناطق باسمه ديمتري بيسكوف: «نمنا ليلة 16 فبراير بهدوء، وصحونا في اليوم التالي لممارسة أعمالنا الكثيرة، لم نغيّر جدول أعمالنا، وإذا كانت لديهم تواريخ أخرى تدفعنا للقلق فليبلغونا بها».
تخفي عبارات السخرية هذه نوعاً من الشماتة بقدرة الغرب، ووسائل الإعلام المتأثرة بدعاياته، على وضع تصوّرات مقنعة لمنطق تسلسل الأحداث المنتظر.
هنا يبرز السؤال الأول؛ هل أعدت موسكو فعلاً لغزو شامل للأراضي الأوكرانية؟
أظهر حجم الحشود العسكرية والمعدات والآليات التي دفعت بها موسكو إلى الحدود الغربية لروسيا، أن الكرملين تأهب فعلاً لمواجهة تطوّر حاسم، أو على الأقل، أراد توجيه رسالة حازمة بأن كل الخيارات مفتوحة أمامه. غير أن السيناريوهات التي وضعتها الإدارة الأميركية، ولقيت رواجاً واسعاً في عدد من العواصم الغربية، بدت أقرب إلى أن تكون خيالية وبعيدة عن التنفيذ على أرض الواقع.
لقد تناقل العالم «خرائط المعركة» المنتظرة، التي برز فيها توغل محتمل للقوات الروسية من أراضي بيلاروسيا شمالاً، وهي أقرب نقطة إلى العاصمة الأوكرانية كييف، يتزامن مع اختراق سريع لجبهة الشرق عبر أراضي إقليمي لوغانسك ودونيتسك الانفصاليين عن أوكرانيا، فضلاً عن توجيه ضربات مكثّفة ومركّزة من البحر إلى مواقع البُنى التحتية العسكرية الأوكرانية.

مغامرة عسكرية خطرة
هذا السيناريو يشكل «مغامرة عسكرية» عواقبها وخيمة، كما قال الجنرال السابق ليونيد إيفاشوف، الذي حذّر في رسالة مفتوحة وجّهها مع «جمعية ضباط عموم روسيا» التي تضم جنرالات سابقين مرموقين من السير على هذه الطريق. ولكن بصرف النظر عن تحذير الخبير العسكري البارز، ولعله أمر له أهمية خاصة لأنه يظهر المزاج العام لدى طبقة «الحرس القديم» من العسكريين الروس، فإن احتمالات تطبيق هذه الخطة تبدو ضعيفة للغاية، لأنه سيعني فتح الجبهة التي تدخل فيها روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا على مساحة واسعة للصراع، ما سيجبر بلدان أوروبية على التدخل المباشر. وهذا، فضلاً عن أن هذا يعني، بالمعنى العسكري، أن تواجه موسكو «حرب عصابات» على مساحات شاسعة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه لا يجوز مقارنة قدرات أوكرانيا بقدرات جورجيا – المتواضعة نسبياً – عندما تعرضت الأخيرة لغزو روسي سريع عام 2008.
باختصار، في حساب التكلفة بالنسبة لروسيا لن تكون الحرب في أوكرانيا سهلة وخاطفة. وإضافة إلى تكبد خسائر كبيرة نظراً لتطور الجيش الأوكراني خلال السنوات الأخيرة، وتزويده بترسانة نوعية من الأسلحة – وبخاصة، خلال الأشهر القليلة الماضية – فإن الخيار العسكري سيهدم آخر الجسور بين الشعبين الروسي والأوكراني. ثم إنه سيجبر روسيا على خوض «حرب استنزاف»، وخاصة، في مناطق غرب أوكرانيا المعروفة تاريخياً بنفورها من سيطرة الإمبراطورية الروسية، ولاحقاً الاتحاد السوفياتي. بل فوق كل هذا، ستدخل روسيا في مواجهة مع عقوبات سياسية واقتصادية غربية، يلوّح الغرب بأنها ستكون «كرة ثلج متدحرجة» ستدفع موسكو ثمناً باهظاً لها، كما ستدفع الحرب إلى تعزيز «ناتو» (حلف شمال الأطلسي) قواعده وقواته في شرق أوروبا.
ومن جانب آخر، على الصعيد الداخلي الروسي، ليس مضموناً للكرملين منع أي ردود شعبية رافضة للحرب، قد تأخذ خطاً متصاعداً إذا طال زمن العمليات الحربية وبدأت العقوبات الغربية تلقي بثقلها على الاقتصاد الروسي.

ماذا تريد واشنطن؟
لكن، لماذا روّجت واشنطن لهذا السيناريو رغم النفي الروسي المتكرّر له؟
يقول خبراء في موسكو إن الإدارة الأميركية «سعت إلى حشر الرئيس فلاديمير بوتين في زاوية». بمعنى أنه إذا أقدم بوتين على أي توغل فسيواجه ردّ فعل حازماً وقوياً، وسيكون - بالتالي - مضطراً لخوض مغامرة يصعب التكهن بنتائجها. أما في حال تراجع الرئيس الروسي، فسيظهر وكأنه قدّم تنازلات تحت الضغط الأميركي المتواصل، ما يؤسس لتحسين شروط واشنطن التفاوضية حول القضايا المختلفة الموضوعة على طاولة الأزمة.
فلاديمير بوتين لم يختر حتى الآن هذا الطريق، ويبدو أنه لن يغامر أصلاً باقتحامه. والسيناريو الثاني الذي تضعه بعض الأوساط الروسية بين الخيارات الأفضل للكرملين هو تنفيذ عملية عسكرية صغيرة ومحدودة في جنوب شرقي أوكرانيا، لكن هذا مرتبط بوصول كل المفاوضات الجارية مع الغرب إلى طريق مسدودة.
بدا من الزيارات النشطة التي قام بها مسؤولون غربيون إلى موسكو خلال الأسبوع الأخير، أن مسار الحوار لم يُغلَق بعد، على الرغم من فشل الأطراف في تقريب وجهات النظر في أي من الملفات المطروحة. إذ لم ينجح المستشار الألماني أولاف شولتس، ومن قبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الحصول على تعهد واضح من بوتين بأنه لن يقوم بعمل عسكري في أوكرانيا. وهذا وضع مفهوم للغاية، إذ إنه بمجرد تقديم بوتين هذا التعهد المُلزِم ستكون الأزمة الساخنة وصلت إلى نهايتها، وهذا أمر لا يرضي الكرملين طالما لم يحصل مقابله على الضمانات التي يريدها حول الأمن الاستراتيجي في أوروبا، ومسألة تمدد «ناتو» شرقاً.
لذا عمد بوتين إلى مواصلة البناء على سياسة الغموض المقلق. وكما كان متوقعاً، لم يعلن الطرفان الروسي والألماني عن تحقيق نتائج ملموسة في ختام جولة المباحثات التي أجراها بوتين وشولتس. لكن الطرفين تعمدا توجيه رسائل إيجابية لجهة الاستعداد لمواصلة الحوار حول الملفات الخلافية، مع أن بوتين تعمد إبقاء الأبواب مفتوحة أمام كل الاحتمالات، في حال وصلت المفاوضات مع الغرب إلى طريق مسدودة. وكان لافتاً أن الرئيس الروسي قال رداً على سؤال الصحافيين الغربيين حول آفاق التحركات الروسية إن بلاده «ستتصرف وفقاً للخطة الموضوعة». وأردف: «بالنسبة إلى الطريقة التي ستتصرف بها روسيا، فهي ستعمل وفقاً للخطة، ممّ تتألف الخطة؟... من الوضع الحقيقي على الأرض. مَن يستطيع أن يجيب كيف سيتطور الوضع على الأرض؟ لا أحد حتى الآن. الأمر لا يعتمد علينا نحن فقط».

النقطة الحاسمة
هكذا وضع الرئيس الروسي الإصبع مباشرة على النقطة الحاسمة؛ طالما لم نحصل على طلباتنا فكل السيناريوهات على الطاولة، ولسنا اللاعب الوحيد المطلوب منه تقديم تنازلات. وزاد بوتين: «نحن مستعدون لعمل مشترك، وأيضاً لمتابعة مسار المفاوضات. ولكن يجب النظر في جميع القضايا، كرُزمة متكاملة من دون فصلها عن المقترحات الروسية الرئيسة، التي يعد تنفيذها أمراً ضرورياً. إنه أولوية مطلقة بالنسبة إلينا». ثم أوضح قائلاً إن بين هذه المواضيع الإحجام عن توسّع «ناتو»، وإزاحة البنية التحتية العسكرية للكتلة الأطلسية إلى مواقعها عام 1997، والامتناع عن نشر أنظمة الضربات القتالية قرب الحدود الروسية.
عموماً، يطرح فشل الجهود الدبلوماسية الكثيفة خلال الأسبوعين الأخيرين أسئلة متزايدة فيما إذا وصلت الأزمة الأوكرانية إلى «نقطة اللاعودة» بانتظار الغزو الوشيك. ورغم الاختلاف الواسع في الآراء والتقديرات، يبدو أن الجميع متفقون على أن نتيجة الصراع المحتدم ستنبثق عنها قواعد جديدة للعلاقة بين روسيا والغرب. وهذه القواعد سترسم إلى حدّ كبير مسار العلاقات الروسية - الأوكرانية مستقبلاً، مع تأثير ما سبق على ميزان القوى العالمي ومخاض ولادة خرائط جيوسياسية جديدة.
وفي ظل شكوك الغرب إزاء النيات الروسية، بدا أن موسكو سجلت نقطة في صالحها، بإثارة الغموض حول حقيقة موقفها، والهدف النهائي من حشودها العسكرية على الحدود مع أوكرانيا، والسيناريوهات التي قد تُقدم على تنفيذها. أيضاً بدت موسكو حريصة على تجنب وضع أي سقوف زمنية مقيدة لها، أو التلويح مباشرة باستخدام القوة، بل على العكس من ذلك اتهمت موسكو الولايات المتحدة ودول «ناتو» بمحاولة صبّ الزيت على نار الأزمة بين روسيا وأوكرانيا. ولطالما نفى المسؤولون الروس وجود نية لغزو أوكرانيا، كما لم يتردد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في محاولة تصوير روسيا على أنها هي مَن تتعرض للتهديد، وعبّر عن ذلك في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيرته البريطانية ليز تراس في الأسبوع الماضي بالقول: «نحن لا نرغب في تهديد أحد. انظروا إلى التصريحات. ليس فيها أي تهديد على الإطلاق، إنما هم يهددوننا».
من ناحية ثانية، إذا كان من شأن تكتيك الغموض الذي تتبعه موسكو فتح الباب واسعاً أمامها للمناورة، فإن الموقف الذي وضعت فيه نفسها، بتلويحها باستخدام القوة عبر الحشود العسكرية، يضعها في موقف المغامرة. إذ إن تراجعها خطوة إلى الوراء من دون تحقيق مكاسب وازنة سيرتد عليها خسائر جيوسياسية. والأمر ذاته ينطبق على واشنطن و«ناتو» والاتحاد الأوروبي، بما يتعدى نطاق وحيثيات الأزمة الأوكرانية والتداعيات المباشرة التي قد تنتج عنها.
وفي حال حسمت موسكو قرارها - سواء بالغزو أو بالتراجع عنه - فالورقة الأوكرانية بالنسبة لموسكو وواشنطن و«ناتو» والاتحاد الأوروبي، على حد سواء، تعدّ ورقة مهمة في إطار صراع جيوسياسي، تريد روسيا من خلاله تثبيت موقعها كدولة كبرى في عالم متعدد الأقطاب. وبالتالي، فرض منظومة أمنية جديدة في أوروبا، تكون طرفاً مقرراً، وتأخذ بعين الاعتبار مصالحها التي تطالب بها، وألا تستند أي مباحثات حول أمن القارة الأوروبية على ورقة أوروبية جماعية.
من الواضح الآن أن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يقبلوا بالشروط التي وضعتها موسكو كسلّة واحدة، لكن يبقى الباب موارباً أمام مخرج غير مهين لروسيا، بإبداء مرونة إزاء مطلب موسكو بتحاشي ضم أوكرانيا لعضوية «ناتو»، وتجنب الإعلان عن خطط من قبل الحلف للتوسع شرقاً، إنما دون التزامات قاطعة على المدى البعيد. ويمكن تمرير ذلك عبر تجميد البتّ بقبول عضوية أوكرانيا، أو دول أخرى كانت في عداد الاتحاد السوفياتي، لفترة زمنية طويلة، أو أن تتبنى أوكرانيا خيار الحياد مع ضمانات أمنية واضحة بالدفاع عنها في حال حصل اعتداء روسي.
وكأسهل طريقة لخفض التصعيد، تطالب موسكو كلاً من واشنطن والاتحاد الأوروبي بممارسة ضغوط أكبر على كييف لتنفيذ «اتفاقيات مينسك» لحل الصراع مع انفصاليّي شرق أوكرانيا. ولكن التصريحات الأوكرانية الأخيرة عن أن الاتفاقيات وقّعت تحت ضغط التهديد العسكري الروسي تعني أنه سيصعب إقناع أي حكومة أوكرانية بتنفيذ هذه الاتفاقيات وفقاً لتسلسلها وملحقاتها التوضيحية.
وهكذا، بين تحفظات كييف على بعض بنود الاتفاقية والتحذير من أن فرضها بحذافيرها سيؤدي إلى انهيار أوكرانيا كدولة، وبين تمسك موسكو بتنفيذها بلا تعديل أو تسويف، يتوقف الأمر كثيراً على إمكانية شق «طريق ثالث» يخفف من مخاوف كييف، فيبقي «الوضع الخاص» للمنطقتين الانفصاليين لوغانسك ودونيتسك... ولكن تحت سقف «وحدة تراب أوكرانيا». وطبعاً هذا الأمر يتطلب وقتاً، ولعله لن يتحقق، بينما تقرع طبول الحرب.

                                      راجمة صواريخ خلال مناورات روسية - بيلاروسية يوم الخميس (أ.ف.ب / وزارة الدفاع الروسية)

السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة
>مع انتشار القوات الروسية قرب الحدود الأوكرانية من الجنوب والشرق وشبه جزيرة القرم، ومن الشمال في بيلاروسيا، والانتشار البحري في بحر أزوف، فإن روسيا قادرة - في حال وجود إرادة سياسية – على شن الحرب. وبينما يبدو السحب الجزئي للقوات من بعض المناطق «بادرة حسن نية» تجاه الغرب، فإنه لا يغير عملياً من الواقع الميداني وقدرة موسكو على تنفيذ هجوم فعال.
ومع استبعاد السيناريو الأول المتمثل في الغزو الشامل، للأسباب التي ذكرت سابقاً، ومنها أن موسكو لن تكون قادرة على تحمل تكاليفه طويلة الأمد. هناك السيناريو الثاني. وهو يتمثل في إطلاق عمليات عسكرية واسعة انطلاقاً من المحافظات الجنوبية الروسية المحاذية لشرق أوكرانيا، وكذلك من شبه جزيرة القرم، وعمليات بحرية من بحر آزوف والسيطرة على جميع المناطق الجنوبية الشرقية، ووصل القرم مع حوض الدونباس وتحويل بحر آزوف إلى بحر روسي مغلق بالكامل. بذا تمنع روسيا عملياً مرور السفن البحرية التابعة لـ«ناتو» عبر مضيق كيرتش، كما تسيطر على أهم ميناء لتصدير المواد الخام والمواد الزراعية، وتسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. هذا الاحتمال أقل كلفة نظراً لوجود أقلية روسية وازنة في هذه المنطقة المرتبطة تاريخياً واجتماعياً بروسيا، ولن يواجه الجيش الروسي مواجهة قوية من السكان المحليين.
السيناريو الثالث ينحصر في احتمال اكتفاء روسيا بشن حرب محدودة على إقليم الدونباس. ومع أن هذا الاحتمال يبقى أكبر من احتمال الاجتياح الشامل، فإنه يحمل بدوره محاذير خطرة قد تقود إلى حرب واسعة ومدمرة، تنجم عنها خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين والقوات المسلحة الأوكرانية والروسية. ثم إنه لن يحول دون العقوبات السياسية والاقتصادية الغربية.
وأما السيناريو الرابع فيقوم على دفع المقاتلين الانفصاليين في منطقتي لوغانسك ودونيتسك لشن حرب بالوكالة ضد الجيش الأوكراني، بدعم لوجستي من روسيا، مترافقاً مع شن حرب «سيبرانية» ضد البنية التحتية الحيوية، والهيئات والمؤسسات الحكومية، والقطاعات المصرفية والتجارية والخاصة. وهنا، رغم أن هذا السيناريو سيكون أقل تكلفة لموسكو، ويمكِّنها من أن تدفع عن نفسها تهمة التدخل المباشر، باعتبار أن ما يجري «صراع داخلي» أوكراني، فإن ميزان القوى الراهن يميل لمصلحة الجيش الأوكراني بمواجهة الانفصاليين. كذلك، قد تجد روسيا نفسها متورطة مجدداً في حرب مباشرة مع أوكرانيا.
مقابل السيناريوات العسكرية المطروحة، ثمة فرصة لتجنّب الحرب عبر سيناريو خامس يتضمن تراجع روسيا عن التلويح باستخدام الخيار العسكري، وتبريد الأزمة تدريجياً والبدء بسحب قواتها المحتشدة على الحدود مع أوكرانيا. ويمكن لموسكو الإقدام على هذه الخطوة بالإعلان عن انتهاء المناورات، علماً بأن المسؤولين الروس دأبوا في تصريحاتهم على نفي وجود أي نية لدى روسيا بشن حرب على أوكرانيا. هذا السيناريو سيكون مرجّحاً في حال مالت تقديرات الكرملين إلى أن الكلفة ستكون باهظة جداً، وأيضاً من خلال توفير الغرب مخرجاً مشرفاً للرئيس بوتين... أي بتقديم تنازلات قد لا تكون مرضية تماماً لموسكو، لكنها تعد كافية لفتح حوار جدي حول المطالب الأمنية المطروحة. هنا يستطيع الكرملين اعتباره إنجازاً مهماً قد يطوي مؤقتاً هذه الصفحة من المواجهة المفتوحة بين روسيا والغرب، مع أنه لا يضع آليات مباشرة لتطويق الأزمة نهائياً، بل يحوّلها إلى أزمة طويلة الأمد تستنزف طاقات الطرفين لسنوات مقبلة.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.