السويداء... حراك «الجياع» يحاصر إجراءات النظام السوري

وسط دعم المشايخ... وتمدد الاحتجاجات إلى القرى

السويداء... حراك «الجياع» يحاصر إجراءات النظام السوري
TT

السويداء... حراك «الجياع» يحاصر إجراءات النظام السوري

السويداء... حراك «الجياع» يحاصر إجراءات النظام السوري

ثلاثة مؤشرات حملتها مظاهرات السويداء في جنوب سوريا ضد النظام السوري، تمايزه عن الحراك السياسي الذي اندلع في المحافظة التي تقطنها غالبية درزية، إثر اندلاع الأزمة السورية. المؤشر الأول أن الاحتجاجات مطلبية بحتة، خرجت ضد سياسة النظام بتقليص دعمه للمحروقات والخبز، وطالت إجراءاته مئات آلاف السكان. والثاني أن الاحتجاجات لم تقتصر على مدينة السويداء، بل اندلعت للمرة الأولى بشكل واسع في القرى والبلدات بريفها. والثالث أن العامل الروسي دخل على الخط بشكل مباشر للتهدئة حيناً، وحيناً آخر لفتح قنوات تفاوض مع النظام، وإبقاء الحراك تحت سقف منضبط لا عنفي.
هذا التمايز بين حقبتين يعطي التحركات الأخيرة دينامية جديدة، تجعلها أشبه بـ«حراك الجياع»، ما يسهّل الاستنتاج بأن الأسباب الكامنة وراء احتجاجات السويداء يصعب احتواؤها من دون حلول. وهي حلول لن تقتصر على السويداء، بعد تجربة درعا القريبة وازدياد مستوى التململ في دمشق، ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة النظام. ولا يمكن مواجهتها بحل أمني أو سياسي، أو حتى بإشراك مفاتيح محلية، مثل مشايخ العقل أو شخصيات اجتماعية نافذة، من دون حل اقتصادي يرفع عن المواطن السوري معاناة معيشية تتفاقم يومياً في ظل تدهور سعر صرف العمل، وتزايد معدلات البطالة، ورفع النظام الدعم تدريجياً.
خلال أسبوعين، خرجت الاحتجاجات في محافظة السويداء في جنوب سوريا عن السيطرة. ولم تتمكن السلطات من احتواء الاحتجاجات المتصاعدة، بينما نأت القوى المحلية والدينية الموجودة فيها بنفسها عن التدخل لتطويقها، وذلك بسبب توافر عاملين: أولهما أن النظام السوري عاجز عن تلبية المطالب الشعبية المتنامية. وثانيهما عجز القوى المحلية الفاعلة عن ضمانة النظام، أو تقديم بدائل، وخلافاً لكل التحركات السابقة التي حملت صبغات سياسية أو مطالب أمنية، كان تدخل الفعاليات المحلية مع النظام حازماً لجهة تلبيتها.
الاحتجاجات تفجَّرت إثر إعلان حكومة دمشق عن استبعاد عائلات سورية من الدعم الحكومي، وتشمل عشرات الآلاف من العائلات خلال المرحلة الأولى من تنفيذ الآلية الجديدة. وجاء ذلك خلال إجراء تعديلات جذرية بكتلة الدعم المالي المخصصة بنحو 5530 مليار ليرة سورية في موازنة 2022، التي تشكل نحو 40 في المائة من حجم الموازنة المرهقة أصلاً.
وتشهد المرحلة الأولى من آلية رفع الدعم، استبعاد نحو 600 ألف بطاقة أسرية من الدعم. واعتبرت أن «أصحاب الثروات» ومالكي العقارات وذوي الدخل المتوسط - بينهم مَن يعملون في الخارج ويرسلون حوالات إلى عائلاتهم - سيكونون أبرز المستبعدين من الدعم. كذلك شمل الاستبعاد 430 ألف عائلة تمتلك سيارات خاصة.
عملياً، ضمت قائمة المستبعدين من الدعم، أصحاب المهن الحرة، كتجار الدرجة الأولى والممتازة والثانية، والمساهمين الكبار، ومتوسطي وكبار المكلفين الضريبيين، والمحامين الممارسين للمهنة لأكثر من عشر سنوات، والأطباء والمختصين الممارسين للمهنة لأكثر من عشر سنوات، ومديري المصارف الخاصة، والمساهمين بالأنشطة الكبيرة، والمساهمين الكبار بالمصارف. ويفرض استبعاد الدعم عن المحروقات والغاز والخبز وغيره، على كل عائلة سورية، أن تتكلف أكثر من 200 ألف ليرة سورية شهرياً كمصاريف إضافية.
أمام موجة الاعتراض المتنامية، أعلنت حكومة دمشق عدة إجراءات لمعالجة الثغرات في آلية «إعادة هيكلة الدعم». وتعهدت بالاستمرار بتقديم الدعم لكل من تقدم باعتراض إلى أن يتم البت به، ويشمل ذلك كل موظف دائم أو مؤقت أو متقاعد مدني أو عسكري معين على سلم الرواتب والأجور وجرى استبعاده بسبب امتلاكه سيارة واحدة فقط. وقالت الحكومة إنها «ملتزمة بسياسة تقديم الدعم لمستحقيه الفعليين»، وأن «خطوة إعادة هيكلة الدعم تأتي من باب الحرص على استمرارية وديمومة ملف الدعم نظراً للأعباء المتزايدة لهذا الملف، وبهدف تخفيض عجز الموازنة العامة للدولة، وتوجيه جزء من الوفر المحقق من هذه العملية لدعم الفئات الأكثر احتياجاً».
انفجار الاعتراض في السويداء
سلك الاحتقان الشعبي الذي ظهر في مناطق سيطرة النظام مساراً آخر في محافظة السويداء، إذ تجمع عشرات المحتجين السوريين في مدينة السويداء، عاصمة المحافظة. وخرجت مسيرات متفرقة في القرى المحيطة بالمدينة الواقعة جنوب غربي البلاد، حيث أغلق محتجون الطرق، واحتشد العشرات في الساحة الرئيسية بالمدينة للمطالبة بإلغاء تخفيضات الدعم التي أعقبت زيادة في أسعار البنزين في الأشهر الأخيرة.
المحتجون برّروا خروجهم انطلاقاً «من وجع أهلنا»، مؤكدين أن «هناك غلاءً فاحشاً ولا قدرة لنا على العيش». وأضافوا: «لا نحصل على حقوقنا... لا غاز ولا مازوت... نريد أن نعيش في وطن يصون كرامتنا وحقوقنا». وهتف المتظاهرون: «بدنا نعيش بكرامة»، وحمل بعضهم لافتات كتب عليها «ما ظل شيء للفقير»، ولوحوا بعلم طائفة الموحدين الدروز الخماسي الألوان.
من جهتها، تدعي الحكومة أن التخفيضات في برنامج الدعم الذي كان سخياً في السابق تهدف لتخفيف العبء عن الموارد المالية للدولة المتضررة من العقوبات، وأنها لن تمس سوى الأغنياء. لكن العديد من المتظاهرين يقولون إن هذه الخطوة أدت إلى تفاقم محنة المواطنين السوريين الذين نجوا من ويلات حرب مدمرة مستمرة منذ عشر سنوات، ويعانون الآن من أجل توفير الغذاء والإمدادات الأساسية في مواجهة استشراء التضخم وتآكل الأجور. كذلك يلقي السكان باللوم، في السخط المتزايد حتى بين أولئك الذين وقفوا إلى جانب الرئيس بشار الأسد إبّان السنوات الأخيرة، على تفشي الفساد وتفاقم أوجه انعدام المساواة.
ويؤكد محمد علي، الناشط المعارض للنظام في جنوب سوريا، أن الحراك أخذ منحى آخر مختلفاً عما كان عليه في السابق، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه في العام الماضي «كانت التحركات سياسية بحتة وجرى حلها، لكن التحركات اليوم تخص لقمة العيش والمحروقات مع قدوم الشتاء، وهو ما يصعب حلّه من دون حلول اقتصادي وتقديمات وتحسينات». وإذ يشير إلى أن الجانب الروسي «يحاول الإثبات أنه يسيطر على الوضع»؛ فهو يضيف أن «المشكلة تتجدد، وتكبر كرة الثلج، ما يجعل احتواءها دون تقديمات اجتماعية، أكثر تعقيداً».
حركة شعبية
لقد اتخذ الحراك الطابع الشعبي بما يتخطى الطابع السياسي. فللمرة الأولى، تميز الحراك بالمشاركة الواسعة لرجال الدين وانضمام فئات اجتماعية لم تكن ترى في المظاهرات والاحتجاجات وسيلة فاعلة لحل مشاكلها الاقتصادية والسياسية. وهنا يتوقف الناشط الحقوقي والسياسي السوري إياد الشاعر عند واقع أن الشخصيات التي كانت تتصدر المشهد السياسي في وقت سابق، فيقول: «بدت على مسافة من الحراك الأخير وداعمة له، لكنها لم تكن أساسية فيه، بمعنى أنها كانت متأثرة بالحراك وليست مؤثرة فيه... حتى يستقر ويأخذ الزخم الشعبي». وتابع الشاعر لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز ما في الحراك الأخير أنه نتيجة السنوات العجاف الماضية والخوف القمعي المتجذّر عند الناس التي ظلمت طوال السنوات الخمسين الماضية... لقد انتفضت الكتلة الصامتة عندما لم تعد تشعر بالأمان، وفرضت المرحلة وجود تلك الشخصيات في الحراك بشكل كامل، فلم تعد تحيد نفسها عن وجع معيشي يشعر به الجميع».
ثم أضاف أن النظام في الأساس: «لم يفِ بوعوده، وما زال يعتبر نفسه ممسكاً بخيوط اللعبة، بمعنى أن الناس ملك له، والدولة مجرد مزرعة وهو يديرها»، مشدداً على أن هذه المقاربة «لم تعد مجدية، وهو ما ظهر في خروج الناس عليه».
حياد وتحييد
ظلت محافظة السويداء، تقريباً، على مسافة من النظام والمعارضة على حد سواء إبان الصراع الذي أودى بحياة عشرات الآلاف وشرد الملايين. ولفترة اعترف النظام بـ«خصوصية» المحافظة التي تسكنها غالبية من طائفة الموحدين الدروز، وتعامل مع البنية الاجتماعية والتركيبة الطائفية فيها بحذر شديد.
هذا الواقع يعيده إياد الشاعر إلى أن النظام، لحظة خروج الاحتجاجات ضده في عام 2011، «أشاع في كل قنواته الإعلامية واتصالاته المباشرة مع المجتمع الدولي الادعاء بأنه حامي الأقليات في مواجهة حركة إرهابيين ومتشددين ضد الجسم السوري ومؤامرة خارجية للنيل من هيبة الدولة والأقليات».
وعلى هذا الأساس، وفق الشاعر، اعترف النظام بخصوصية المحافظة، إذ «كان حذراً بالتعامل معها، خصوصاً في حركة الاعتقالات، وكان القمع مدروساً». وأردف شارحاً أن النظام «كان يدرك حجم الترابط الاجتماعي للموحّدين الدروز، وقد تجلّى ذلك بأوج صوره يوم تصدّيهم لهجمات (داعش) على الريف الشرقي للسويداء في عام 2018. ومن ثم، كان حذراً لمعرفته وتيقّنه بأن أي تجاوز لن يُسكت عنه في أي من الدول الأربع (سوريا ولبنان وفلسطين/ إسرائيل والأردن) التي يعيش الدروز فيها).
وبالفعل، احتفظت السويداء بتسلحها، وكانت القنوات الاجتماعية والدينية سبيلاً لحل المشكلات. لم يتعامل نظام دمشق مع السويداء، كما تعامل مع «جارتها» درعا مثلاً؛ فالمحافظة الأخيرة، «صُبغت منذ خروجها الأول، بصبغة المعارضة المسلحة، وتعامل معها النظام بالعنف»، مستبعداً الخلفية المعيشية. أما في السويداء - التي يتعذّر اتهامها بـ«الأصولية» و«الإرهاب» - فقد احتفظ فيها مع مشايخ العقل الثلاثة بخطوط تواصل. ونجح هؤلاء في تجنيب السويداء الصراع الدامي إلى حد بعيد... وعندما كان أبناء المحافظة يصطدمون بالنظام، كانت تجري مصالحة لمنع تمدد الخلاف وتراكمه».
لقد اعتمد النظام على هذا الترابط الاجتماعي لتفكيك الاحتجاجات ضده، ونجح إلى حد كبير بتحييد المحافظة عن المشاركة بزخم عنفي ضده في سنوات الحرب. غير أنه في الفترة الأخيرة، تغير الوضع، عندما لم تعد تلك المنظومة الاجتماعية من ضبط الاحتجاجات. وهنا يشدد الناشط محمد علي على أن الواقع في الاحتجاجات الأخيرة «مختلف». وفي هذا السياق، يشير إلى متانة العصبة الاجتماعية في المحافظة من خلال حادثة تسليم السكان بطاقات الدعم الممغنطة لرئيس البلدية في إحدى قرى محافظة السويداء، اعتراضاً على الاستنسابية بتوزيعها، فجاء الرد: «إما الجميع يأخذ الدعم، أو لا أحد». ويؤكد الناشط في الجنوب السوري أن هذا الواقع «يدلل إلى أن الحراك منظم وليس عشوائياً، وأن مؤسسة مشيخة العقل ما عادت قادرة على تخطي مطالب السكان في هذه اللحظة المصيرية».
نهاية حقبة
هذا يشير إلى أن حقبة التواصل مع النظام لحل النزاعات قد انتهت. وحقاً، أكد الشيخ حكمت الهَجَري، الرئيس الروحي الأول للموحدين الدروز، أن «التظاهر السلمي حق مشروع للمواطنين الذين يطالبون بحقوقهم»، خلال لقائه زواره من أبناء الطائفة. وأبدى تأييده للحراك السلمي المطالب بالحقوق المشروعة، مع المحافظة على مؤسسات الدولة. كذلك أوضح الشيخ الهجري أن «مطالبات الناس لم تعد موضوع رفع الدعم ورغيف الخبز، بل أصبحت تمس كرامة السوريين، ومن خرج ليطالب بحقوقه وبمكافحة الفساد وبمطالب معيشية هو مواطن صاحب حق وعلى المعنيين في السلطة الاستماع والاستجابة».
الواقع أن شيوخ الطائفة الدرزية إن الاحتجاجات السلمية ضد الإجراءات الحكومية المجحفة لها ما يبررها. هذا الاعتراف، يمهد لمقاربة مختلفة سيتعامل بها النظام في ملف السويداء. وبينما يشير الناشط محمد علي إلى أن «حاجز الخوف تم كسره منذ عام 2011»، وأن مشيخة العقل «لن تكون قادرة على تهدئة الوضع قبل تقديم النظام لبدائل وحلول، أسوة بتدخلها في مرات سابقة»، يقول إياد الشاعر إن «ما يجري هو حركة شعبية واعية وذكية، وتسقط تهمة الحراك الطائفي أو أنها حركة جياع فحسب، مع أن حركات الجياع هي من الثورات المهمة تاريخياً كالثورة الفرنسية مثلاً».
ويرى الشاعر أن «النظام يتعامل مع السويداء بشكل مختلف، إذ لن يستخدم القوة». لكنه يعرب عن مخاوفه من قمع المظاهرات بالآلية التي استخدمها في السابق، اعتماداً على «الشبيحة» الذين واجهوا «حراك النخب السلمي في السابق الذي شاركت فيه نقابات المحامين والأطباء والمهندسين والمعلمين والطلبة وغيرهم، إذ لم يستخدم القوة، بل لجأ إلى طبقة الشبيحة المنفلتة من كل الضوابط».
لكن ذلك لا يمنع أن يكون منظمو الحراك والمنخرطون فيه «باتوا واعين لهذا الأمر». وعليه، بنوه الشاعر بـ«الإصرار الكامل على الحراك السلمي والشعبي، مهما حدث من تطورات، بغية إيصال رسائل حقيقية وجدانية أنه حراك لكل السوريين، لوجعهم ومعاناتهم ومظلوميتهم، وليس حراكاً مناطقياً او طائفياً».

الروس على خط احتواء الوضع
* يتحدث أهالي السويداء عن تقارب روسي معهم، برز من خلال المساعدات الإنسانية، والتواصل المستمر مع الرئاسة الروحية (مشايخ العقل الثلاثة) للطائفة، من خلال عدة زيارات أجرتها قوات روسية إلى مشايخ الطائفة في السويداء.
وبعد شيوع أنباء عن تحركات أمنية للنظام وتعزيزات عسكرية في أعقاب الاحتجاجات، زار وفد عسكري روسي محافظة السويداء. واستفسر الوفد الروسي الزائر عن طريقة تعاطي السلطات مع المحتجين، وأسباب قدوم التعزيزات الأمنية الأخيرة.
المسؤولون التابعون للنظام نفوا أمام الوفد الروسي أن تكون القوات الأمنية والشرطية قد استخدمت القوة ضد المحتجين، وادعوا أن «نقل القوات الحكومية تم من أجل منع التصعيد وتجنب الاستفزازات»، وأن «السلطات على اطلاع جيد بما يجري وتبقي الوضع تحت السيطرة».
من جهته، ناقش الجانب الروسي عدة مواضيع خدمية في السويداء مثل تحسين شبكات المياه والكهرباء، وافتتاح المركز الثقافي الروسي في السويداء، والمساعدات الإنسانية التي توزعها روسيا في السويداء، وإخلاء «معسكر الطلائع» في مدينة السويداء الذي يحوي لاجئين من محافظات سورية مختلفة، وإيجاد بديل لهم.

مواجهة «ناعمة» مع الفرقة الرابعة و«حزب الله»
> فشل النظام في احتواء الاحتجاجات... مقارباته الحكومية بدت عاجزة عن إيقاف حركة الاعتراض التي ستتمدد، حكماً، إلى مناطق سيطرته الأخرى في دمشق وريفها وحمص والساحل وحلب، خصوصاً بعد انتشار مقطع فيديو يظهر أحد الصناعيين يقرّع المسؤولين الحكوميين، طالباً منهم تنفيذ الوعود بإيصال التغذية الكهربائية.
ومثل أي منطقة أخرى، دخل العامل الروسي على الخط، إذ زار وفد عسكري روسي محافظة السويداء، والتقى محافظها ورئيس فرع «أمن الدولة» فيها، بهدف الاطلاع على المستجدات الأخيرة في السويداء. ولاحقاً، أفيد عن زيارة «لرئيس الروحي للطائفة الدرزية بفلسطين، الشيخ موفق طريف، إلى موسكو إثر الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها السويداء».
وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مآلات الحراك في السويداء لـ«الشرق الأوسط» إن وجود الشيخ طريف في موسكو «مؤشر على وجود تيار بين العائلات والعشائر في السويداء، ينتهج استراتيجية المواجهة الناعمة مع الفرقة الرابعة وحزب الله بدعم روسي في جنوب سوريا»، وأن هذا الحراك باتجاه روسيا أتاح مفاوضات غير مباشرة بين النظام وفعاليات المحافظة، فقد أفيد عن «مفاوضات غير مباشرة» بين دمشق والسويداء، بعد توقف الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها المحافظة. وتتجسد المفاوضات غير المباشرة عبر إعداد مجموعة من منظمي الحراك الشعبي وناشطين والزعامات المؤيدة للحراك الشعبي في السويداء «ورقة مطالب»، سترفع إلى الحكومة في دمشق، تحدد مطالب الأهالي المحتجين. وتؤكد حالة الاحتجاجات على الأوضاع المعيشية والاقتصادية فقط.
هذا، وأعلن مدير ريّان معروف، تحرير «شبكة السويداء 24»، أن عدة اتصالات من جهات حكومية وردت إلى السويداء تطالب بالتهدئة، وضبط الاحتجاجات، والطلب بالقدر المستطاع، وأن هذه الجهات بررت موقف النظام «بالأوضاع التي تشهدها عموم سوريا» بعد استمرار الحرب منذ أكثر من عشر سنوات، والعقوبات المفروضة على سوريا، وابتعاد كثير من الثروات النفطية عن سيطرة وخزينة الدولة.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.