السويداء... حراك «الجياع» يحاصر إجراءات النظام السوري

وسط دعم المشايخ... وتمدد الاحتجاجات إلى القرى

السويداء... حراك «الجياع» يحاصر إجراءات النظام السوري
TT

السويداء... حراك «الجياع» يحاصر إجراءات النظام السوري

السويداء... حراك «الجياع» يحاصر إجراءات النظام السوري

ثلاثة مؤشرات حملتها مظاهرات السويداء في جنوب سوريا ضد النظام السوري، تمايزه عن الحراك السياسي الذي اندلع في المحافظة التي تقطنها غالبية درزية، إثر اندلاع الأزمة السورية. المؤشر الأول أن الاحتجاجات مطلبية بحتة، خرجت ضد سياسة النظام بتقليص دعمه للمحروقات والخبز، وطالت إجراءاته مئات آلاف السكان. والثاني أن الاحتجاجات لم تقتصر على مدينة السويداء، بل اندلعت للمرة الأولى بشكل واسع في القرى والبلدات بريفها. والثالث أن العامل الروسي دخل على الخط بشكل مباشر للتهدئة حيناً، وحيناً آخر لفتح قنوات تفاوض مع النظام، وإبقاء الحراك تحت سقف منضبط لا عنفي.
هذا التمايز بين حقبتين يعطي التحركات الأخيرة دينامية جديدة، تجعلها أشبه بـ«حراك الجياع»، ما يسهّل الاستنتاج بأن الأسباب الكامنة وراء احتجاجات السويداء يصعب احتواؤها من دون حلول. وهي حلول لن تقتصر على السويداء، بعد تجربة درعا القريبة وازدياد مستوى التململ في دمشق، ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة النظام. ولا يمكن مواجهتها بحل أمني أو سياسي، أو حتى بإشراك مفاتيح محلية، مثل مشايخ العقل أو شخصيات اجتماعية نافذة، من دون حل اقتصادي يرفع عن المواطن السوري معاناة معيشية تتفاقم يومياً في ظل تدهور سعر صرف العمل، وتزايد معدلات البطالة، ورفع النظام الدعم تدريجياً.
خلال أسبوعين، خرجت الاحتجاجات في محافظة السويداء في جنوب سوريا عن السيطرة. ولم تتمكن السلطات من احتواء الاحتجاجات المتصاعدة، بينما نأت القوى المحلية والدينية الموجودة فيها بنفسها عن التدخل لتطويقها، وذلك بسبب توافر عاملين: أولهما أن النظام السوري عاجز عن تلبية المطالب الشعبية المتنامية. وثانيهما عجز القوى المحلية الفاعلة عن ضمانة النظام، أو تقديم بدائل، وخلافاً لكل التحركات السابقة التي حملت صبغات سياسية أو مطالب أمنية، كان تدخل الفعاليات المحلية مع النظام حازماً لجهة تلبيتها.
الاحتجاجات تفجَّرت إثر إعلان حكومة دمشق عن استبعاد عائلات سورية من الدعم الحكومي، وتشمل عشرات الآلاف من العائلات خلال المرحلة الأولى من تنفيذ الآلية الجديدة. وجاء ذلك خلال إجراء تعديلات جذرية بكتلة الدعم المالي المخصصة بنحو 5530 مليار ليرة سورية في موازنة 2022، التي تشكل نحو 40 في المائة من حجم الموازنة المرهقة أصلاً.
وتشهد المرحلة الأولى من آلية رفع الدعم، استبعاد نحو 600 ألف بطاقة أسرية من الدعم. واعتبرت أن «أصحاب الثروات» ومالكي العقارات وذوي الدخل المتوسط - بينهم مَن يعملون في الخارج ويرسلون حوالات إلى عائلاتهم - سيكونون أبرز المستبعدين من الدعم. كذلك شمل الاستبعاد 430 ألف عائلة تمتلك سيارات خاصة.
عملياً، ضمت قائمة المستبعدين من الدعم، أصحاب المهن الحرة، كتجار الدرجة الأولى والممتازة والثانية، والمساهمين الكبار، ومتوسطي وكبار المكلفين الضريبيين، والمحامين الممارسين للمهنة لأكثر من عشر سنوات، والأطباء والمختصين الممارسين للمهنة لأكثر من عشر سنوات، ومديري المصارف الخاصة، والمساهمين بالأنشطة الكبيرة، والمساهمين الكبار بالمصارف. ويفرض استبعاد الدعم عن المحروقات والغاز والخبز وغيره، على كل عائلة سورية، أن تتكلف أكثر من 200 ألف ليرة سورية شهرياً كمصاريف إضافية.
أمام موجة الاعتراض المتنامية، أعلنت حكومة دمشق عدة إجراءات لمعالجة الثغرات في آلية «إعادة هيكلة الدعم». وتعهدت بالاستمرار بتقديم الدعم لكل من تقدم باعتراض إلى أن يتم البت به، ويشمل ذلك كل موظف دائم أو مؤقت أو متقاعد مدني أو عسكري معين على سلم الرواتب والأجور وجرى استبعاده بسبب امتلاكه سيارة واحدة فقط. وقالت الحكومة إنها «ملتزمة بسياسة تقديم الدعم لمستحقيه الفعليين»، وأن «خطوة إعادة هيكلة الدعم تأتي من باب الحرص على استمرارية وديمومة ملف الدعم نظراً للأعباء المتزايدة لهذا الملف، وبهدف تخفيض عجز الموازنة العامة للدولة، وتوجيه جزء من الوفر المحقق من هذه العملية لدعم الفئات الأكثر احتياجاً».
انفجار الاعتراض في السويداء
سلك الاحتقان الشعبي الذي ظهر في مناطق سيطرة النظام مساراً آخر في محافظة السويداء، إذ تجمع عشرات المحتجين السوريين في مدينة السويداء، عاصمة المحافظة. وخرجت مسيرات متفرقة في القرى المحيطة بالمدينة الواقعة جنوب غربي البلاد، حيث أغلق محتجون الطرق، واحتشد العشرات في الساحة الرئيسية بالمدينة للمطالبة بإلغاء تخفيضات الدعم التي أعقبت زيادة في أسعار البنزين في الأشهر الأخيرة.
المحتجون برّروا خروجهم انطلاقاً «من وجع أهلنا»، مؤكدين أن «هناك غلاءً فاحشاً ولا قدرة لنا على العيش». وأضافوا: «لا نحصل على حقوقنا... لا غاز ولا مازوت... نريد أن نعيش في وطن يصون كرامتنا وحقوقنا». وهتف المتظاهرون: «بدنا نعيش بكرامة»، وحمل بعضهم لافتات كتب عليها «ما ظل شيء للفقير»، ولوحوا بعلم طائفة الموحدين الدروز الخماسي الألوان.
من جهتها، تدعي الحكومة أن التخفيضات في برنامج الدعم الذي كان سخياً في السابق تهدف لتخفيف العبء عن الموارد المالية للدولة المتضررة من العقوبات، وأنها لن تمس سوى الأغنياء. لكن العديد من المتظاهرين يقولون إن هذه الخطوة أدت إلى تفاقم محنة المواطنين السوريين الذين نجوا من ويلات حرب مدمرة مستمرة منذ عشر سنوات، ويعانون الآن من أجل توفير الغذاء والإمدادات الأساسية في مواجهة استشراء التضخم وتآكل الأجور. كذلك يلقي السكان باللوم، في السخط المتزايد حتى بين أولئك الذين وقفوا إلى جانب الرئيس بشار الأسد إبّان السنوات الأخيرة، على تفشي الفساد وتفاقم أوجه انعدام المساواة.
ويؤكد محمد علي، الناشط المعارض للنظام في جنوب سوريا، أن الحراك أخذ منحى آخر مختلفاً عما كان عليه في السابق، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه في العام الماضي «كانت التحركات سياسية بحتة وجرى حلها، لكن التحركات اليوم تخص لقمة العيش والمحروقات مع قدوم الشتاء، وهو ما يصعب حلّه من دون حلول اقتصادي وتقديمات وتحسينات». وإذ يشير إلى أن الجانب الروسي «يحاول الإثبات أنه يسيطر على الوضع»؛ فهو يضيف أن «المشكلة تتجدد، وتكبر كرة الثلج، ما يجعل احتواءها دون تقديمات اجتماعية، أكثر تعقيداً».
حركة شعبية
لقد اتخذ الحراك الطابع الشعبي بما يتخطى الطابع السياسي. فللمرة الأولى، تميز الحراك بالمشاركة الواسعة لرجال الدين وانضمام فئات اجتماعية لم تكن ترى في المظاهرات والاحتجاجات وسيلة فاعلة لحل مشاكلها الاقتصادية والسياسية. وهنا يتوقف الناشط الحقوقي والسياسي السوري إياد الشاعر عند واقع أن الشخصيات التي كانت تتصدر المشهد السياسي في وقت سابق، فيقول: «بدت على مسافة من الحراك الأخير وداعمة له، لكنها لم تكن أساسية فيه، بمعنى أنها كانت متأثرة بالحراك وليست مؤثرة فيه... حتى يستقر ويأخذ الزخم الشعبي». وتابع الشاعر لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز ما في الحراك الأخير أنه نتيجة السنوات العجاف الماضية والخوف القمعي المتجذّر عند الناس التي ظلمت طوال السنوات الخمسين الماضية... لقد انتفضت الكتلة الصامتة عندما لم تعد تشعر بالأمان، وفرضت المرحلة وجود تلك الشخصيات في الحراك بشكل كامل، فلم تعد تحيد نفسها عن وجع معيشي يشعر به الجميع».
ثم أضاف أن النظام في الأساس: «لم يفِ بوعوده، وما زال يعتبر نفسه ممسكاً بخيوط اللعبة، بمعنى أن الناس ملك له، والدولة مجرد مزرعة وهو يديرها»، مشدداً على أن هذه المقاربة «لم تعد مجدية، وهو ما ظهر في خروج الناس عليه».
حياد وتحييد
ظلت محافظة السويداء، تقريباً، على مسافة من النظام والمعارضة على حد سواء إبان الصراع الذي أودى بحياة عشرات الآلاف وشرد الملايين. ولفترة اعترف النظام بـ«خصوصية» المحافظة التي تسكنها غالبية من طائفة الموحدين الدروز، وتعامل مع البنية الاجتماعية والتركيبة الطائفية فيها بحذر شديد.
هذا الواقع يعيده إياد الشاعر إلى أن النظام، لحظة خروج الاحتجاجات ضده في عام 2011، «أشاع في كل قنواته الإعلامية واتصالاته المباشرة مع المجتمع الدولي الادعاء بأنه حامي الأقليات في مواجهة حركة إرهابيين ومتشددين ضد الجسم السوري ومؤامرة خارجية للنيل من هيبة الدولة والأقليات».
وعلى هذا الأساس، وفق الشاعر، اعترف النظام بخصوصية المحافظة، إذ «كان حذراً بالتعامل معها، خصوصاً في حركة الاعتقالات، وكان القمع مدروساً». وأردف شارحاً أن النظام «كان يدرك حجم الترابط الاجتماعي للموحّدين الدروز، وقد تجلّى ذلك بأوج صوره يوم تصدّيهم لهجمات (داعش) على الريف الشرقي للسويداء في عام 2018. ومن ثم، كان حذراً لمعرفته وتيقّنه بأن أي تجاوز لن يُسكت عنه في أي من الدول الأربع (سوريا ولبنان وفلسطين/ إسرائيل والأردن) التي يعيش الدروز فيها).
وبالفعل، احتفظت السويداء بتسلحها، وكانت القنوات الاجتماعية والدينية سبيلاً لحل المشكلات. لم يتعامل نظام دمشق مع السويداء، كما تعامل مع «جارتها» درعا مثلاً؛ فالمحافظة الأخيرة، «صُبغت منذ خروجها الأول، بصبغة المعارضة المسلحة، وتعامل معها النظام بالعنف»، مستبعداً الخلفية المعيشية. أما في السويداء - التي يتعذّر اتهامها بـ«الأصولية» و«الإرهاب» - فقد احتفظ فيها مع مشايخ العقل الثلاثة بخطوط تواصل. ونجح هؤلاء في تجنيب السويداء الصراع الدامي إلى حد بعيد... وعندما كان أبناء المحافظة يصطدمون بالنظام، كانت تجري مصالحة لمنع تمدد الخلاف وتراكمه».
لقد اعتمد النظام على هذا الترابط الاجتماعي لتفكيك الاحتجاجات ضده، ونجح إلى حد كبير بتحييد المحافظة عن المشاركة بزخم عنفي ضده في سنوات الحرب. غير أنه في الفترة الأخيرة، تغير الوضع، عندما لم تعد تلك المنظومة الاجتماعية من ضبط الاحتجاجات. وهنا يشدد الناشط محمد علي على أن الواقع في الاحتجاجات الأخيرة «مختلف». وفي هذا السياق، يشير إلى متانة العصبة الاجتماعية في المحافظة من خلال حادثة تسليم السكان بطاقات الدعم الممغنطة لرئيس البلدية في إحدى قرى محافظة السويداء، اعتراضاً على الاستنسابية بتوزيعها، فجاء الرد: «إما الجميع يأخذ الدعم، أو لا أحد». ويؤكد الناشط في الجنوب السوري أن هذا الواقع «يدلل إلى أن الحراك منظم وليس عشوائياً، وأن مؤسسة مشيخة العقل ما عادت قادرة على تخطي مطالب السكان في هذه اللحظة المصيرية».
نهاية حقبة
هذا يشير إلى أن حقبة التواصل مع النظام لحل النزاعات قد انتهت. وحقاً، أكد الشيخ حكمت الهَجَري، الرئيس الروحي الأول للموحدين الدروز، أن «التظاهر السلمي حق مشروع للمواطنين الذين يطالبون بحقوقهم»، خلال لقائه زواره من أبناء الطائفة. وأبدى تأييده للحراك السلمي المطالب بالحقوق المشروعة، مع المحافظة على مؤسسات الدولة. كذلك أوضح الشيخ الهجري أن «مطالبات الناس لم تعد موضوع رفع الدعم ورغيف الخبز، بل أصبحت تمس كرامة السوريين، ومن خرج ليطالب بحقوقه وبمكافحة الفساد وبمطالب معيشية هو مواطن صاحب حق وعلى المعنيين في السلطة الاستماع والاستجابة».
الواقع أن شيوخ الطائفة الدرزية إن الاحتجاجات السلمية ضد الإجراءات الحكومية المجحفة لها ما يبررها. هذا الاعتراف، يمهد لمقاربة مختلفة سيتعامل بها النظام في ملف السويداء. وبينما يشير الناشط محمد علي إلى أن «حاجز الخوف تم كسره منذ عام 2011»، وأن مشيخة العقل «لن تكون قادرة على تهدئة الوضع قبل تقديم النظام لبدائل وحلول، أسوة بتدخلها في مرات سابقة»، يقول إياد الشاعر إن «ما يجري هو حركة شعبية واعية وذكية، وتسقط تهمة الحراك الطائفي أو أنها حركة جياع فحسب، مع أن حركات الجياع هي من الثورات المهمة تاريخياً كالثورة الفرنسية مثلاً».
ويرى الشاعر أن «النظام يتعامل مع السويداء بشكل مختلف، إذ لن يستخدم القوة». لكنه يعرب عن مخاوفه من قمع المظاهرات بالآلية التي استخدمها في السابق، اعتماداً على «الشبيحة» الذين واجهوا «حراك النخب السلمي في السابق الذي شاركت فيه نقابات المحامين والأطباء والمهندسين والمعلمين والطلبة وغيرهم، إذ لم يستخدم القوة، بل لجأ إلى طبقة الشبيحة المنفلتة من كل الضوابط».
لكن ذلك لا يمنع أن يكون منظمو الحراك والمنخرطون فيه «باتوا واعين لهذا الأمر». وعليه، بنوه الشاعر بـ«الإصرار الكامل على الحراك السلمي والشعبي، مهما حدث من تطورات، بغية إيصال رسائل حقيقية وجدانية أنه حراك لكل السوريين، لوجعهم ومعاناتهم ومظلوميتهم، وليس حراكاً مناطقياً او طائفياً».

الروس على خط احتواء الوضع
* يتحدث أهالي السويداء عن تقارب روسي معهم، برز من خلال المساعدات الإنسانية، والتواصل المستمر مع الرئاسة الروحية (مشايخ العقل الثلاثة) للطائفة، من خلال عدة زيارات أجرتها قوات روسية إلى مشايخ الطائفة في السويداء.
وبعد شيوع أنباء عن تحركات أمنية للنظام وتعزيزات عسكرية في أعقاب الاحتجاجات، زار وفد عسكري روسي محافظة السويداء. واستفسر الوفد الروسي الزائر عن طريقة تعاطي السلطات مع المحتجين، وأسباب قدوم التعزيزات الأمنية الأخيرة.
المسؤولون التابعون للنظام نفوا أمام الوفد الروسي أن تكون القوات الأمنية والشرطية قد استخدمت القوة ضد المحتجين، وادعوا أن «نقل القوات الحكومية تم من أجل منع التصعيد وتجنب الاستفزازات»، وأن «السلطات على اطلاع جيد بما يجري وتبقي الوضع تحت السيطرة».
من جهته، ناقش الجانب الروسي عدة مواضيع خدمية في السويداء مثل تحسين شبكات المياه والكهرباء، وافتتاح المركز الثقافي الروسي في السويداء، والمساعدات الإنسانية التي توزعها روسيا في السويداء، وإخلاء «معسكر الطلائع» في مدينة السويداء الذي يحوي لاجئين من محافظات سورية مختلفة، وإيجاد بديل لهم.

مواجهة «ناعمة» مع الفرقة الرابعة و«حزب الله»
> فشل النظام في احتواء الاحتجاجات... مقارباته الحكومية بدت عاجزة عن إيقاف حركة الاعتراض التي ستتمدد، حكماً، إلى مناطق سيطرته الأخرى في دمشق وريفها وحمص والساحل وحلب، خصوصاً بعد انتشار مقطع فيديو يظهر أحد الصناعيين يقرّع المسؤولين الحكوميين، طالباً منهم تنفيذ الوعود بإيصال التغذية الكهربائية.
ومثل أي منطقة أخرى، دخل العامل الروسي على الخط، إذ زار وفد عسكري روسي محافظة السويداء، والتقى محافظها ورئيس فرع «أمن الدولة» فيها، بهدف الاطلاع على المستجدات الأخيرة في السويداء. ولاحقاً، أفيد عن زيارة «لرئيس الروحي للطائفة الدرزية بفلسطين، الشيخ موفق طريف، إلى موسكو إثر الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها السويداء».
وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مآلات الحراك في السويداء لـ«الشرق الأوسط» إن وجود الشيخ طريف في موسكو «مؤشر على وجود تيار بين العائلات والعشائر في السويداء، ينتهج استراتيجية المواجهة الناعمة مع الفرقة الرابعة وحزب الله بدعم روسي في جنوب سوريا»، وأن هذا الحراك باتجاه روسيا أتاح مفاوضات غير مباشرة بين النظام وفعاليات المحافظة، فقد أفيد عن «مفاوضات غير مباشرة» بين دمشق والسويداء، بعد توقف الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها المحافظة. وتتجسد المفاوضات غير المباشرة عبر إعداد مجموعة من منظمي الحراك الشعبي وناشطين والزعامات المؤيدة للحراك الشعبي في السويداء «ورقة مطالب»، سترفع إلى الحكومة في دمشق، تحدد مطالب الأهالي المحتجين. وتؤكد حالة الاحتجاجات على الأوضاع المعيشية والاقتصادية فقط.
هذا، وأعلن مدير ريّان معروف، تحرير «شبكة السويداء 24»، أن عدة اتصالات من جهات حكومية وردت إلى السويداء تطالب بالتهدئة، وضبط الاحتجاجات، والطلب بالقدر المستطاع، وأن هذه الجهات بررت موقف النظام «بالأوضاع التي تشهدها عموم سوريا» بعد استمرار الحرب منذ أكثر من عشر سنوات، والعقوبات المفروضة على سوريا، وابتعاد كثير من الثروات النفطية عن سيطرة وخزينة الدولة.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.