بوادر تدهور واسع في شرق أوكرانيا والانفصاليون يجلون المدنيين

موسكو تعرض عضلاتها «النووية» في تدريبات «الردع الاستراتيجي»

بوتين ولوكاشينكو شددا على مواجهة الأخطار الخارجية بشكل مشترك (أ.ب)
بوتين ولوكاشينكو شددا على مواجهة الأخطار الخارجية بشكل مشترك (أ.ب)
TT

بوادر تدهور واسع في شرق أوكرانيا والانفصاليون يجلون المدنيين

بوتين ولوكاشينكو شددا على مواجهة الأخطار الخارجية بشكل مشترك (أ.ب)
بوتين ولوكاشينكو شددا على مواجهة الأخطار الخارجية بشكل مشترك (أ.ب)

اتجه الوضع في مناطق الشرق الأوكراني نحو تصعيد خطر أمس، بعد تزايد وتائر المواجهات بين القوات الحكومية والانفصاليين في منطقتي لوغانسك ودونيتسك. وعكست دعوة قادة الإقليمين المدنيين إلى التوجه نحو الحدود الروسية توقعات باقتراب ساعة الصفر. وفي موسكو حذر الرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو من «حرب قد تشمل كل أوروبا» وقال بعد لقائه الرئيس فلاديمير بوتين إن الطرفين يعملان على تعزيز قدراتهما العسكرية المشتركة في مواجهة الأخطار الخارجية. وبات معلوما أن الرئيسين سوف يشرفان اليوم على تدريبات «الردع الاستراتيجي» التي تشمل تمارين على إطلاق صواريخ عابرة للقارات وتختبر قدرات نووية وتقليدية.
وتباينت المعطيات الواردة من خطوط التماس خلال ساعات النهار أمس، وحذرت كييف من «استفزاز متعمد» يقوم به الانفصاليون لتأجيج الوضع وتوفير ذريعة لتدخل عسكري واسع، واتهمتهم بمواصلة استهداف قرى قريبة من خطوط التماس بمدافع الهاون. في المقابل حملت البيانات المتتالية التي أصدرها قادة الانفصاليين اتهامات لكييف بتصعيد هجماتها «طوال ليلة الجمعة» على طول خط الجبهة.
ودخلت روسيا على خط السجال بين الطرفين وأعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف أن بلاده «تتابع بقلق بالغ» الأنباء حول التدهور المتواصل والهجمات التي تتعرض لها مناطق شرق أوكرانيا من جانب الجيش الحكومي. في الوقت ذاته، حذرت الرئاسة الروسية من خطورة المستجدات الأخيرة في جنوب شرقي أوكرانيا.
وقال الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن «ما يجري في دونباس حاليا مقلق جدا ومن شأن هذه التطورات أن تشكل خطرا كبيرا».
وأشار بيسكوف إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين ناقش أمس، مع الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن الروسي تطورات الوضع حول أوكرانيا على ضوء التقارير حول التدهور الميداني، كما ناقش الاجتماع رد موسكو على اقتراحات الولايات المتحدة وحلف الناتو بشأن مبادرة الضمانات الأمنية. وأكد الناطق أن المفاوضات بين روسيا والغرب بشأن مبادرة الضمانات الأمنية التي تقدمت بها موسكو في ديسمبر (كانون الأول) الماضي يجب أن تتواصل، لافتا إلى خطط لإجراء اتصالات مع الولايات المتحدة على مستوى وزيري الخارجية.
وفي معرض تعليقه على كلام الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي الذي طلب من روسيا ضمانات أمنية أيضاً ضمن إطار المبادرة المذكورة، قال بيسكوف: «يجب الاطلاع على التفاصيل في هذه المسألة، ومن الواضح أن مناقشة الضمانات الأمنية تخص أمن الجميع، ولذلك نتحدث عن مبدأ الأمن غير القابل للتجزئة، ولذا لا يجوز تجاهل أمن أي دولة في مناقشة الأمن المشترك».

إجلاء المدنيين نحو روسيا
وفي تطور لافت مساء أمس، أعلنت سلطات دونيتسك عن بدء إجلاء مواطنيها المدنيين نحو روسيا، محذرة من أن القوات الحكومية «أنهت استعداداتها لشن هجوم واسع في منطقة دونباس».
وأشار رئيس «الجمهورية» غير المعترف بها دوليا، دينيس بوشيلين، في خطاب تلفزيوني مسجل، إلى أن قوات الحكومة الأوكرانية واصلت على مدى الأشهر الأخيرة حشد قوات وأسلحة على طول خط التماس في دونباس، منها راجمات صواريخ ومنظومات أميركية الصنع من طراز «ستينغر» و«جافلن».
وشدد بوشيلين على أن قوات كييف اتخذت مواقعها تمهيدا لمحاولة إحكام سيطرتها على دونباس بالقوة، مشيرا إلى أن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي سيصدر في القريب العاجل أمرا إلى العسكريين ببدء الهجوم والتوغل في أراضي دونيتسك ولوغانسك.
ومع إشارته إلى أن «قوات جمهورية دونيتسك على أهبة الاستعداد القتالي، وقادرة على حماية المدنيين والبنى التحتية» زاد أن «القصف الأوكراني سيشكل خطرا على حياة وصحة المواطنين، لذلك اعتباراً من اليوم (أمس) 18 فبراير (شباط) تم تنظيم عملية جماعية ومنسقة لإجلاء المواطنين إلى منطقة مقاطعة روستوف في روسيا».
وأوضح أن عملية الإجلاء ستشمل بالدرجة الأولى النساء والأطفال وكبار السن، داعيا السكان إلى «الإصغاء إلى هذا الكلام وتبني القرار الصحيح». وأكد بوشيلين أن سلطات دونيتسك توصلت إلى اتفاق مع القيادة الروسية، ستستضيف بموجبه مقاطعة روستوف اللاجئين مع إمدادهم بكل ما يلزم.
وسرعان ما وجهت قيادة لوغانسك نداء مماثلا إلى مواطني الإقليم، وأعلنت في بيان أن أحد أهداف الضربات التي توجهها القوات الحكومية الفصل بين لوغانسك ودونيتسك ومنع الإمدادات بينهما تمهيدا للتوغل.
ونقل التلفزيون الحكومي الروسي مقاطع ظهرت فيها حافلات ضخمة خضراء اللون وهي تحمل المواطنين من المنطقتين، وأجرى مقابلات مع بعض منهم، قالوا أمام الكاميرا إنهم «فروا» من القصف المتواصل على بيوتهم.

بوتين ولوكاشينكو
في غضون ذلك، أجرى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أمس، جولة محادثات مطولة مع نظيره البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو. وأكد الطرفان في الشق المفتوح منها تصميم موسكو ومينسك على تعزيز التعاون في المجالات المختلفة وخصوصاً في المجال العسكري. وشددا على مواجهة الأخطار الخارجية بشكل مشترك.
وقال بوتين تعليقا على الرد الروسي على واشنطن بشأن رسالة الضمانات الأمنية، إن الولايات المتحدة «لم تبد تصميما على التعامل بشكل مناسب مع مطالب روسيا في إطار المحادثات حول ملف الضمانات الأمنية». وزاد أن التهديدات المتصاعدة كانت محور بحث مع لوكاشينكو وأنه «تم بحث تعزيز الفضاء الدفاعي الموحد لروسيا وبيلاروسيا، واتفقنا على مواصلة اتخاذ كل الإجراءات الضرورية بشكل مشترك لضمان أمن البلدين في ظل الأنشطة العسكرية المتصاعدة لدول الناتو على الحدود الخارجية للدولة الاتحادية (الروسية البيلاروسية)». وزاد بوتين أن الطرفين أوليا «في هذا السياق تقديرا عاليا لتدريبات الحزم الاتحادي 2022 التي تستمر مرحلتها النشطة في بيلاروسيا حتى 20 فبراير، والتأكيد على أن هذه التدريبات تحمل طابعا دفاعيا بحتا ولا تهدد أحدا». وشدد على أن وزارتي الدفاع الروسية والبيلاروسية أعلنتا مسبقا فكرة وأهداف هذه المناورات المخطط لها، والتي تجري بحضور عدد كبير من الملحقين العسكريين الأجانب.
وذكر بوتين أنه أطلع لوكاشينكو على سير الاتصالات مع زعماء الدول الغربية حول ملف أوكرانيا وموضوع منح روسيا ضمانات أمنية مسجلة قانونيا وطويلة المدى من قبل الولايات المتحدة والناتو. وأفاد بوتين: «بحثنا الأوضاع المتشكلة حول تمرير المطالب الروسية للغرب، والتي ترتكز أهمها على منع التوسع اللاحق للناتو، والتخلي عن نشر منظومات ضاربة قرب حدود روسيا، وإعادة القدرات العسكرية والبنية التحتية للحلف في أوروبا إلى الحالة التي كانت عليها عام 1997 وقت توقيع الوثيقة الأساسية روسيا - الناتو».
وشدد على استعداد بلاده لمواصلة طريق المفاوضات شريطة أن يتم النظر في كل القضايا كحزمة واحدة دون فصل المقترحات الروسية الأساسية، التي يمثل تطبيقها بالنسبة إلينا ضرورة مطلقة».
وحول الملف الأوكراني، حذر بوتين من «التصعيد المتواصل ضد لوغانسك ودونيتسك» وقال إن أوكرانيا لم تلتزم باتفاقات مينسك التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ حتى الآن، مشيرا إلى أن جهود الوساطة الدولية في إطار «نورماندي» (فرنسا وألمانيا) لم تفلح أيضاً في حمل كييف على تنفيذ التزاماتها. محذرا من الوصول إلى طريق مسدود.
من جانبه حذر الرئيس البيلاروسي من أن التصعيد العسكري الحالي حول منطقة دونباس جنوب شرقي أوكرانيا يهدد باندلاع حرب ستشمل أوروبا بأكملها. وقال خلال مؤتمر صحافي مشترك مع بوتين: «بودي التأكيد على أنه لا يرغب أحد ليس في اندلاع حرب فقط بل وحتى في تصعيد أي نزاعات أيضاً. لا نحتاج إلى ذلك، ليس البيلاروس ولا الروس».
وزاد أن تطورات الوضع في دونباس لم تعد تتوقف على أوكرانيا والدول المجاورة الأخرى، مضيفا: «من الواضح تماما لكم من يقف وراء تأجيج التوتر عند حدودنا». وتابع أنه «لأول مرة منذ عقود أصبحنا للأسف على شفا نزاع من شأنه أن يجر نحو الهاوية القارة (الأوروبية) بالكامل تقريبا».
وأشار إلى أن التطورات الأخيرة حول دونباس تظهر بوضوح «غياب المسؤولية لدى بعض السياسيين الغربيين وحماقتهم»، مضيفا أن سلوك قادة بعض الدول المجاورة لروسيا وبيلاروسيا في هذه الظروف «لا يمكن تفسيره بالمنطق».
وتابع في معرض تعليقه على آخر المستجدات في دونباس: «الناس هناك أصبحوا على استعداد للفرار وربما قد باشروا بالفرار كما بات معروفا». وشدد لوكاشينكو على أن بيلاروسيا وروسيا ستتخذان «خطوات مناسبة لحماية شعبيهما ودولتيهما».

تدريبات «الردع الاستراتيجي النووي»
وكان لافتا خلال لقاء الرئيسين أن بوتين خاطب ضيفه بالقول إن «أمامنا غدا فعالية مثيرة سوف نحضرها معا» وبرغم أن الرئيس الروسي لم يكشف أمام الصحافيين طبيعة الفعالية لكن سرعان ما اتضح بعد صدور بيان عن وزارة الدفاع أن الحديث يدور عن تدريبات واسعة وشاملة لقدرات الردع الروسية في المجالات النووية والتقليدية.
وبدا أن توقيت الفعالية وحجمها ومشاركة قوات نووية فيها للمرة الأولى في إطار التدريبات التي أجرتها روسيا أخيرا، هدف إلى عرض جاهزية روسيا على صعيد الأسلحة الاستراتيجية، في رسالة استعراضية بدت موجهة بالدرجة الأولى إلى الغرب.
وأفادت وزارة الدفاع الروسية في بيان أن قوات الردع الاستراتيجي، سوف تجري اليوم «تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة الروسية فلاديمير بوتين، تدريبات مقررة ستنفذ خلالها عمليات إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة». وأشارت الوزارة إلى أن «التدريبات ستجري وفقاً لخطط موضوعة مسبقا، بغية التأكد من جاهزية وحدات الإدارة وطواقم منصات الإطلاق والسفن الحربية وحاملات الصواريخ الاستراتيجية لأداء مهامها، بالإضافة إلى التأكد من موثوقية الأسلحة التابعة للقوات الاستراتيجية النووية وغير النووية في الجيش الروسي».
وستشارك في المناورات قوات تابعة للقوات الجوية والمنطقة العسكرية الجنوبية وقوات الصواريخ الاستراتيجية والأسطول الشمالي وأسطول البحر الأسود في الجيش الروسي.
ولفت الناطق الرئاسي الروسي إلى أن تدريبات قوات الردع الاستراتيجي المقررة «لا ينبغي أن تقلق أي طرف» منوها بأنها ستكون بإشراف بوتين. وأضاف أن «التدريبات وعمليات إطلاق الصواريخ الباليستية هي عملية تدريبية، تجري بانتظام وبشكل اعتيادي، تسبقها سلسلة كاملة من الإخطارات لمختلف البلدان عبر قنوات مختلفة. كل هذا منظم بوضوح، وهذا لا يجب أن يثير أي أسئلة أو مخاوف أو أي شيء آخر».

اتصالات روسية ـ أميركية
في الأثناء، بات معلوما أن لافروف قد يلتقي نظيره الأميركي أنطوني بلينكن الأسبوع المقبل في حال لم يقع تدهور ميداني واسع في أوكرانيا وفقاً لمعطيات مصادر روسية. في الوقت ذاته، أعلن أمس، إن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، أجرى جولة محادثات هاتفية مع نظيره الأميركي، لويد أوستن، ركزت على قضايا الأمن. وأفادت وزارة الدفاع في بيان، أن شويغو وأوستن ناقشا «القضايا الحيوية للأمن التي تثير اهتماما مشتركا». من دون أن تفصح عن تفاصيل إضافية حول فحوى المكالمة. وهذا ثاني اتصال بين شويغو وأوستن خلال أقل من أسبوع، وكان الطرفان ناقشا قبل أيام «زيادة روسيا لقواتها في القرم وحول أوكرانيا» وفقاً لبيان أميركي.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...