قيادية كردية: 3 تحديات تواجه الإدارة الذاتية خلال 2022

الانتهاء من «مسودة دستور» بغياب أحزاب كردية معارضة

اجتماع (مجلس سوريا الديمقراطية) في مدينة الرقة السورية (الشرق الأوسط)
اجتماع (مجلس سوريا الديمقراطية) في مدينة الرقة السورية (الشرق الأوسط)
TT

قيادية كردية: 3 تحديات تواجه الإدارة الذاتية خلال 2022

اجتماع (مجلس سوريا الديمقراطية) في مدينة الرقة السورية (الشرق الأوسط)
اجتماع (مجلس سوريا الديمقراطية) في مدينة الرقة السورية (الشرق الأوسط)

قالت القيادية الكردية إلهام أحمد، الرئيسة التنفيذية لـ«مجلس سوريا الديمقراطية»، إن 3 تحديات تواجه الإدارة الذاتية خلال العام الحالي 2022، في وقت انتهت لجنة تابعة للإدارة الذاتية من كتابة وصياغة «العقد الاجتماعي»، وهو بمثابة دستور ناظم لعمل مؤسسات ولجان الإدارات المدنية، شرق الفرات، وقواتها العسكرية وأجهزتها الأمنية، مع غياب تحالف «المجلس الوطني الكردي» و«الحزب الديمقراطي التقدمي» الكردي أحد أبرز الأحزاب الكردية في سوريا.
وكان المجلس التنفيذي لـ«الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» قد عقد اجتماعه السنوي الثالث بمدينة الرقة السورية في 6 و7 من الشهر الحالي، بحضور ومشاركة مجلس «مسد» الجناح السياسية لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، المدعومة من تحالف دولي تقوده واشنطن. وقالت إلهام أحمد، في حديث لـ«الشرق الوسط»، إن الإدارة الذاتية وقواتها العسكرية وأجهزتها الأمينة حققت انتصاراً كبيراً بإنجازاتها، وبإعادة السيطرة على سجن الصناعة بحي غويران جنوب مدينة الحسكة، مشددة على أن «تنظيم (داعش) موجود ومحاولات تنشيطه وتجميع صفوفه مستمرة».
وتابعت؛ أنه على الرغم من خطورة الهجوم على سجن الصناعة، فإن قوات «قسد» أحبطت التمرد المسلح بدعم من التحالف، وبمشاركة فعالة من الأجهزة الأمنية والقوات الخاصة ومكافحة الإرهاب التابعة لـ«قسد». ولفتت أحمد إلى أن حملة الهجوم على سجن الحسكة واستهداف متزعم التنظيم أبو إبراهيم القرشي، خليفة البغدادي، في إدلب، من قبل التحالف «رسالة واضحة، مفادها أن عمليات مكافحة الإرهاب لا تتم عسكرياً فقط، وإنما هي جهود ومساعٍ وأنشطة ثقافية واجتماعية وخدمية للقضاء عليه، وتضحية الشهداء الذين قدمناهم لضمان استمرار استقرار المنطقة»، بحسب تعبيرها.
وأكدت أن حملة مكافحة الإرهاب وتعقب أنشطة الخلايا النائمة الموالية للتنظيم من بين أبرز التحديات التي تواجه الإدارة الذاتية خلال العام 2022، إضافة إلى التحدي الثاني المتمثل بهجمات الجيش التركي، واستهدافها مناطق شمال وشرق البلاد.
وربطت القيادية إلهام أحمد بين تزامن هجمات الجيش التركي مع تنامي تحركات التنظيم الإرهابي في الحسكة، «فأنقرة تدعم الفصائل المعارضة وهي ليست معتدلة، إنما هي نفسها (داعش) و(القاعدة)، والتحقيقات أثبتت أن خطة هجوم سجن الحسكة بدأت من رأس العين»، وهذه المدينة الواقعة شمال الحسكة تخضع لنفوذ منطقة عمليات «نبع السلام» التي تسيطر عليها تركيا وفصائل سورية موالية. كما أشارت أحمد إلى التحدي الثالث، الذي يتمحور حول استهداف السلطة المركزية في دمشق، عبر خطابها الإعلامي والرسمي، واستقرار المنطقة ومكوناتها. وقالت: «نحن في مجلس (مسد) نرفض محاولات السلطة في دمشق لبثّ الفتنة بين المكونات، ونعمل من أجل الحفاظ على مكتسبات الشعب السوري وتحقيق التحول الديمقراطي المنشود».
وشددت المسؤولة الكردية على أهمية البدء بخطوات فعلية وجدية باتجاه الحل السياسي في سوريا، وفق آليات تستند إلى المرجعيات الأممية، وفي مقدمتها القرار 2254، بما يضمن تمثيلاً عادلاً لكل السوريين، ونوهت إلهام أحمد إلى «أن الحل السياسي وتحقيق الانتقال الديمقراطي هو السبيل الوحيد لمعالجة الأزمة السورية، وتحقيق الأمن والاستقرار وقطع الطريق أمام محاولة إحياء (داعش) التنظيم الإرهابي».
إلى ذلك، انتهت لجنة كتابة وصياغة «العقد الاجتماعي» لمناطق الإدارة الذاتية، السبت الماضي، من صياغة مسودة العقد، وهو بمثابة دستور محلي ناظم لعمل مؤسسات ولجان الإدارات المدنية، شرق الفرات، الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، ليصار إلى عرضه على المجالس التشريعية في 7 مدن وبلدات منتشرة في 4 محافظات سورية، ومناقشته مع قادة المجتمع المحلي ومكونات وأهالي المنطقة، قبل إقراره، حتى يدخل حيز التنفيذ لاحقاً هذا العام.
يُذكر أن المسودة كُتبت بغياب ممثلي أحزاب تحالف «المجلس الوطني الكردي» المعارض، أحد أبرز الكيانات السياسية، و«الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي»، ويُعد من بين أكبر الأحزاب الكردية في سوريا. وقال القيادي محمد إسماعيل، عضو الهيئة الرئاسية لـ«المجلس الكردي»، إنهم في المجلس «لن يعترفوا بأي خطوة منفردة لا جدوى منها». وعن مطالب المجلس في هذا الخصوص، قال: «نريد تعديل هذا العقد الاجتماعي، وفق رؤية مشتركة تشاركية، لا تتعارض مع الدستور العام في سوريا، على أن يكون لصالح المنطقة والجميع»، مشيراً إلى أن بنداً من بنود الحوارات الداخلية بين الأحزاب الكردية نصّ على تشكيل مفوضية عليا مشتركة للانتخابات، «على أن تكون مناصفة بين أحزاب (المجلس) و(أحزاب الوحدة الوطنية الكردية) المنضوية في الإدارة الذاتية، أما أن تكون الانتخابات من طرف واحد وآيديولوجية حزب واحد، فهذا شأنهم ولا تعنينا بشيء».
وكان المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية قد ناقش الأعمال والمشروعات المنجزة خلال العام الفائت، إلى جانب مناقشة أبرز التحديات والصعوبات التي واجهت مهامها، وأقرّ خطة شاملة لتطوير الواقع الخدمي والسياسي والعسكري. وقالت بيريفان خالد، رئيسة المجلس لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيئات واللجان ناقشت جملة المعوقات والعراقيل التي حالت دون تنفيذ باقي أعمال الإدارة وخططها. ونوّهت بمواجهة الإدارة لأزمات كثيرة خلال العام 2021، «من بينها أزمات صحية وأخرى اقتصادية، وأبرزها العسكرية التي تمثلت في التهديدات التركية وأنشطة خلايا (داعش) الإرهابية».
ونقلت أن الاجتماعات ركزت على دعم القطاعات التنموية والخدمية لدى مناطق الإدارة الذاتية، مشددة على «دعم قطاعات التربية والتعليم والقطاع الزراعي الذي أخذ أولوية عام 2022، من الناحية الزراعية ودعم المزارعين وتشجيعهم على الزراعة، وقطاعات أخرى كالطاقة وكيفية ترشيدها». وأوضحت رئيسة المجلس أن خطة العمل ستعمل بشكل جاد لتحقيق تطلعات شعوب ومكونات مناطق الإدارة، لتنعم بالخدمات والأمن والاستقرار، «وسنسعى إلى تحرير باقي مناطقنا، مع ضمان عودة أهلها المهجّرين إليها بشكل آمن وسليم»، في إشارة إلى مدن وبلدات عفرين بريف حلب الشمالي ورأس العين بالحسكة، وتل أبيض بالرقة، التي باتت خاضعة لنفوذ الجيش التركي ومناطق عملياتها العسكرية شمال سوريا.
وأقرت خالد بوجود تقصير خدمي في مناطق سيطرة الإدارة، وأرجعت الأسباب إلى الحصار المفروض من قبل النظام السوري وتركيا، «لكن على الرغم من الإمكانات الذاتية، فقد استطعنا مواجهة التحديات والعراقيل إلى حدّ ما، خاصةً أننا نمول أنفسنا ذاتياً. طرحنا الحلول لمواجهتها بهدف تلافي الثغرات، سواء أكانت تنظيمية أو خدمية».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.