هل يمهّد تقبل موقف روسيا في أوكرانيا لرفع شروط تطال الاتحاد الأوروبي نفسه؟

الأوروبيون قد يعوّضون ضعفهم العسكري في وجه بوتين بحاجة الصين إلى قوتهم الاقتصادية

جنود أميركيون من اللواء 82 المجوقل لدى وصولهم إلى جنوب بولندا يوم الخميس (إ.ب.أ)
جنود أميركيون من اللواء 82 المجوقل لدى وصولهم إلى جنوب بولندا يوم الخميس (إ.ب.أ)
TT

هل يمهّد تقبل موقف روسيا في أوكرانيا لرفع شروط تطال الاتحاد الأوروبي نفسه؟

جنود أميركيون من اللواء 82 المجوقل لدى وصولهم إلى جنوب بولندا يوم الخميس (إ.ب.أ)
جنود أميركيون من اللواء 82 المجوقل لدى وصولهم إلى جنوب بولندا يوم الخميس (إ.ب.أ)

عندما التقى «رجل روسيا القوي» الرئيس فلاديمير بوتين بالزعيم الصيني شي جينبينغ، قبل يوم من افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين الأسبوع الماضي، بدا واضحا حاجته الشديدة إلى دعمه، بعدما ظهر أن خطته جراء افتعال الأزمة مع أوكرانيا، «لا تعمل» كما يشتهي.
بوتين، الذي جعل من مسائل توسّع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وطلبه إعادة الوضع في بلدان أوروبا الشرقية التي انضمت إليه، كما كان عليه قبل عام 1997، ومعارضته انضمام أوكرانيا، حججه الرئيسية وراء تصعيده العسكري بعد حشده لأكثر من 100 ألف جندي على حدودها، إلا أن الرئيس الروسي لم يتمكن من الحصول سوى على جملة واحدة من نظيره الصيني. إذ جاء في بيانهما المشترك، أن «كلا البلدين يعارضان التوسّع المستمر لحلف الناتو، ويعتقدان أنه يجب أن يتخلى عن آيديولوجية الحرب الباردة». وهذه جملة بدت ضعيفة وقاصرة عن تلبية طموح بوتين الأكثر تشدداً، في حين أن الإشارة إلى أوكرانيا لم ترد أيضا سوى مرة واحدة في البيان.

تشير معظم التحليلات إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «راهن» على «إخفاقات» سياسات الرئيس الأميركي جو بايدن في أفغانستان، ورغبة الإدارات الأميركية في تحاشي التورط في حروب جانبية، والابتعاد عن مشاكل منطقة الشرق الأوسط، لحشد طاقات الولايات المتحدة في مواجهة الصين.
كذلك راهن بوتين على «الانقسامات» بين أعضاء «ناتو»، في ظل المناقشات حول دوره ووظيفته ومستقبله، وتبرم الأميركيين من «تقاعس» أعضائه على الوفاء بالتزاماتهم المالية فيه، وكذلك على قلة رغبة الأوروبيين بالدخول في حروب جديدة تنهي Jعصر السلام» الذي عاشته القارة طوال 75 سنة، ولذا حاول استغلال هذه «الفرصة» لفرض مطالبه.
غير أن رد الفعل الصارم من الأميركيين والأوروبيين على مطالب سيد الكرملين، شكل صدمة ما كان يتوقعها. هذا الأمر أوقعه في مأزق، تشير كل الدلائل إلى أنه بات أمام خيارات صعبة للخروج منه، أحلاها مر. فالمطالبة بإغلاق الباب أمام انضمام أي عضو جديد إلى «ناتو»، من شأنه ليس فقط انتهاك الميثاق الأساسي للحلف، بل ولميثاق الأمم المتحدة وميثاق الأمن الأوروبي الذي حدّث ميثاق باريس ووقعت عليه روسيا نفسها، تشير صراحة إلى «أنه لا يمكن لأي دولة اعتبار أي جزء من القارة الأوروبية منطقة نفوذ لها». وهو بالضبط ما يسعى إليه بوتين عندما طالب «بضمانات أمنية»، عندما اتهم الغرب بتطويق روسيا.
تحليلات أخرى تشير إلى أن الرئيس الروسي، الذي يجيد مراقبة «تناقضات» خصومه، يحاول أيضاً استغلال بعض التحليلات الغربية، التي تدعو إلى إغلاق أبواب «ناتو»، بحجة أنه لم يعد يفي بالتعهد الذي قطعه عام 2008 بأن أوكرانيا وجورجيا ستنضمان في النهاية إلى الحلف، لأنهما «لن تنضما إليه في أي وقت قريب». فلماذا لا نقدم هذا التنازل لبوتين، لتفادي الهجوم العسكري الروسي، لا سيما أن زحف «ناتو» نحو حدود روسيا كان أحد المصادر الرئيسية للخلاف مع موسكو على مر السنين؟

- هاجس دول غربية التوجه إلى الحدود
ثمة مَن يرى أن الأخذ بهذه الحجج سيكون «مكافأة» لبوتين، عبر إلقاء اللوم على «ناتو». في حين أن مراجعة سلوكه منذ «صعود» روسيا تحت قيادته، تظهر أن خوفه الأساسي هو ظهور دول ناجحة ديمقراطية غربية التوجه على حدود روسيا، وخاصة، أوكرانيا التي يعتبرها جزءا من الأمة الروسية، وفق خطابه الشهير والمطول العام الماضي.
هكذا غزا بوتين جورجيا عام 2008 لإجهاض حكومتها الديمقراطية، وهاجم عام 2014 أوكرانيا وسلخ شبه جزيرة القرم منها وضمها إلى روسيا. يومذاك، لم يكن هناك دبابات ولا نشر لصواريخ أميركية أو أطلسية على أراضي أوكرانيا، رغم نشر روسيا صواريخ «إسكندر» في كالينينغراد، الجيب الروسي داخل الحدود الشرقية لـ«ناتو». بيد أن سلوك روسيا «العدواني والانتقامي»، كان السبب في شعور جيرانها بالحاجة إلى التطلع نحو الغرب، بما فيها أعضاء الحلف.
هنا يناقش العديد من الخبراء والمحللين وبعض المسؤولين الأميركيين السابقين والحاليين، بأنه من الخطأ افتراض أن بوتين سيعود عن تهديداته، من خلال التأكيد فقط على أن عضوية أوكرانيا وجورجيا، ليست مطروحة على الطاولة. ويرجحون بدلا من ذلك، أن تسليمه تلك الورقة، ستكون بمثابة تنازل وعلامة ضعف، تمهيدا لرفع شروط جديدة بحيث تشمل أي عضو في الاتحاد الأوروبي أيضاً. ثم إن مشكلة تلك البلدان مع بوتين، لم تكن عضويتها في «ناتو»، بل توقها لعلاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي، وهي ما دفعه للتدخل في جورجيا وأوكرانيا.
بوتين يدرك أن الولايات المتحدة هي التي تقف عائقا أمام عودته لاعباً رئيسياً في أوروبا. ويرغب في استغلال تركيزها الاستراتيجي على الصين، التي تشكل الخطر الأساسي على مصالحها وموقعها الدولي، لفرض شروطه على القارة... عله يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
هذا الأسبوع، كان لافتاً سلوكه المهين بروتوكولياً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في اجتماعهما ومؤتمرهما الصحافي المشترك، وقول المتحدث باسم الكرملين إن الاتفاق على خريطة طريق لخفض التوترات مع أوكرانيا لن يتم إلّا مع «الجهة الحقيقية»، في إشارة إلى الولايات المتحدة.
هذا يعني أن المقايضة تكون مع واشنطن، في ظل إدراكه ضعف الأوروبيين البنيوي عن بناء استقلالية أمنية، وحاجتهم المستمرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية للحماية الأميركية. غير أن حقيقة أن دولا أخرى ترغب في الانضمام لـ«ناتو»، دليل على الكلفة التي سيدفعها بوتين، وعلى نجاح الحلف في تأمين الحماية لأعضائه، على الرغم من المناقشات التي تدعو إلى قياس ما الذي حققه انضمام دول أوروبية صغيرة إلى الحلف، من فوائد اقتصادية وتنموية واجتماعية لها.

- ضعف أوروبا الأمني
أوروبا التي دفعت ثمنا باهظا في الحرب العالمية الثانية، مع مقتل أكثر من 36 مليون أوروبي، بات إنفاقها العسكري منذ عقود حذرا جدا. واليوم ومع تصاعد الضغط الروسي، يواجه الأوروبيون حقيقة مؤلمة، هي أن عليهم الاعتماد على القوة الأميركية في مواجهة أي أزمة كبيرة تمس القارة. ومع افتقارهم لأوراق الضغط على طاولة المفاوضات، يمكن لروسيا ببساطة أن تتجاهلهم. هذه حقيقة يدركها قادة الاتحاد الأوروبي، ليتحوّل معها الرئيس الأميركي إلى «الصوت الأكثر موثوقية» في مواجهة بوتين. ولذا قال جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الأوروبية الخارجية، «كان لدينا الاختيار، إمّا أن نستثمر بجدية في قدراتنا الجماعية لنكون فاعلين، أو نقبل أن نتحول إلى هدف لا طرف في السياسة الخارجية»، حسب وكالة «أسوشييتدبرس».
بعد الحرب العالمية الثانية، كان على ألمانيا وفرنسا بناء تماسك اقتصادي يجعل من الحرب أمرا مستحيلا. ورغم نمو الاتحاد الأوروبي وتحوله قوة اقتصادية عالمية، فإنه لم يطور قوة أمنية ودفاعية ونفوذا وازنا. وفي المقابل، جعل نصر الولايات المتحدة الحاسم في الحربين العالميتين، ومن ثَم تطويرها ترسانتها النووية وإطلاق إنفاقها العسكري لمواجهة الاتحاد السوفياتي، الاعتماد على قوتها أمراً سياسياً خارج النقاش في أوروبا. وتحوّل «ناتو» (أسّس عام 1949) برئاسة أميركية دائمة، إلى مظلة عسكرية تقودها واشنطن، وتؤمن الحماية للقارة التي انصرفت إلى تنميتها الداخلية، مبتعدة حتى عن الوفاء بتسديد مساهمتها المالية فيه.
حسب بوريل «غالباً ما يصف الناس الاتحاد الأوروبي بأنه عملاق اقتصادي، لكنه قزم سياسي ودودة عسكرية. أعلم أن هذا التعبير مبتذل، إلا أنه كالعديد من الكليشيهات، فيه العديد من عناصر الحقيقة».
هذا ما أظهرته على أي حال «حروب البلقان»، وفشل جهود الأوروبيين في زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي أو حتى في دمج أنظمة الأسلحة، فضلا عن صعوبات عملية صنع القرار داخل الاتحاد الأوروبي. ومع توسع «الاتحاد»، بات لكل دولة على حدة، الحق في استخدام حق النقض في قضايا السياسة الخارجية والدفاع. وهو ما استغله بوتين تماماً عندما استقبل الأسبوع الماضي فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري اليميني المتطرف، المهتم بتوثيق علاقاته بموسكو بأمل الحصول على إمدادات الغاز منها، بينما يبحث الأوروبيون كيفية الاستغناء عنه. وغني عن القول إن الناتج المحلي للاتحاد الأوروبي يتجاوز الولايات المتحدة، ومع ذلك ينفقون معا أقل من نصف ما تنفقه واشنطن على الدفاع. ومنذ عقود يضغط الرؤساء الأميركيون على الزعماء الأوروبيين لزيادة إنفاقهم وتقليص اعتمادهم على الجيش الأميركي. ووصف الرئيس السابق دونالد ترمب مرارا «ناتو» بأنه حلف «مضى عليه الزمن» داعياً إلى حله أو إعادة النظر بدوره. وحتى الرئيس الحالي جو بايدن - الذي حاول «طمأنة» الحلفاء - لا يبدو بعيدا عن ممارسة تلك الضغوط. لكنه عندما يرمي الكرة في ملعبهم، بهدف «توحيدهم» قبالة روسيا، يرى البعض أنه يرغب في المقابل بالحصول على موقف داعم في مواجهة الخصم الصيني، رغم عدم إشارته المباشرة لدور الحلف في «المواجهة»، التي تتصاعد حرارتها في منطقة المحيطين الهادي والهندي، أي خارج «اختصاص» عمل الحلف «الأطلسي».
من جانب آخر، في ندوة استضافها معهد «أميركان إنتربرايز» المحافظ قال جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، الذي يجادل بأن على واشنطن تقليص التزاماتها تجاه الحلف، «هناك ثلاث مناطق في العالم مهمة من الناحية الاستراتيجية للولايات المتحدة: أوروبا وشرق آسيا ومنطقة الخليج. لكن هل هناك قوة مهيمنة إقليميا في إحدى هذه المناطق؟». ويضيف: «أحد أسباب وجود قواتنا في أوروبا إبان الحرب الباردة هو أن التهديد السوفياتي كان يتركز فيها. اليوم لا توجد قوة مهيمنة إقليمية في أوروبا، أو في الأفق، كما لا توجد قوة مهيمنة إقليمية في الخليج... لكن هناك بالفعل قوة إقليمية مهيمنة في آسيا وهي الصين. هذا يعني أن على الولايات المتحدة تركيز كل قوتها العسكرية في شرق آسيا. هذا هو ما يهم حقاً. أوروبا لا تهم كثيرا على الإطلاق».

- الصين لن تخاطر بشراكتها الأوروبية
قد تكون مطالبة واشنطن الأوروبيين ودول «ناتو» بهذا «الثمن»، فرصة لتعويض تخلفهم الأمني والدفاعي، عبر ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الصين، ولجم روسيا من ورائها. وعن «قمة» بوتين مع الزعيم الصيني للحصول على دعم اقتصادي، يعينه في مواجهة احتمال تعرضه لعقوبات غربية، يرى تقرير لـ«مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» أن الرئيس الروسي لم ينجز الكثير. وبدا واضحا أن الصين لا تريد المخاطرة بالإضرار بعلاقاتها المتوترة أصلاً مع أوروبا، لا سيما بالنظر إلى المخاوف المتزايدة بشأن التباطؤ الاقتصادي السريع في الصين. فالصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا مجتمعة، تبلغ 10 أضعاف الصادرات إلى روسيا. ومع القيود المتزايدة على نقل التكنولوجيا والاستثمارات الصينية، فضلا عن الدعوات القوية لتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد من الصين، فإن آخر ما يريده الزعيم شي، هو أن يواجه الاقتصاد الصيني عقوبات محتملة إذا دعم علنا غزو أوكرانيا.
ورغم حاجة الصين إلى الطاقة، فإن روسيا تعتمد على الصين أكثر بكثير من اعتماد الأخيرة عليها، فيما موسكو قد تكون بحاجة يائسة لزبائن جدد لنفطها وغازها إذا فُرضت عليها عقوبات. وهنا يشير معلقون صينيون إلى خطر تنفير الشركاء الأوروبيين، الذين تعد أهميتهم الاقتصادية لتنمية الصين أكبر بما لا يقاس مما تقدمه روسيا. وبعيدا عن حرص شي حالياً، على تجنب تخريب الألعاب الأولمبية الشتوية، فهو لا يريد أن يُجر إلى صراع بعيد، في ظل بيانات اقتصادية مفاجئة، كشفت مؤخراً عن تصدعات خطيرة في النموذج الاقتصادي الصيني، ما أثار الشكوك بصعود هذا النموذج.
ثم إن أي هجوم روسي على أوكرانيا ورد الفعل الغربي بعقوبات، قد يصدم أسواق الطاقة والسلع الأخرى ويؤثر بشدة على المعنويات الاقتصادية العالمية. ومع تشديد الحزب الشيوعي الصيني على أن الاستقرار الاقتصادي لا يزال يمثل أولوية قصوى لهذا العام، فإن الحرب المحتملة في أوروبا يمكن أن تسرّع التباطؤ الاقتصادي السريع أصلاً في الصين، وتجعل أهداف النمو المتفائلة للغاية أقل قابلية للتحقيق. وهذا بدوره من شأنه أن يقوض أحد أهم أهداف الزعيم الصيني، الطامع بخمس سنوات جديدة في المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
بالتالي، يرى البعض فرصة للولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين لاستغلال احتكاكات العلاقة الصينية الروسية، عبر التهديد باستهداف المصالح الاقتصادية للصين في أوروبا. فالتناقض الناشئ عن اعتماد الصين الاقتصادي المتزايد على أوروبا وعلاقاتها الوثيقة مع روسيا، بعدما أصبح بوتين أكثر عدوانية في علاقاته مع الغرب، يمنح واشنطن وحلفاءها الأوروبيين نفوذاً قد يكون حاسما في توحيد الأوروبيين ضده. فاللعب على هذا الاختلاف في المصالح الروسية والصينية، وتحذير الصين علنا، من تدخلها في شؤون «ناتو» ودعم العدوان الروسي في أوروبا، قد يعطي الأوروبيين موقعا مهما، خاصةً إذا ما هددوا بإعادة تقييم تعاونهم الاقتصادي مع الصين، بما في ذلك التزاماتهم بـ«مبادرة الحزام والطريق» ما لم تتراجع بكين عن دعم بوتين.


مقالات ذات صلة

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

حصاد الأسبوع مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري،

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه»

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع مقر "الاتحاد" (رويترز)

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي

«الشرق الأوسط» ( تونس)
حصاد الأسبوع النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)

الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

في صباح اليوم التاسع من الشهر الماضي، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد أخطر الأعمال الحربية التي عرفتها منذ عقود، وقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أمام

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على

محمد خير الرواشدة (عمّان)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.