عبد اللطيف البناي: السعودية أصبحت وجهة مهمة للكثير من الاهتمامات

قال لـ «الشرق الأوسط» إن الساحة الفنية تعاني من تراجع بسبب غلبة الأهداف التجارية

عبد الله الرويشد أثناء زيارته للشاعر عبد اللطيف البناي قبل أيام
عبد الله الرويشد أثناء زيارته للشاعر عبد اللطيف البناي قبل أيام
TT

عبد اللطيف البناي: السعودية أصبحت وجهة مهمة للكثير من الاهتمامات

عبد الله الرويشد أثناء زيارته للشاعر عبد اللطيف البناي قبل أيام
عبد الله الرويشد أثناء زيارته للشاعر عبد اللطيف البناي قبل أيام

قال الشاعر الكويتي عبد اللطيف البناي، إن القفزة الكبيرة التي تعيشها السعودية في المجالات كافة، وقد أضحت وجهة مهمة للكثير من النخب، ستتضح ثمرتها مستقبلاً، وإن حصاد هذه الخطوات سيؤثر على كامل المنطقة العربية. وأشار البناي في حوار مع «الشرق الأوسط» إلى التراجع الذي تعانيه الساحة الفنية العربية، بسبب غياب دور ثلاثي صناعة الأغنية الجيدة؛ وهم الملحن والمطرب والشاعر، لصالح الأغراض المادية والشروط التجارية التي تفرضها شركات الإنتاج.
وعبّر عن شعوره بالحزن لتراجع الكويت ثقافياً، بعد أن كانت منارة فنية، وأن ذلك اختفى بسبب تواضع الاهتمام والدعم.
عبد اللطيف البناي، شاعر غنائي كويتي، ساهم مع جيله من الفنانين في تطوير الأغنية الكويتية ونقلها إلى محيطها العربي، ولا تزال الكثير من أعماله الشعرية التي غنّاها مطربون من الخليج، حيّة بين الناس. وإلى نص الحوار:

> كيف تحتفظ الأغنية بوهجها رغم تقدم السنوات، هل السر في الكلمات أم اللحن أم الفنان؟
- الأغنية كانت سابقاً أجمل، وأقوى في معانيها وصيغتها، وسردها القصصي الجميل، لكنها الآن فقدت هويتها، بسبب كثرة زحام الأصوات غير الجيدة، والضحية هو المتلقي.
كانت الأغنية سابقاً تُجاز من قِبل لجان متخصصة، ولم يكن التسجيل متيسراً كما هو الآن، وبعد أن انخفضت التكاليف وصار من السهل على كل أحد، أياً كانت مؤهلاته أن يسجل أي أغنية ويبثها للجمهور بكل بساطة، فقدت الأغنية شروط جودتها وقوتها.
الأغنية سابقاً كان لها رونق وجمال وصدق في الكلمة، بخلاف ما عليه الحال الآن، بسبب الأغراض التجارية، التي أفقدت الأغنية الإحساس الصادق والمعنى العميق، رغم وجود بعض النماذج المميزة التي احتفظت بطابع وشروط الأغنية الحقيقية.
كما ساهمت المحطات الفضائية التي تهتم بملء ساعات البث بأي محتوى ومضمون كان، ودخول الآلات غير العربية في البناء الموسيقي، في ضعف الأغنية الخليجية وتشويهها.
كانت الأغنية في السابق صناعة متكاملة بين المطرب والملحن والكاتب، والكلمات هي عمود الأغنية، لكن الآن وبسبب التسرع فقدنا هذه العملية البطيئة لصناعة الأغنية الحقيقية.
> هل يواجه «الشعر الغنائي» تحديات معينة، بما يضعف لغته وغزارته وحيويته للبقاء طويلاً بين الأجيال؟
- بطبيعة الحال، يواجه الشعر الغنائي تحديات متعددة، مثل الشروط التي يفرضها المنتج، والموضوعات التي يفضّلها، لتلبية رغبات الجمهور، والخلل الذي قد ينشأ عن أسبقية اللحن على الكلمات.
> كيف تقيّم الساحة الفنية الخليجية والعربية الآن؟
- أصبحت الأغنية تعتمد على «الفيديو كليب» وما ينطوي عليه من إبهار الصورة والإثارة في الفيديو، مع اهتمام أقل بجودة الأغنية ذاتها في لحنها وكلماتها وأدائها، وهذا لا ينفي وجود بعض النماذج المميزة للأغاني، لكنها قليلة، ويزاحمها الكم الهائل من المطربين والأصوات النشاز التي ملأت الساحة الفنية وأضعفت الأغنية العربية، حتى اللجان التي كانت تدير المشهد الفني وتحكّم ظهور المطربين الحقيقيين، ضعفت وتراجعت وتنحرها «الواسطة» في معاييرها، وفي تنجيم بعض الفنانين دون غيرهم، وفرض ذلك على المتلقي.
> لم نعد نسمع الأغنية ذات الإيقاع البطيء، بل أغنية سريعة وعمرها قصير، هل يعود الأمر إلى عجز شعري أم مجرد انعكاس للذائقة العامة؟
- ليس عجزاً في الشعر، لكن إيقاع الزمن أصبح سريعاً الآن، والناس لم تعد تتقبل أن تسمع المقطوعات الطويلة، بالإضافة إلى الطبيعة المتسارعة للتقنيات والمنصات الجديدة التي ارتبط بها الجمهور. لكن الكتّاب الجيدين موجودون بطبيعة الحال، في السعودية من أمثال الأمير خالد الفيصل، والأمير بدر بن عبد المحسن، ومجموعة كبيرة وجميلة من الشعراء، بعضهم وجوه شابة ومميزة، لكن المستمع الجديد يبحث عن الأغنية السريعة، لكن المشكلة تكمن في أن تفقد الأغنية العربية هويتها ورونقها.
> هل تؤثر شركات الإنتاج بشروطها المادية البحتة، في قيمة المنتج الغنائي وتأثيره؟
- كانت شركات الإنتاج لها دور كبير في السابق، لكن الآن تراجع دورها، سابقاً كانت تتنافس على الساحة الفنية باستقطاب أفضل الأصوات، وكانت الخيارات الجيدة لكل شركة تنعكس على أرباحها، الآن تراجع هذا، بسبب الشركات الضخمة ذات التمويل الكبير، التي استحوذت على السوق واحتكرتها بشكل كامل؛ ومع ذلك لها فضل بطبيعة الحال في الحفاظ على بعض الأصوات الجميلة، ودعمها وتمويل إنتاجاتها مثل محمد عبده، وعبد الله الرويشد، ونبيل شعيل، ونوال، ورابح صقر، وغيرهم.
ولا شك كان لشركات الإنتاج تأثير كبير في العملية الإنتاجية، بحرصها على الربح، وفرض شروط تؤثر في المنتج النهائي، مثل مدة الأغنية وعدد الأغاني والآلات المستعملة، ويفرض ذلك على الشاعر أن يرتجل في طول القصيدة أو قصرها لتحقيق الملاءمة مع شروط الإنتاج.
> لماذا تكثر برامج اكتشاف الأصوات الغنائية، بينما يتراجع ظهور التجارب الغنائية النوعية التي تؤثر في الحالة الفنية؟
- تستقطب القنوات الفضائية أسماء معينة في لجانها الفنية لاكتشاف الأصوات الغنائية، وتفرضها على المشاهد، لكن أغلب لجان اكتشاف الأصوات تحتاج إلى من يكتشفها، وأنا لا أعترف بمطرب ينجح بتصويت عبر الهاتف أو ضغطة زر، وهذا أمر لا يبشّر بخير، والمفروض أن تكون هناك لجنة موسيقية محترفة ومهنية في اختصاصات مختلفة، تراعي الشروط الحقيقية لصناعة النجم، مثل الاهتمام بمخارج الحروف ونبرة الصوت وجماله وقوته، لكن الساحة الآن مليئة بالفقاعات، في المقابل هناك جمهور ملول، وهذا مما يؤسف له.
> كانت الكويت في لحظة ما سابقة منارة فنية وثقافية، اختفى بعض إشعاع هذه المنارة وتراجعت قدرتها على إنتاج الوجوه الفنية، لماذا برأيك؟
- كانت الكويت منارة فنية، ومنصة لنجاح بعض الفنانين؛ لأننا كنا نعمل على قاعدة «الرجل المناسب في المكان المناسب»، لكن ذلك تراجع الآن، كانت لدينا فرق موسيقية واستديوهات وشركات إنتاج وإذاعة ومساحات واسعة للفن، اختفى كل ذلك الآن، واختفى معه الاهتمام والدعم المادي، فأنا على سبيل المثال، وبعد مسيرة طويلة في المجال الفني، أتقاضى دخلاً قليلاً جداً، وهذا غير منصف ولا يعكس الدعم المعنوي والأدبي الذي يستحقه كل من قضى عقوداً في دعم الحركة الفنية والأدبية في الكويت.
> ساهمت مع غيرك من كبار الشعراء في تطوير شكل الأغنية الكويتية والخليجية، وإعطائها نبرة جديدة عذبة، هل توقفت الأغنية الخليجية عن تقديم نفسها بشكل مختلف وأضحت غير قابلة للتطوير الآن؟
- تطور الأغنية، والسر وراء نجاحها أو فشلها، تتحمله ثلاثة عناصر؛ المؤلف والملحن والمطرب، المؤلف مطالَب بالكتابة بإحساس وصدق وأمانة، والملحن يجب أن يؤطر اللحن بتمهل وعناية، والمطرب ينقل الإحساس ويتعايش مع الكلمات ويتأمل فيها بعمق.
الآن، للأسف، هناك خليط من الارتجالية والازدراء لجوهر الغناء، وهي تزاحم القليل النادر من الأغنيات الجيدة، ويفسرون الإنتاجات الرديئة بأنها تلبي طلب الجمهور وذوقهم، وهذا خطأ أرجو أن ينتهي في المستقبل القريب.
كما أن الأغنية «المكبلهة» الآن، أصبحت غير مرغوبة؛ لأنها مكلفة للمنتِج، بسبب التنوع في ألحانها ووصلاتها، وساهم المنتجون في استبعادها، وبالتالي إضعاف المنتج الغنائي عموماً؛ لأن هذا ينعكس تلقائياً على كاتب الكلمات، والحد من موهبته في الكتابة العفوية المسترسلة بإحساس عميق وضمير حاضر ولغة جميلة، دون أن يفرض عليه المنتج لون أو وزن معين.
كما أن آلية إنتاج الأغنية اختلفت اليوم، فكل العناصر المكوّنة للعمل أصبحت تعمل منفردة وفي مواقع ومواقيت منفصلة، بخلاف ما كان عليه الحال سابقاً، عندما كان يجتمع المشاركون في مطبخ واحد، وقضاء أوقات طويلة معاً في متابعة التفاصيل الدقيقة والتركيز على العمل بحرص شديد.
> أخذت الأغنية الوطنية مساحة كبيرة في شعرك وإنتاجك، كانت الأوبريتات الوطنية الخليجية علامة ظاهرة في العقود الماضية، انخفضت شعبيتها اليوم، لماذا برأيك؟
- لأن الأغراض المادية طغت، على حساب بعض العناصر الضرورية لنجاح أي عمل، هناك استديوهات تهتم بالمردود المالي والمصلحة أكثر من غيرها، وبمجرد أن تقترب المناسبات الوطنية تنشط هذه الاستديوهات لإنتاج الغث والسمين، لاستغلال الموسم والخروج بأكبر قدر من العائد الممكن، ويتم تقديم إنتاجات هشة من دون روح ولا طعم.
كنا في السابق، نكتب الأغنية الوطنية بصدق وأمانة، وننحّي أي أهداف ربحية أو مادية من هذه الأعمال، وأنا ساهمت في كتابة الكثير من الأعمال الوطنية، والسعودية لها تجربة مهمة في هذا المجال، وفي مكتبتها الكثير من الأعمال الوطنية الخالدة، كتبها أمراء وشعراء عمالقة، وكذلك الحال في بقية دول الخليج، بسبب الاعتناء الصادق بتفاصيلها وهيكلها العام.
> ما تعليقك على الحراك الفني والثقافي الذي تشهده السعودية في ظل «رؤية 2030»، والأثر الذي ستجده على مستقبل الفنون بالمنطقة؟
السعودية قفزت قفزة كبيرة في مجالات الثقافة والفن، وأضحت وجهة عظيمة لاهتمامات مختلفة، بفضل رؤية القيادة الكريمة في هذا البلد المهم والمؤثر في المنطقة، الفعاليات التي تنظم في السعودية اليوم قدمتها في ثوب جديد وجميل، ويعمل رجالها المخلصون باجتهاد، وسيتضح حصاد وثمرة هذه النقلة مستقبلاً.



مارشيلو روتا: «روائع الأوركسترا السعودية» في روما تجربة فريدة

قدمت روائع الأوركسترا السعودية حفلات في الرياض على مسرح مركز الملك فهد الثقافي ({الشرق الأوسط})
قدمت روائع الأوركسترا السعودية حفلات في الرياض على مسرح مركز الملك فهد الثقافي ({الشرق الأوسط})
TT

مارشيلو روتا: «روائع الأوركسترا السعودية» في روما تجربة فريدة

قدمت روائع الأوركسترا السعودية حفلات في الرياض على مسرح مركز الملك فهد الثقافي ({الشرق الأوسط})
قدمت روائع الأوركسترا السعودية حفلات في الرياض على مسرح مركز الملك فهد الثقافي ({الشرق الأوسط})

قال المايسترو الإيطالي مارشيلو روتا إن حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد عرض موسيقي عابر، بل «لحظة إنسانية وفنية نادرة تحمل معنى اللقاء الحقيقي بين ثقافتين كبيرتين»، مؤكداً أن هذه التجربة تمثل بالنسبة له «شرفاً ومسؤولية في آنٍ واحد»؛ لما تنطوي عليه من أبعاد تتجاوز حدود الأداء إلى فضاء أوسع من الحوار والتفاعل الحضاري.

وأضاف روتا لـ«الشرق الأوسط» أن هذا المشروع يأتي ضمن مسار طويل من العمل مع أبرز الأوركسترات العالمية، إلا أنه يحمل خصوصية مختلفة، ليس فقط بسبب طبيعته المشتركة، بل لأنه يعكس تحولاً في شكل التعاون الموسيقي الدولي، قائلاً: «نحن لا نقدم حفلاً تقليدياً، بل نؤسس لتجربة تقوم على التلاقي الحقيقي بين موسيقيين من خلفيات وثقافات مختلفة، وهو ما يمنح العمل عمقه وقيمته».

أكد روتا أن الموسيقيين السعوديين أظهروا مستوى عالياً من الاحتراف والانضباط ({الشرق الأوسط})

ويعد حفل روما هو المحطة الحادية عشرة من جولات «روائع الأوركسترا السعودية» التي تأتي ضمن مبادرة وطنية تهدف إلى إبراز الموسيقى والفنون الأدائية العريقة في الثقافة السعودية على المستوى العالمي؛ إذ حملت ألحان التراث السعودي إلى أعرق المسارح الدولية، بدءاً من باريس، مروراً بمكسيكو، ثم نيويورك ولندن وطوكيو، لتقدّم حفلات في الرياض على مسرح مركز الملك فهد الثقافي، ثم تستكمل جولتها في دار أوبرا سيدني، وقصر فرساي في باريس، ومسرح «مرايا» بالعلا.

وأوضح المايسترو الإيطالي أن وجود نحو 30 موسيقياً من السعودية ومثلهم من إيطاليا يخلق توازناً دقيقاً داخل الأوركسترا، لا يقوم فقط على العدد، بل على تبادل الخبرات والرؤى الفنية، لافتاً إلى أن التحضيرات لم تكن مجرد استعدادات تقنية، بل عملية بناء تدريجية لروح جماعية ستظهر على المسرح في الحفل.

المايسترو الإيطالي مارشيلو روتا ({الشرق الأوسط})

ولفت إلى أنه بدأ بدراسة النوت الموسيقية بشكل دقيق، لكن اللحظة الحاسمة تأتي مع البروفات، حيث يبدأ الموسيقيون في الاستماع إلى بعضهم، وفهم الإيقاعات المختلفة، وبناء لغة مشتركة تتجاوز الاختلافات، مؤكداً أن هذا التفاعل هو ما يصنع الفارق الحقيقي في مثل هذه المشاريع، حين تتحول الأوركسترا من مجموعة أفراد إلى كيان فني واحد.

وأكد أن البرنامج الموسيقي صُمم بعناية ليعكس هذا التلاقي، قائلاً: «لدينا ريبيرتوار متنوع للغاية، يجمع بين الموسيقى الكلاسيكية والأعمال الشعبية، بين الطابع السعودي والإيطالي والعالمي».

وأشار إلى أن الهدف لم يكن مجرد الجمع بين أنماط مختلفة، بل خلق تجربة متكاملة يشعر بها الجمهور، فـ«نحن لا نقدم مقطوعات منفصلة، بل نبني رحلة موسيقية متواصلة، تتصاعد فيها الحالة الشعورية من البداية حتى النهاية».

وتوقف روتا عند مشاركة النجم العالمي أندريا بوتشيلي، مؤكداً أنها تضيف بُعداً استثنائياً للحفل، قائلاً: «علاقتي ببوتشيلي تمتد لما يقارب 30 عاماً، وقد عملنا معاً في العديد من الحفلات حول العالم، وهذا يمنحنا انسجاماً خاصاً على المسرح».

الملصق الترويجي للحفل (هيئة الموسيقي)

وأضاف أن بوتشيلي لا يكتفي بتقديم مقطوعاته الأوبرالية المعروفة، بل يدخل هذه التجربة بروح منفتحة، فـ«هو فنان لديه فضول دائم لاكتشاف موسيقى جديدة وآلات مختلفة، وهذا ما يجعله متحمساً لهذا المشروع».

وعن التحدي الفني في المزج بين الموسيقى السعودية والإيطالية، قال روتا إن «التنوع لا يمثل عائقاً، بل هو جوهر الإبداع»، موضحاً أن «خبرته في التعامل مع أنماط موسيقية متعددة ساعدته على إيجاد نقاط الالتقاء»، مستشهداً بتجارب سابقة، من بينها قيادته لموسيقى تركية مع الأوركسترا الفيلهارمونية الملكية في لندن، مما منحه فهماً أعمق لكيفية بناء جسور بين مدارس موسيقية مختلفة.

ولفت إلى أن خبرته في العمل منحته رؤية واسعة لتنوع الجمهور، لكنه أكد أن هذه التجربة مختلفة؛ لكونه يقدم للمرة الأولى برنامجاً يضم هذا القدر من الموسيقى العربية داخل إيطاليا، وهو أمر غير معتاد، معتبراً أن ذلك يمثل إضافة نوعية للمشهد الموسيقي في روما.

التفاعل بين الآلات الغربية والشرقية يفتح آفاقاً مختلفة في التعبير... ويمنح الجمهور تجربة غير مألوفة

المايسترو الإيطالي مارشيلو روتا

وأضاف أن البرنامج لا يقتصر على الأوبرا الكلاسيكية، بل يمتد إلى الأغاني الشعبية والميدلي، قائلاً: «لدينا (ميدلي) سعودي وآخر إيطالي، إلى جانب مقطوعات أوبرالية، وهذا يخلق حواراً موسيقياً حقيقياً بين الثقافتين».

وأكد أن إدخال الآلات الشرقية والعناصر التراثية السعودية يمنح الصوت الأوركسترالي بُعداً جديداً؛ لأن هذا التفاعل بين الآلات الغربية والشرقية يفتح آفاقاً مختلفة في التعبير، ويمنح الجمهور تجربة غير مألوفة.

وأوضح أن اختيار البرنامج اعتمد على تحقيق توازن دقيق بين المدارس الموسيقية، من خلال أعمال لكبار المؤلفين الإيطاليين مثل جياكومو بوتشيني وجوزيبي فيردي وغايتانو دونيزيتي وجواكينو روسيني، إلى جانب مقطوعات عربية، وهو ما يعكس روح المشروع القائمة على الحوار لا التنافس.

وأشار إلى أن ردود فعل الموسيقيين الإيطاليين كانت لافتة، لوجود فضول كبير لديهم لاكتشاف هذا النوع من الموسيقى، لافتاً إلى أن الموسيقيين السعوديين أظهروا مستوى عالياً من الاحتراف والانضباط، مما ساهم في خلق بيئة عمل إيجابية؛ لكون الاحترام المتبادل يجعل العمل أكثر سلاسة وإبداعاً.

وأكد روتا أن الموسيقى تظل أكثر الوسائل قدرة على تجاوز الحواجز؛ لكونها «سفير السلام» الحقيقي، مشدداً على أهمية مثل هذه المبادرات في ظل عالم يشهد كثيراً من التوترات؛ إذ يمكن للفن أن يلعب دوراً في التقريب بين الشعوب.


لين أديب لـ«الشرق الأوسط»: بات الفن يُستهلك بشكل مبالغ فيه

تحضر أديب لألبوم جديد يضم أغنيات مستوحاة من بلدها سوريا (حسابها على {إنستغرام})
تحضر أديب لألبوم جديد يضم أغنيات مستوحاة من بلدها سوريا (حسابها على {إنستغرام})
TT

لين أديب لـ«الشرق الأوسط»: بات الفن يُستهلك بشكل مبالغ فيه

تحضر أديب لألبوم جديد يضم أغنيات مستوحاة من بلدها سوريا (حسابها على {إنستغرام})
تحضر أديب لألبوم جديد يضم أغنيات مستوحاة من بلدها سوريا (حسابها على {إنستغرام})

تغرّد الفنانة السورية لين أديب خارج السرب، مقدّمة أعمالاً فنية بعيدة عن الاستهلاك السريع والنفحة التجارية. تكتب وتلحّن وتغنّي، موظفةً مواهبها في مشروع فني يقوم على العمق والأصالة، بعيداً عن الرائج والسائد. وعندما تغنّي، تأخذ مستمعها إلى مساحة مشبعة بالمشاعر، تعكس من خلالها أحاسيسها المتوغلة في عالم الأداء.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «شكّل الغناء بالنسبة إليّ لغة للتواصل مع الآخر منذ طفولتي، وربما لأن بداياتي كانت ذات طابع روحاني، حين كنت أنشد التراتيل الدينية في الكنائس، تكوّن لديّ أسلوب فني خاص. كان الغناء متنفساً أُخرج من خلاله جروحي الداخلية، وأتنفس عبره الأكسجين لأداوي جروحاً غير مرئية. فعندما يبدأ الفنان مساره بخط معين، تتكوّن ملامح شخصيته الفنية تدريجياً. وتبقى ترافقه ولو اتجه لاحقاً نحو أنماط غنائية مختلفة».

لين أديب في إحدى حفلاتها الغنائية (حسابها على {إنستغرام})

وتشير إلى أن انطلاقتها من سوريا ضمن مشاريع محلية كانت ضرورة لنشأة فنية متنوعة، لا سيما أنها استهلتها مع فريق موسيقي للروك والجاز.

أخيراً، جمعها أكثر من تعاون مع الموسيقي اللبناني خالد مزنر، كان أحدثها أغنية «مرايتي يا مرايتي» من فيلم «كراميل» للمخرجة نادين لبكي، التي أدّتها بتوزيعه إلى جانب الفنان ماتيو شديد. وتعلّق: «تربطني بخالد صداقة قديمة تعود إلى سنوات، وقد تعرّفت إليه عن طريق زيد حمدان، كما أشاركه حفلاته في مهرجان (سمار جبيل). وحتى اليوم لم نجتمع في مشروع فني متكامل، وأتمنى أن يتحقق ذلك قريباً».

اشتهرت لين أديب بعدد من الثنائيات الفنية مع موسيقيين عدة، غالبيتهم من لبنان، من بينهم علي شحرور وزيد حمدان. كما اعتلت المسرح أكثر من مرة مع الموسيقي الفرنسي عازف الكونترباص مارك بيرونفوس. وأثمر هذا التعاون ألبوم «القرب». كذلك خاضت تجربة مختلفة مع الفنان التشكيلي طارق عطوي عبر مشاريع فنية تركيبية ارتكزت على الصوت. وتعلّق: «إنه من الفنانين الذين استمتعت بالتعاون معهم كون أعماله تتمحور حول عروض الأداء النابعة من أبحاثه العميقة في تاريخ الموسيقى».

حالياً، قررت التفرغ لمشروعها الشخصي، إذ تحضّر لألبوم جديد من كتابتها وألحانها بعنوان «ملكوت». وتوضح: «سأقدّمه بدايةً بصوتي فقط ومن دون أي مشاركات، على أن تصدر لاحقاً نسخة ثانية بالتعاون مع فنانين عرب وفرنسيين وبرازيليين وإيطاليين، معظمهم زملاء دراسة، بينهم اللبناني الأصل روبنسون خوري المتخصص في موسيقى الجاز الحديثة، إضافة إلى عازف صربي معروف في هذا المجال».

تشتهر لين أديب بثنائياتها مع فنانين أجانب وعرب (حسابها على {إنستغرام})

وتعود فكرة الألبوم إلى عام 2020، يضم أغنيات مستوحاة من سوريا، إلى جانب أعمال رومانسية وأخرى ترتبط بتجاربها الشخصية وبأحداث عالمية. وتقول: «هذا الألبوم يروي عطشي لتقديم فن يشبهني، وأنا متحمسة جداً لإطلاقه نهاية العام».

يتألف الألبوم من 15 أغنية تتناول موضوعات اجتماعية ووجدانية وقصص حب. وتضيف: «عشت تجارب حب قليلة، لكنني أمتلك قدرة كبيرة على العطاء، وأعتقد أن الرومانسية تنبع من هذا المنظور، إذ علينا أن نتعلّم كيف نحب».

وتحتل الكلمة حيّزاً أساسياً في خيارات لين الفنية. وعن مصدر إلهامها، تقول: «اكتشفت أخيراً شغفي بكتابة الشعر، رغم أن بداياتي كانت خجولة عبر كتابة المذكرات. وعندما بدأت أكتب الأغاني، أدركت أن لدي موهبة في هذا المجال. كتاباتي تنبع من الصمت والتأمل بعيداً عن الضجيج، لذلك غالباً ما أغني نصوصي الخاصة لأنها تشبهني. وأحياناً أتخلى عن الكلمات تماماً، وأدع صوتي يتحوّل إلى آلة موسيقية للتعبير».

تسعدها ردود الفعل التي تصف أغانيها بأنها تدفع المستمع إلى التأمل، وتقول: «هذا يعني أن الأغنية وصلت بالشكل الذي أريده».

هاجرت لين سوريا عام 2009 عندما كانت في الثالثة والعشرين من عمرها، لتبدأ رحلة البحث عن هويتها الفنية الخاصة. وتقول: «لا أزال حتى اليوم أصقل موهبتي، لأن الإبداع رحلة بحث دائمة عن الذات».

وعن الساحة الفنية الحالية، ترى أنها تشهد انفتاحاً كبيراً على الموسيقى العربية البديلة، وهو أمر إيجابي برأيها، لكنها في المقابل تنتقد سرعة الإنتاج الفني اليوم، وتقول: «نعيش حقبة استهلاك مبالغ فيه للفن. هناك ضجيج كبير وإنتاجات متلاحقة في وقت قصير، ما ولّد لدي نفوراً من هذه السرعة. كلما أبطأت في إنتاج أعمالي، استمتعت بها أكثر. في الماضي، كان الفن الجميل يحترم الصمت والوقت. وبعض الأغاني كانت تستغرق نحو ساعة كاملة للاستماع إليها».

وعن خروجها عن المألوف، تقول إنها لا تنتمي إلى بيئة الغناء الشرقي الكلاسيكي، وهو ما ساعدها على رسم أهدافها بوضوح. لكنها تستدرك: «لقد اكتشفت أن التعمق بالموسيقى الشرقية يشكل حجر الأساس للفنان. لذلك أجتهد اليوم لتعلّم المقامات العربية ومفاهيم أخرى بالموسيقى الشرقية. واكتشافها يسهم في فهمي لها بشكل أفضل».

وتختم: «اعتمادي على موسيقى الجاز في بداياتي منحني مساحة من التمرّد والحرية الفنية، ثم بدأت أتساءل: لماذا لا أترجم هذه الخلفية الفنية إلى لغتي العربية؟ فحاولت إيجاد لغة تجمع بين الاثنين وولدت على أثرها لغة ثالثة أعتبرها لغتي الموسيقية الخاصة».

وترى لين أديب حياتها اليوم في مساحة رمادية بين غربتها ووطنها الأم سوريا، تشبهها بمشهد ثلاثي الأبعاد. وتقول: «لم أعد أعرف إن كنت أوروبية أم عربية، لكن ذلك لا يزعجني».


الشامي لـ«الشرق الأوسط»: القدر أعادني إلى «ذا فويس كيدز» مُدرباً

يخطط الشامي لتخفيف وتيرة الحفلات الفنية للتحضير لمشاريع موسيقية جديدة (حسابه على {فيسبوك})
يخطط الشامي لتخفيف وتيرة الحفلات الفنية للتحضير لمشاريع موسيقية جديدة (حسابه على {فيسبوك})
TT

الشامي لـ«الشرق الأوسط»: القدر أعادني إلى «ذا فويس كيدز» مُدرباً

يخطط الشامي لتخفيف وتيرة الحفلات الفنية للتحضير لمشاريع موسيقية جديدة (حسابه على {فيسبوك})
يخطط الشامي لتخفيف وتيرة الحفلات الفنية للتحضير لمشاريع موسيقية جديدة (حسابه على {فيسبوك})

قال المطرب السوري الشامي إن مشاركته في لجنة تحكيم برنامج «ذا فويس كيدز» تشكل بالنسبة له محطة فارقة، موضحاً أنه لم يتردد في قبولها رغم ما صاحبها من رهبة في البداية.

وأضاف عبد الرحمن الشامي المعروف بـ«الشامي» لـ«الشرق الأوسط» أن وجوده على مقعد المدربين إلى جانب أسماء بارزة مسؤولية مضاعفة، خصوصاً أنه الأصغر سناً في تاريخ مدربي البرنامج، وهو ما يجعله أكثر حرصاً على أن يقدم صورة تليق باسمه وبالجيل الجديد من الفنانين.

وأوضح أن الفكرة نفسها عندما عُرضت عليه أعادته بالذاكرة إلى سنوات مضت حين كان مجرد طفل يتقدم إلى البرنامج نفسه، مشيراً إلى أنه بالفعل تمّت الموافقة على مشاركته في الموسم الثاني، لكنه لم يتمكن من الحضور بسبب ظروف اللجوء التي كان يعيشها.

الملصق الترويجي لبرنامج {ذا فويس كيدز} (إم بي سي)

واعتبر أن القدر رتّب الأمور ليعود إلى البرنامج بعد أعوام، ولكن من موقع المدرب لا المتسابق، موجهاً الأطفال ومساعداً إياهم على تحقيق ما كان هو يحلم به يوماً، مؤكداً أنها مفارقة ملهمة تحمل رسالة بأن الأحلام لا تضيع مهما طال الزمن.

ولفت إلى أنه شعر بأحاسيس مختلفة عند دخوله للمسرح وجلوسه على كرسي لجنة التحكيم، وبعد فترة قصيرة شعر بأن عليه أن يتحرر من التردد ويخوض التجربة بكل ما يملك من خبرة فنية وشخصية، مؤكداً أنه إنسان جريء بطبيعته في اختياراته الموسيقية، ولذلك اختار أن يواجه التحدي دون تراجع.

وأوضح أنه خلال التجربة بدأ يراجع نظرته للموسيقى والتعليم، واكتشف أن تدريب الأطفال على الغناء ليس مجرد مسألة تقنية، بل يحتاج إلى تواصل عاطفي وإنساني كبير، مشيراً إلى أنه تعلّم الموسيقى بنفسه طوال سنوات، لكنه لم يختبر من قبل كيف يكون في موقع المدرّب والموجّه.

وأشار إلى أن التعامل مع الأطفال يفرض عليه أسلوباً خاصاً يجمع بين الصبر والمرونة والحماس ساعدته فيها خبرته بالكتابة والتلحين على تقديم أداء يشعر بالرضا عنه، مما جعله قادراً على فهم طبيعة الأصوات واحتياجات كل صوت على حدة، ويشعر بثقة أكبر في توجيه المواهب الصغيرة واكتشاف قدراتهم الفعلية.

يشعر الشامي بثقة أكبر في توجيه المواهب واكتشاف قدراتهم الفعلية (إم بي سي)

وأكد الشامي أن الأطفال يمتلكون طاقة صادقة لا يمكن تكرارها، وأن مهمة المدرب تكمن في الحفاظ على تلك العفوية وعدم فرض شكل جاهز عليهم، مشيراً إلى أن ما يسعى إليه هو أن يغنّي الطفل من قلبه قبل أن يلتزم بالقواعد التقنية.

يرى الشامي أن موسيقاه لم تكن في يوم من الأيام موجهة إلى الأطفال بشكل مباشر، لكنه شعر بأن جمهوره الصغير ازداد بمرور الوقت، مؤكداً أن ذلك يعود إلى الطريقة التي يتعامل بها مع جمهوره وليس إلى طبيعة أغانيه. معتبراً أن الأطفال أحبوه كما هو، بشخصيته وطريقته في الكلام وأسلوبه القريب منهم، وأن هذا القرب الإنساني هو ما جعلهم يتابعون أعماله ويشعرون بالانتماء إليه رغم أن موسيقاه ليست «أغاني أطفال».

ووفق المطرب السوري فإن تجربته في البرنامج قد جعلته أكثر وعياً بالمسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه الجيل الجديد من الفنانين، موضحاً أنه يسعى لأن يكون قدوة في العمل والانضباط، لا مجرد مدرب يوجّه الأصوات.

وأضاف أن تفاعله مع الأطفال داخل «ذا فويس كيدز» أعاد إليه شغفه الأول بالموسيقى، لأنه يرى في كل موهبة صغيرة انعكاساً لبداياته الخاصة، مؤكداً أن أجمل ما في التجربة هو ذلك الشعور الإنساني الذي يجمع بين الفن والطفولة والبراءة.

العمل على الألبوم الجديد يسير بهدوء وبخطوات مدروسة ولا أريد الاستعجال

الشامي

وانتقل الشامي للحديث عن مشاريعه الفنية الجديدة، موضحاً أنه في الوقت الحالي يركز على التحضير لعدد من الأغاني المنفردة التي ينوي إطلاقها قريباً، حيث يعمل على أغنيتين أو ثلاث ضمن خطة موسيقية مدروسة تسبق التحضير لألبوم كامل.

ويفضّل الشامي في هذه المرحلة التريّث في إصدار أعمال كثيرة متتابعة، لأن هدفه الأساسي هو تقديم موسيقى تعبّر بصدق عن هويته الفنية وتجسّد التطوّر الذي وصل إليه في السنوات الأخيرة، لافتاً إلى أنه قرر الحصول على فترة راحة قصيرة بعد نشاط مكثّف في الحفلات خلال العام الماضي، حيث قدّم ما بين أربعين وخمسين حفلاً في عدد كبير من الدول العربية، معرباً عن امتنانه لجمهوره الذي سانده في كل محطة من محطات مسيرته.

وأضاف أن هذه الكثافة في الحفلات جعلته بحاجة إلى بعض الهدوء، مشيراً إلى أنه يخطط لتخفيف وتيرة الحفلات خلال الفترة المقبلة من أجل التفرغ أكثر للتحضير لمشاريعه الموسيقية الجديدة.

وقال إن هذه المرحلة من التوقف المؤقت لا تعني الغياب الفني، بل هي بمثابة إعادة ترتيب للأولويات من أجل تحضير أعمال أقوى وأكثر عمقاً، في ظل سعيه لتقديم ألبوم متكامل يعبر عن رحلته الشخصية والفنية.

وأضاف أن العمل على الألبوم الجديد يسير بهدوء وبخطوات مدروسة، وأنه لا يريد الاستعجال في طرحه، لأن ما يهمّه هو أن تكون الأغاني ناضجة تعبّر عن هويته الفنية الجديدة بعد كل ما مرّ به من تجارب.