محمد الفيتوري.. شعرية الصرخة

تنوعت في شعره وارتبطت بحرية الإنسان

محمد الفيتوري
محمد الفيتوري
TT

محمد الفيتوري.. شعرية الصرخة

محمد الفيتوري
محمد الفيتوري

تشكل شعرية النشيد المدار الفني لتجربة الشاعر محمد الفيتوري الذي رحل عن عالمنا الأسبوع الماضي، وتتوثق علائقها بشكل لافت في فضاء الصرخة الإنسانية، وقد عانق شعره تجليات هذه الصرخة، في مستويات هبوطها وصعودها من السطح إلى القاع، وتحتها تراكمت خبرته، وتنوعت في سياقات معرفية جمة، مكنته من الاحتفاظ دوما بمقدرة العودة إلى الجذور لرحم الصرخة.
في نشيده الأول، والذي يشكل مدار طفولته الشعرية، اتسمت الصرخة بدفقة ثورية بكر، بدت وكأنها نابعة من أزمنة سحيقة، لكن ظل اللعب الفني على السطح، سطح اللغة والحالة والرؤية، هو الشكل الملائم لغواية فتى، كان كلما نظر إلى المرآة تحولت سمرته، أو بمعنى أدق «زنجيته» إلى قيود وسياط تلاحق خطواته وتتربص له في الخيال والحلم، وهو ما جعل دواوينه الأولى المبكرة «أغاني أفريقيا» و«عاشق من أفريقيا» و«اذكريني يا أفريقيا» بمثابة شلال من الصرخات الموجوعة بنضال إنسان القارة السمراء في التحرر من الاستعمار، ونيل حقوقه في الحرية والكرامة والعدل.
ولأن شعرية النشيد تتميز بإيقاع مجلجل وجرس موسيقي له رنين جذاب على الأذن، أذكر وأنا صغير أحبو فوق شطوط الشعر واللغة، أنني كنت مشغوفا بهذا النمط من الشعرية، بل أحيانا كنت أتصبب عرقا وأنا أقرأ نماذج منها، كنت أحبس نفسي بين جدران الغرفة، حتى يمكنني القراءة بصوت عال، والاستمتاع بصدى الصوت، وهو يرتد إليّ، وينزلق فوق صدري كرذاذ شفيف.. إنها شعرية تلامس الحنجرة دوما، وقد ساعدتني هذه القراءة في هضم الكثير من تراث الشعر العربي، لكن في حالة الفيتوري، كنت أشعر دائما أنني إزاء صرخة تدوي في أفق بعيد، إزاء منشد شعبي، يستطيع أن يهز الناس جسدا وروحا، لذلك بقي الفيتوري في ذاكرة الشعرية العربية، بقوة الصرخة والنشيد معا، فتحت مظلتيهما هتف: «يا أخي في الشرق، في كل سكن / يا أخي في الأرض، في كل وطن / أنا أدعوكَ.. فهل تعرفني؟ / يا أخا أعرفه.. رغم المحن / إنني مزقت أكفانَ الدجى / إنني هدمت جدران الوهن / لم أعد مقبرة تحكي البلى / لم أعد ساقية تبكي الدمن / لم أعد عبد قيودي / لم أعد عبد ماض هرم عبد وثن / أنا حي خالد رغم الردى / أنا حر رغم قضبان الزمن / فاستمع لي.. استمع لي / إنما أذن الجيفة صماء الأذن».
لم يخفت نشيد الفيتوري، فبمرور السنين وتحولات مجرى الشعر والحياة، نضج سؤال الفتى الأفريقي الأسود، ومشت في قصيدته السمراء مياه ورياح كثيرة، نضجت الفكرة والمعرفة، واكتسبت حرقةُ الشك وجمرةُ اليقين حيرةَ الوجود ومتاهة الحلم، غادرت الصرخة السطح البكر، انخرط النشيد في دوائر أوسع، ارتدى قناع الأغنية، خلع الشاعر رداء المنشد العفوي التلقائي، ابتعد قليلا عن صوت الجماعة التي تلتف وتتحلق حوله، وانشغل الفيتوري بالهم العربي العام، بجراحات لا تندمل في مملكة الدم الواحد، وخطاب شعري، استحلب أقصى طاقات الغنائية والتحريض والهجاء السياسي. جسدت صرخة الفيتوري في هذا السياق محنة الإنسان العربي، فغني لأطفال الحجارة في فلسطين «ليس طفلا ذلك القادم في أزمنة الموتى إلهي البشارة / ليس طفلا وحجارة / ليس بوقا من نحاس ورماد / ليس طوقا حول أعناق الطواويس محلى بالسواد / إنه طقس حضارة». وغنى للشهداء في سيناء وبيروت، ورافقت قصيدته صعود المقاومة الوطنية ضد أنظمة تكرس للتسلط والقمع والتواطؤ على حساب مقدرات وأشواق وأحلام شعوبها.. هذا التسلط عبر عنه الفيتوري، موحدا بين الخاص والعام، باحثا عن براءة الحلم وسط ركام من صكوك الإدانة، وفي ظل مشهد مأساوي يساوي بين الجلاد والضحية، وكما يقول الشاعر نفسه:
«عربات الموتى المذهبة الصفراء
تدوس على قلبي المخضوضر
تغرس في حوافرها
ذات الوهج السوداء
والقتلى يبتهلون بأوجههم
يبكون.
هذه المدائن الخرساء، لم تخذل الفيتوري، انتصرت لصرخته الأولى «أصبح الصبح، فلا السجن ولا السجان باق». وانتفضت لصرخته، حين مسها اليأس والحبوط، ورفضت أن تتحول هذه الصرخة إلى مرثية، أو أن ترتد إلى صدر الشاعر نفسه حين جرب اللعب مع السلطة وابتلى بأقنعتها، ورأى كيف تحاك خيوط المؤامرات والتواطؤات في دهاليزها: «كان الدجى عباءة. صلوا على الجلاد والضحية / وقالت الحرية / أولهم آخرهم. صلوا على الإنسان والحرية. وقالت القضية / يا فقراء استيقظوا / صلوا على الخائن والقضية.‏
تحصنت الصرخة بيقينها البكر، تقلصت المسافة بين الحلم وبين الذاكرة، بين شطح البصر ووعي البصيرة، أصبحت القصيدة تمتلك القدرة على النفي والإثبات، وأصبح النشيد معجونا بالأمل، متشبثا بإرادة الحياة، أصبح شاهدا على غد آخر سوف يأتي.. ومن ثم:
«فهذا هو الدم العربي
الذي يتدفق عطشان
من فجوات الجراح
إلى فجوات الشوارع».
اغترب الفيتوري وتنقل بين عدد من العواصم العربية والمدن الأوروبية، وواجه خلال ذلك الترحال الكثير من العثرات والصعاب، لكنه استطاع بإعادة القراءة والتأمل أن يحيِّد فكرة الشعور بالمنفى، معتزا بقصيدته باعتبارها سكنه الأول، ونقطة الضوء في النفق المعتم.
في هذا المناخ مسك الفيتوري بخيوط الصوفية، والتي تمثل أجلى وأعمق مراتب صرخته الشعرية، فهي اللحظة التي يتوحد فيها السطح بالعمق وينكشفان بمحبة خالصة تحت فضاء القصيدة، هي اللحظة التي تنصهر فيها الذات بموضوعها، وتتلبسه ككقناع شفيف، تنحل تحته ثنائيات الوجود، والفواصل العميقة للزمن في العناصر. وفي رأيي أن هذه الصوفية، بكل تموجاتها، تمثل استراحة شاعر، عارك الشعر، ووضعه على محك الجرح الإنساني العام، لكنه ظل طفلا يغمغم فوق سرير اللغة والإيقاع. وكان لافتا أن تتشرب هذه الصوفية بنفس سوريالي، يمنح القصيدة كمعطى روحي قواما ماديا وفنيا، حينئذ تصبح الصرخة معولا لتفكيك أدغال الأفكار والرؤى والكلمات، ومن ثم، يتحول الهم الصوفي إلى فعل تمرد، على القصيدة والذات والوجود.. فهكذا من تحت عباءته الصوفية يحلم الفيتوري قائلا:
«لو أن الجسد الملقي على كرسيه
مال قليلا
لاستيقظت من نومها مدينة النحاس
واستغرق الحراس في البكاء والضحك
فزائر الموت الذي زار سليمان الملك
كان ثقيلا
وسليمان الملك
مات طويلا».
لقد ولد الفيتوري بقوة الشعر، وحين تفتحت عيناه واشتد عوده ووعيه بالدنيا، كان محيطه الأفريقي، مسقط رأسه ومرتع صباه ينزف في براثن الظلام والاستعمار والقمع والاستبداد. وكان عليه حينذاك أن يوحد بين صرخته الطفولية الغضة، وبين صرخة أخرى لا تعرف الهدوء أو المساومة، أكثر عمقا واتساعا ودويا، وهي صرخة الشاعر الثائر، الذي يتخذ من قصيدته سلاحا ضد الظلم والطغيان ورفيق درب في النضال، حتى صار الشعر صديقا حميما يبثه نجواه وهمومه، ويرى فيه مرآته الحقيقية، من دون تزييف أو رتوش.
انحاز الفيتوري لأفريقيا لأحلامها وأشواق شعوبها في العدل والحرية، وظلت أفريقيا كأسطورة وحلم، وأغنية، وصرخة، ومعجزة، تلازمه كظله، في تجواله وترحاله في صخبه وصمته، ظلت تخطف الروح والجسد معا، وتهزهما في طقوس واحتفالات وعادات وتقاليد حية، نابعة من ثقافة عريقة شديدة الخصوصية والندرة، تنفك فيها العقد والفواصل السميكة في الزمن والعناصر والأشياء. فلا فرق، بل لا فواصل، لا مسافة في شعره بين أفريقيا وبين الحبيبة العشيقة، أو بينها وبين شمس الطهر والطهارة، أو بينها وبين إشراقة الصبح حين تخب من تحت ركام الظلام. أفريقيا كراسة النور والأمل، لا تشع فقط من شقوق الأرض وفجوات السنين، وإنما تنصهر وتعرج بمحبة الحياة إلى قدسية السماء، إنها محراب الناسك، وعباءة العراف، وورد الصوفي.. وعلى حد قول الفيتوري نفسه: «من أجلكِ يا أفريقيا يا ذاتَ الشمسِ الزنجيّة / يا أرض الأيام الحيَّة / يا أغنيةً في شفتيَّ.. / صوتُك هذا؟ إنني أكادُ أن ألمسُهُ / أكادُ أن أنشُق من غصونه رائحةَ الأرض وعرقَ الجباه / صوتُكِ يا أفريقيا صوتُ الإله».
في ظل كل هذا، تفرد قاموس الفيتوري الشعري، وأضاف إلى لغة الشعر الكثير من المفردات الطازجة الخاصة، كان من أبرزها مفردات الأبيض والأسود، أو الأبيض والزنجي، وما يرشح تحتهما من تدرجات الظل واللون والرائحة، لقد توحدت هذه المفردات في قصيدة الفيتوري وتزاوجت وانصهرت مع بعضها بعضا ليس فقط باعتبارهما متوالية فنية تحرر اللوحة التشكيلية من نمطيتها وفراغها الرخو، وإنما باعتبارهما سلاحا لهتك الثنائيات الضدية العقيمة في لوحة الوجود والعدم، ولدحض سياسة القمع والتعسف والتمييز العنصري ضد إنسان أفريقيا، صاحب الأرض والتاريخ والحلم.
وقبل أن يصرخ محمود درويش بأعوام طويلة في قصيدته الشهيرة «سجل أنا عربي / ورقم بطاقتي خمسون ألف»، كان الفيتوري يصرخ في قصائده صرخة لا تكتفي بالتحريض والتمرد على قيد العبودية، وإنما صرخة هوية واحتجاج ضد الوجود، وسياسة الإزاحة والتهميش قائلا: «أنا زنجي وأبي زنجي الجَدِّ / أنا أسودُ... لكني أمتلكُ الحرّية / أرضي الأبيض دنَّسَها / فلأمضِ شهيدًا وليمضوا مثلي شهداءَ أولادي / لأن وجهي أسودُ ولأن وجهك أبيض سمَّيْتني عبدا / ووطئت إنسانيِّتي فصنعت لي قيدا».
ومثلما انحاز الفيتوري لأنشودته الأفريقية، كنقطة للخلاص والأمل انحاز أيضا لأقنعته ورموزه، غمر في مياهها روحه، ليمنح جسده ومضا من الدفء والحيوية، ويكسب جسد القصيدة معنى التواصل مع الماضي في لحظاته الحميمة الخلاقة، فلا بأس وهو الشاعر أسمر البشرة، أن يلبس في لحظة استثنائية على المستوى النفسي والتاريخي قناع الفارس الشاعر عنتر بن شداد. لكنه يحتفظ بمسافة فنية بينه وبينه، حتى يستطيع أن يخلع القناع في الوقت المناسب، حريصا على ألا يقع في أسر الشخصية. الأمر نفسه مع المغني الأميركي الزنجي «بول روبنسون»، باعتباره أحد المناضلين ضد العنصرية، لقد اتخذ الفيتوري من هؤلاء مجرد غلالة لتكثيف طبقات المعنى والدلالة في القصيدة، وأيضا كنافذة يطل منها على نفسه، في مرآة الآخر، صاحب الحلم والمعاناة المشتركة.
إن منجز الفيتوري، الشعري لا يزال بحاجة إلى الاهتمام النقدي الحقيقي من الحركة النقدية العربية، بعيدا عن النظرة الإنشائية التقليدية، والتي راجت في الكثير من الدراسات النقدية عنه، سواء في موطن مولده السودان، أو في ليبيا التي شكلت المدار الطويل لرحلته في العمل على الصعيدين الثقافي والدبلوماسي، أو في مصر التي تشكل فيها جزء حميم من وعيه الثقافي والمعرفي والتعليمي، وجعلته يردد بأسى في الكثير من حواراته الصحافية «أنا في الحقيقة شاعر أنتمي إلى الفكر والثقافة المصريين وكذلك التراث المصري، ولا أعلم لماذا يتجاهلون هذا». وهو ما تجسد في شعره، وكأنه وصيته الأخيرة في الحياة:
«سأرقد في كل شبر من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
أرقد كالشمس فوق حقول بلادي
مثلي ليس يسكن قبرا».



إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.