الأدوار الخفية لجهاز الشرطة في بسط نفوذ الدولة العباسية

بملابس ضيقة سوداء وعيون يقظة وكلاب مدربة

الأدوار الخفية لجهاز الشرطة في بسط نفوذ الدولة العباسية
TT

الأدوار الخفية لجهاز الشرطة في بسط نفوذ الدولة العباسية

الأدوار الخفية لجهاز الشرطة في بسط نفوذ الدولة العباسية

قد يثير هذا الكتاب الجدل بفصوله الستة الممتدة عبر 360 صفحة، ابتداءً من العنوان الذي بدا إشكالياً إلى حدٍّ ما «الشرطة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي - العصر العباسي الأول». فأول ما يتبادر إلى الذهن تساؤل بدهي: ما الأسس العلمية والمعايير البحثية الحاسمة التي على أساسها وصف المؤلف د. حسام أحمد عبد الظاهر، هذا العصر بأنه ذهبي؟ فلو كان يقصد التنمية الحضارية التي شهدتها الدولة العباسية، فالأمر لم يخلُ من ممارسات غير مسؤولة مثل الاستبداد والفساد بدرجات متفاوتة ومن حقبة زمنية لأخرى. أما لو كان يقصد بلوغ جهاز الشرطة درجة عالية من التنظيم والهيكلة، فكيف نتغاضى عن ممارسات دموية قمعية تتضمن الاغتيالات السياسية، تورط فيها هذا الجهاز وتتطرق إليها المؤلف نفسه؟
غير أن هذا الكتاب الصادر حديثاً عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، هو بحث علمي مدعم بالمصادر والجداول والتعريفات، أي بعبارة أخرى لا مكان فيه للرأي الشخصي أو الانطباعات الذاتية.
ويقصد المؤلف بالعصر العباسي الأول الفترة الممتدة من عام 750م حتى 846م، ودفعه لدراسة هذا الموضوع «ما للشرطة من مكانة كبيرة بوصفها أحد نظم الحكم الرئيسية».

أصول لغوية

بدايةً يوثّق الكتاب لكلمة «الشرطة»، مشيراً إلى تتعدد الآراء حولها، حيث يُرجعها البعض إلى أصول عربية مؤكداً أن الشرطة ترجع إلى «الأشراط» وهي العلامات التي تعارف أصحاب الشرطة على تمييز أنفسهم بها عن غيرهم. وهناك من يقول إن الشرطة سُمُّوا بذلك لأنهم جند مختارون؛ فشرطة كل شيء خياره. وهذا التفسير يعني أن رجال الشرطة هم نخبة السلطان من جنده، ولذلك فهم أول كتيبة تشهد الحرب.
وهناك آراء أخرى تُرجع أصل كلمة «الشرطة» لأصول غير عربية وأنها مأخوذة من النظام الأمني عند البيزنطيين المعروف بـ«سيكوريتاس» بمعنى الحفظ والطمأنينة، مما يستدعي كلمة «سيكورتي». وهناك من يُرجع كلمة «الشرطة» إلى الكلمة اليونانية «شورطس» بمعنى الحارس، وهي الكلمة التي انتقلت إلى اللغتين السريانية والكلدانية وأصبحت «شورطا» ثم عُرفت في اللغة الآرامية بـ«شرطو»، ثم انتقلت إلى اللغة العربية بصورتها المعروفة حالياً. ويرجح المؤلف الرأي الأخير لأنه لا يقتصر فقط على التشابه اللفظي بل يتعداه إلى التشابه في المعنى ويدلل على ما يقوله بالتتبع التاريخي لانتقال الكلمة من اليونانية إلى السريانية والكلدانية والآرامية ثم إلى العربية.
وكان الحجّاج بن يوسف الثقفي يشترط في صاحب الشرطة أن يكون «دائم العبوس طويل الجلوس سمين الأمانة أعجف الخيانة لا يحنق في الحق على جرة، يهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة»، وهذا النص يبيّن أن صاحب الشرطة في العصر الأموي كان من المأمول أن يتمتع بصفات الحزم والصرامة والمتابعة الدائمة للأمور والأمانة وإيثار الحق دائماً وعدم رالانطواء على الحقد والغل وعدم الاستجابة لشفاعة أحد من كبار الناس في عمله. وهذه الأوصاف تتفق مع طبيعة الحجّاج الذي عُرف بالقسوة والشراسة والميل للعنف.
ومن استعراض أسماء أصحاب الشرطة قبل العصر العباسي، يمكن ملاحظة اقتصار الاختيار على رجال القبائل العربية واعتماده على العنصر العربي، وهذا يتوافق مع سياسة الدولة في اختيار عمالها من أهل العصبية والقوة حيث يقوم رجال الشرطة بالكثير من المهام الحساسة؛ منها مرافقة الخلفاء والأمراء والولاة لتنفيذ أوامرهم وحراستهم وحمل الحربة بين أيديهم. ولم تقتصر الشرطة على ذلك، بل شملت كذلك حماية أرواح الناس وممتلكاتهم وعلى سبيل المثال، وقبيل العصر العباسي في بلاد العراق، بلغ استتباب الأمن في ولاية زياد بن أبيه «665م - 673م» إلى حد أن أحداً لم يجرؤ على التقاط أي شيء متروك على قارعة الطريق، وكانت الدور تُترك مفتوحة الأبواب! وكانت الشرطة تقوم بالتحقق من صحة المعلومات التي تأتي إلى الخليفة أو الوالي عن طريق الناس. ويشمل عمل رجال الشرطة في هذ الصدد مقابلة من يريد الإدلاء بالمعلومات والاستماع إليهم ثم التحقق من صحة تلك المعلومات عن طريق الفحص الدقيق والتفتيش الشامل وبعدها يتم رفع تقرير مفصل للخليفة أو الوالي به نتيجة هذه التحريات.

ديوان الشرطة

ويؤكد المؤلف أن أهمية الشرطة في العصر العباسي الأول تكتسب مكانتها من طبيعة الأعمال التي سعت إلى القيام بها، حيث أكد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور «754م - 775م» ذلك في قوله إن الأركان الأربعة التي لا يصلح المُلك إلا بها هي: القضاء، والخراج، والبريد، والشرطة. وبناءً على ذلك خصص ديواناً جديداً للشرطة لم يكن له وجود من قبل.
ويوضح المؤلف أنه من الممكن تعريف الديوان كتنظيم إداري بأنه يشتمل على أربعة جوانب أساسية هي: مكان وموظفون ودفاتر وسجلات. وكان لشرطة المدن في هذا العصر مقر رئيسي ومقرات أخرى فرعية حيث عُرف المقر الرئيسي باسم الشرطة أو دار الشرطة ومجلس الشرطة. وكان موقع مجلس الشرطة الرئيسي في بغداد بالقرب من باب الجسر الذي يربط بين شطري المدينة. وفي مصر كان ذلك المجلس أو دار الشرطة يقع في «الفسطاط» قبل جامع «عمرو بن العاص» وهي الدار التي جُددت سنة 828م. أما مقر الشرطة بخراسان فكان بالقرب من المسجد الجامع في مدينة مرو. وكان صاحب الشرطة في بغداد يتم تعيينه من الخليفة العباسي نفسه، أما في الولايات فكان يخضع لإرادة الوالي غالباً. وفي حالات نادرة جداً يقوم الخليفة باختيار شخص ما وتعيينه في منصب صاحب شرطة إحدى الولايات. وعلى سبيل المثال حدث ذلك في مصر خلال العصر العباسي الأول حين بعث الخليفة المأمون برجل يسمى ابن سطام سنة 832م ليكون صاحب الشرطة في مصر. وقد يفسر ذلك الوضع الاستثنائي المخالف للمعتاد بأن الحالة الأمنية في مصر آنذاك كانت تحتّم ذلك؛ إذ كانت البلاد المصرية في هذه الفترة تعيش فتنأ داخلية واضطرابات كبيرة.
ويستعرض المؤلف أشهر فئات الشرطة في هذا العصر مثل «العسعس» وهم أصل الشرطة ونواتها التي منها تطورت حتى أصبحت نظاماً كاملاً من نُظم الدولة خلال العصر العباسي الأول. ويعرف «العسعس» بأنهم الجنود الذين يطوفون ليلاً بحثاً عن أهل الريبة، ونتيجة قيامهم بمهمة الطواف هذه أُطلقت عليهم مسميات «الطواف» أو «الطائف» أو «أصحاب الطوائف». وفي الأندلس عُرفوا إلى جانب اسم «العسعس» بمسمى آخر وهو الدرَّابون. ومن البدهي أنه يقوم رجال «العسعس» بأداء المهام المكلفين بها خير قيام حيث كان صاحب الشرطة يختارهم من بين رجاله الذين يتصفون باليقظة والنشاط والبصر الثاقب والذهن اللماح.
وفيما يتعلق بملابس الشرطة فقد كان لهم زي خاص يميّزهم عن باقي رجال الدولة العباسية، وفي ذلك الشأن يقول الجاحظ (868م): «لكل قوم زيٌّ؛ فللقضاة زيٌّ وللشرط زيٌّ». كما يذكر صاحب «كتاب الاقتضاب» أن رجال الشرطة كان لهم زي يُعرفون به. ويشير بعض الشواهد إلى أن هذا الزي كان عبارة عن قباء، وهو ثوب يُلبس فوق الثياب ضيّق الكمّين والوسط مشقوق من الخلف وهو أعون على الحركة. وهذا القباء كان أسود اللون ويرتديه صاحب الشرطة طوال فترة عمله بالشرطة، ويبيّن ذلك أنه لما أراد أبو البختري، والي المدينة في عهد الرشيد، تولية سعيد بن عمرو الزبيري الشرطة ألبسه السواد، ولما عزله قال له: «اخلع سوادنا».

مهام وأدوار متنوعة

يذكر المؤلف أن الكلاب البوليسية التي تًستعمل حالياً عُرفت أيضاً في العصر العباسي، وهناك مصادر تدل على أن رجال الشرطة آنذاك استخدموا بعض الكلاب لمساعدتهم في أداء مهامهم الأمنية. وتعد الحراسة إحدى المهام الرئيسية المعروفة عن الكلب، وفي ذلك ضُرب المثل العربي القديم «أحرس من كلب». ويقول الجاحظ في هذا الصدد: «ليس لحارث الناس ولحارس أموالهم بدٌّ من الكلب»، ولذلك كان يوجد كلب مخصص لكل حارس.
ومن مهام الشرطة حراسة الخلفاء والولاة وذلك لحماية أرواحهم سواء في مجالسهم أو في قصورهم ومنازلهم عامة. وكانت الشرطة ترافقهم في تجوالهم ومواكبهم أو في سفرهم. ويأتي أصحاب الشرطة في مقدمة العناصر التي كان الحكام، خلفاء أو ولاةً، يستشيرونها فيما يواجهونه من أمور. ومما يُروى في هذا الشأن أن والي خراسان أبا مسلم الخراساني لما جاءه أمر الخليفة المنصور بالقدوم إليه استشار صاحب شرطته نصر بن مالك الذي نهاه عن ذلك خوفاً من غدر المنصور، إلا أن أبا مسلم لم يأخذ برأي صاحب شرطته وذهب إلى المنصور فكان مصرعه. وكان المنصور نفسه يطلب مشورة المسيب بن زهير، صاحب شرطته بقوله: «قل فلا استغشك».
وتعد الرقابة من وسائل الشرطة المهمة في مكافحة الجريمة وضمان استقرار نظام الدولة العباسية وأمنها السياسي والاجتماعي والثقافي. واشتملت هذه الرقابة على نوعين؛ أولهما رقابة على الأماكن المشبوهة كالحانات والمقاهي والحمامات وأماكن الشرب واللهو، والآخر رقابة على الأشخاص الخطرين على الأمن مثل الغرباء والمشاغبين والمنحرفين والمشبوهين وأصحاب البدع والمخالفين ومثيري القلق.ويلفت المؤلف إلى أن هناك مهمة أخرى لجهاز الشرطة تتمثل في تتبع الخصوم السياسيين للدولة العباسية، المخالفين لسياستها، أو من يقومون بالتحريض ضدها.


مقالات ذات صلة

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «ساق تُحدِّق» لجمال العتابي... البحث عن معنى

«ساق تُحدِّق» لجمال العتابي... البحث عن معنى

ضمن إصداراته المتواصلة، صدرت حديثاً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتَّاب في العراق، مجموعة قصصية جديدة، للكاتب العراقي جمال العتابي، بعنوان «ساق تُحدِّق»

فاضل النشمي (بغداد)
ثقافة وفنون الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

حسين الحربي

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».