الأدوار الخفية لجهاز الشرطة في بسط نفوذ الدولة العباسية

بملابس ضيقة سوداء وعيون يقظة وكلاب مدربة

الأدوار الخفية لجهاز الشرطة في بسط نفوذ الدولة العباسية
TT

الأدوار الخفية لجهاز الشرطة في بسط نفوذ الدولة العباسية

الأدوار الخفية لجهاز الشرطة في بسط نفوذ الدولة العباسية

قد يثير هذا الكتاب الجدل بفصوله الستة الممتدة عبر 360 صفحة، ابتداءً من العنوان الذي بدا إشكالياً إلى حدٍّ ما «الشرطة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي - العصر العباسي الأول». فأول ما يتبادر إلى الذهن تساؤل بدهي: ما الأسس العلمية والمعايير البحثية الحاسمة التي على أساسها وصف المؤلف د. حسام أحمد عبد الظاهر، هذا العصر بأنه ذهبي؟ فلو كان يقصد التنمية الحضارية التي شهدتها الدولة العباسية، فالأمر لم يخلُ من ممارسات غير مسؤولة مثل الاستبداد والفساد بدرجات متفاوتة ومن حقبة زمنية لأخرى. أما لو كان يقصد بلوغ جهاز الشرطة درجة عالية من التنظيم والهيكلة، فكيف نتغاضى عن ممارسات دموية قمعية تتضمن الاغتيالات السياسية، تورط فيها هذا الجهاز وتتطرق إليها المؤلف نفسه؟
غير أن هذا الكتاب الصادر حديثاً عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، هو بحث علمي مدعم بالمصادر والجداول والتعريفات، أي بعبارة أخرى لا مكان فيه للرأي الشخصي أو الانطباعات الذاتية.
ويقصد المؤلف بالعصر العباسي الأول الفترة الممتدة من عام 750م حتى 846م، ودفعه لدراسة هذا الموضوع «ما للشرطة من مكانة كبيرة بوصفها أحد نظم الحكم الرئيسية».

أصول لغوية

بدايةً يوثّق الكتاب لكلمة «الشرطة»، مشيراً إلى تتعدد الآراء حولها، حيث يُرجعها البعض إلى أصول عربية مؤكداً أن الشرطة ترجع إلى «الأشراط» وهي العلامات التي تعارف أصحاب الشرطة على تمييز أنفسهم بها عن غيرهم. وهناك من يقول إن الشرطة سُمُّوا بذلك لأنهم جند مختارون؛ فشرطة كل شيء خياره. وهذا التفسير يعني أن رجال الشرطة هم نخبة السلطان من جنده، ولذلك فهم أول كتيبة تشهد الحرب.
وهناك آراء أخرى تُرجع أصل كلمة «الشرطة» لأصول غير عربية وأنها مأخوذة من النظام الأمني عند البيزنطيين المعروف بـ«سيكوريتاس» بمعنى الحفظ والطمأنينة، مما يستدعي كلمة «سيكورتي». وهناك من يُرجع كلمة «الشرطة» إلى الكلمة اليونانية «شورطس» بمعنى الحارس، وهي الكلمة التي انتقلت إلى اللغتين السريانية والكلدانية وأصبحت «شورطا» ثم عُرفت في اللغة الآرامية بـ«شرطو»، ثم انتقلت إلى اللغة العربية بصورتها المعروفة حالياً. ويرجح المؤلف الرأي الأخير لأنه لا يقتصر فقط على التشابه اللفظي بل يتعداه إلى التشابه في المعنى ويدلل على ما يقوله بالتتبع التاريخي لانتقال الكلمة من اليونانية إلى السريانية والكلدانية والآرامية ثم إلى العربية.
وكان الحجّاج بن يوسف الثقفي يشترط في صاحب الشرطة أن يكون «دائم العبوس طويل الجلوس سمين الأمانة أعجف الخيانة لا يحنق في الحق على جرة، يهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة»، وهذا النص يبيّن أن صاحب الشرطة في العصر الأموي كان من المأمول أن يتمتع بصفات الحزم والصرامة والمتابعة الدائمة للأمور والأمانة وإيثار الحق دائماً وعدم رالانطواء على الحقد والغل وعدم الاستجابة لشفاعة أحد من كبار الناس في عمله. وهذه الأوصاف تتفق مع طبيعة الحجّاج الذي عُرف بالقسوة والشراسة والميل للعنف.
ومن استعراض أسماء أصحاب الشرطة قبل العصر العباسي، يمكن ملاحظة اقتصار الاختيار على رجال القبائل العربية واعتماده على العنصر العربي، وهذا يتوافق مع سياسة الدولة في اختيار عمالها من أهل العصبية والقوة حيث يقوم رجال الشرطة بالكثير من المهام الحساسة؛ منها مرافقة الخلفاء والأمراء والولاة لتنفيذ أوامرهم وحراستهم وحمل الحربة بين أيديهم. ولم تقتصر الشرطة على ذلك، بل شملت كذلك حماية أرواح الناس وممتلكاتهم وعلى سبيل المثال، وقبيل العصر العباسي في بلاد العراق، بلغ استتباب الأمن في ولاية زياد بن أبيه «665م - 673م» إلى حد أن أحداً لم يجرؤ على التقاط أي شيء متروك على قارعة الطريق، وكانت الدور تُترك مفتوحة الأبواب! وكانت الشرطة تقوم بالتحقق من صحة المعلومات التي تأتي إلى الخليفة أو الوالي عن طريق الناس. ويشمل عمل رجال الشرطة في هذ الصدد مقابلة من يريد الإدلاء بالمعلومات والاستماع إليهم ثم التحقق من صحة تلك المعلومات عن طريق الفحص الدقيق والتفتيش الشامل وبعدها يتم رفع تقرير مفصل للخليفة أو الوالي به نتيجة هذه التحريات.

ديوان الشرطة

ويؤكد المؤلف أن أهمية الشرطة في العصر العباسي الأول تكتسب مكانتها من طبيعة الأعمال التي سعت إلى القيام بها، حيث أكد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور «754م - 775م» ذلك في قوله إن الأركان الأربعة التي لا يصلح المُلك إلا بها هي: القضاء، والخراج، والبريد، والشرطة. وبناءً على ذلك خصص ديواناً جديداً للشرطة لم يكن له وجود من قبل.
ويوضح المؤلف أنه من الممكن تعريف الديوان كتنظيم إداري بأنه يشتمل على أربعة جوانب أساسية هي: مكان وموظفون ودفاتر وسجلات. وكان لشرطة المدن في هذا العصر مقر رئيسي ومقرات أخرى فرعية حيث عُرف المقر الرئيسي باسم الشرطة أو دار الشرطة ومجلس الشرطة. وكان موقع مجلس الشرطة الرئيسي في بغداد بالقرب من باب الجسر الذي يربط بين شطري المدينة. وفي مصر كان ذلك المجلس أو دار الشرطة يقع في «الفسطاط» قبل جامع «عمرو بن العاص» وهي الدار التي جُددت سنة 828م. أما مقر الشرطة بخراسان فكان بالقرب من المسجد الجامع في مدينة مرو. وكان صاحب الشرطة في بغداد يتم تعيينه من الخليفة العباسي نفسه، أما في الولايات فكان يخضع لإرادة الوالي غالباً. وفي حالات نادرة جداً يقوم الخليفة باختيار شخص ما وتعيينه في منصب صاحب شرطة إحدى الولايات. وعلى سبيل المثال حدث ذلك في مصر خلال العصر العباسي الأول حين بعث الخليفة المأمون برجل يسمى ابن سطام سنة 832م ليكون صاحب الشرطة في مصر. وقد يفسر ذلك الوضع الاستثنائي المخالف للمعتاد بأن الحالة الأمنية في مصر آنذاك كانت تحتّم ذلك؛ إذ كانت البلاد المصرية في هذه الفترة تعيش فتنأ داخلية واضطرابات كبيرة.
ويستعرض المؤلف أشهر فئات الشرطة في هذا العصر مثل «العسعس» وهم أصل الشرطة ونواتها التي منها تطورت حتى أصبحت نظاماً كاملاً من نُظم الدولة خلال العصر العباسي الأول. ويعرف «العسعس» بأنهم الجنود الذين يطوفون ليلاً بحثاً عن أهل الريبة، ونتيجة قيامهم بمهمة الطواف هذه أُطلقت عليهم مسميات «الطواف» أو «الطائف» أو «أصحاب الطوائف». وفي الأندلس عُرفوا إلى جانب اسم «العسعس» بمسمى آخر وهو الدرَّابون. ومن البدهي أنه يقوم رجال «العسعس» بأداء المهام المكلفين بها خير قيام حيث كان صاحب الشرطة يختارهم من بين رجاله الذين يتصفون باليقظة والنشاط والبصر الثاقب والذهن اللماح.
وفيما يتعلق بملابس الشرطة فقد كان لهم زي خاص يميّزهم عن باقي رجال الدولة العباسية، وفي ذلك الشأن يقول الجاحظ (868م): «لكل قوم زيٌّ؛ فللقضاة زيٌّ وللشرط زيٌّ». كما يذكر صاحب «كتاب الاقتضاب» أن رجال الشرطة كان لهم زي يُعرفون به. ويشير بعض الشواهد إلى أن هذا الزي كان عبارة عن قباء، وهو ثوب يُلبس فوق الثياب ضيّق الكمّين والوسط مشقوق من الخلف وهو أعون على الحركة. وهذا القباء كان أسود اللون ويرتديه صاحب الشرطة طوال فترة عمله بالشرطة، ويبيّن ذلك أنه لما أراد أبو البختري، والي المدينة في عهد الرشيد، تولية سعيد بن عمرو الزبيري الشرطة ألبسه السواد، ولما عزله قال له: «اخلع سوادنا».

مهام وأدوار متنوعة

يذكر المؤلف أن الكلاب البوليسية التي تًستعمل حالياً عُرفت أيضاً في العصر العباسي، وهناك مصادر تدل على أن رجال الشرطة آنذاك استخدموا بعض الكلاب لمساعدتهم في أداء مهامهم الأمنية. وتعد الحراسة إحدى المهام الرئيسية المعروفة عن الكلب، وفي ذلك ضُرب المثل العربي القديم «أحرس من كلب». ويقول الجاحظ في هذا الصدد: «ليس لحارث الناس ولحارس أموالهم بدٌّ من الكلب»، ولذلك كان يوجد كلب مخصص لكل حارس.
ومن مهام الشرطة حراسة الخلفاء والولاة وذلك لحماية أرواحهم سواء في مجالسهم أو في قصورهم ومنازلهم عامة. وكانت الشرطة ترافقهم في تجوالهم ومواكبهم أو في سفرهم. ويأتي أصحاب الشرطة في مقدمة العناصر التي كان الحكام، خلفاء أو ولاةً، يستشيرونها فيما يواجهونه من أمور. ومما يُروى في هذا الشأن أن والي خراسان أبا مسلم الخراساني لما جاءه أمر الخليفة المنصور بالقدوم إليه استشار صاحب شرطته نصر بن مالك الذي نهاه عن ذلك خوفاً من غدر المنصور، إلا أن أبا مسلم لم يأخذ برأي صاحب شرطته وذهب إلى المنصور فكان مصرعه. وكان المنصور نفسه يطلب مشورة المسيب بن زهير، صاحب شرطته بقوله: «قل فلا استغشك».
وتعد الرقابة من وسائل الشرطة المهمة في مكافحة الجريمة وضمان استقرار نظام الدولة العباسية وأمنها السياسي والاجتماعي والثقافي. واشتملت هذه الرقابة على نوعين؛ أولهما رقابة على الأماكن المشبوهة كالحانات والمقاهي والحمامات وأماكن الشرب واللهو، والآخر رقابة على الأشخاص الخطرين على الأمن مثل الغرباء والمشاغبين والمنحرفين والمشبوهين وأصحاب البدع والمخالفين ومثيري القلق.ويلفت المؤلف إلى أن هناك مهمة أخرى لجهاز الشرطة تتمثل في تتبع الخصوم السياسيين للدولة العباسية، المخالفين لسياستها، أو من يقومون بالتحريض ضدها.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».