يزخر الفن المصري المعاصر بموضوعات فلكلورية ورموز تراثية وأسطورية عديدة فتحت أمام التشكيليين آفاقاً واسعة للإبداع، والفنان مصطفى بط من الفنانين الذين عرفوا كيف ينهلون من معين الجذور بأسلوب يتجه إلى المدرسة السريالية، وفي معرضه الجديد الذي لم يختر له عنواناً، في قاعة «الباب سليم» بساحة الأوبرا المصرية، بوسط القاهرة، يعرض الفنان مجموعة من لوحاته التي تجمع ما بين الخيال والأسطورة والموروثات الشعبية.
تعكس اللوحات ثقافته الواسعة وتواصله الدؤوب مع بيئته؛ ذلك أن استعانته بعناصر مصرية أصيلة لا يأتي بها كضرب من التباهي، أو التكرار الممقوت؛ فلم يحشد أساطيره وحكاياته ورموزه على مسطح اللوحات بلا هدف، إنما ساعد المشاهد من خلالها على الدخول إلى روح التراث المصري؛ ليضع كل عنصر في مكانه؛ ومن ثم تحول إلى وسيلة لإثراء اللوحة ومنحها أبعاداً رمزية متعددة.
يقول الفنان مصطفى بط لـ«الشرق الأوسط»: «ولدت في منطقة ريفية بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، وكان من الطبيعي أن أتأثر بهذه النشأة للغاية، لا سيما أن بيتي كان على مقربة من نهر النيل، من دون أسوار أو كورنيش؛ ما جعلني حين كنت طفلاً صغيراً أتأمل طويلاً المياه والطمي، الذي استخدمته فيما بعد كخامة فنية أصنع منها المنحوتات المختلفة إلى جانب لوحاتي».
ويتابع «لكن كان أكثر ما يستحوذ على وجداني في مسقط رأسي هو البيوت التي يبنيها الفلاح بيديه من الطين مازجاً إياه بمشاعره وعرقه ولحظات مشقته»، ويواصل «إن البيوت بالنسبة لي كانت بمثابة كتلة من الأحاسيس، لا سيما أنها كانت تحتضن أكثر من أسرة من العائلة الواحدة؛ ما يحولها إلى مكان يشع دفئاً أسرياً مكثفاً ومتواصلاً وملهماً أيضاً؛ لذلك فإنني حين أرسم البيوت الريفية وما تضمه أو ما يجاورها من عناصر بيئية إنما أضع مشاعري وذكرياتي المتدفقة على المساحات البيضاء؛ ولذلك أيضاً لا أقدم تصوراً فنياً مسبقاً أو ما يعرف بالاسكتشات حين أرسم، إنما فقط ما أفعله هو استعادة تلك الأجواء القديمة والروائح، والصور، وحتى الألوان وأصوات الطبيعة المختلطة استحضرها كذلك وأحولها إلى كيان ينبض بمصر على مسطح لوحاتي».
التنوع السخي في الاستعانة بالرموز التراثية من المعطيات التي يستغلها بط للنهوض بتجربته الفنية، وإيصال رسالته، حيث تعيش تلك المعطيات في أعماق النفس الإنسانية، تحف بها هالة من القداسة والإكبار؛ لأنها تمثل الجذور الأساسية لتكوين أي فرد فكرياً ووجدانياً، ومن هنا ورغم الطابع المحلي أو الغوص في عناصر البيئة المصرية خاصة الريفية في لوحاته، فإنها تنجح في جذب المتلقي في أي مكان أو ثقافة ومحاورته ولمس شيء ما داخله، ويزيد من ذلك بساطة أسلوبه الفني في أعماله.
يعتبر الفيلسوف كلود ليفي ستراوس، أن «الناس في عصرنا ينظرون إلى الأسطورة کأحداث متخيلة، أو ملفقة، بينما کان يُنظر إليها في المجتمعات القديمة بتقدير وکأنها تاريخ حقيقي، وفي الريف المصري تستطيع أن تستشعر هذا المعنى جيداً، حيث يشغي التراث الشعبي بقصص وحكايات وأساطير لها قدرها ومكانتها الخاصة، إن أبناء الريف يتنقلون بسلاسة ما بين الحكايات الشعبية، والأشعار والقصائد المتغنى بها، وقصص الجن الشعبية، والقصص البطولية، والأساطير، والمفاهيم الخرافية».
ولا شك أن ذلك انعكس بدوره على فكر أبناء القرى ومخيلتهم، كما مثل مصدراً للإلهام لهم، فحين تنظر إلى شخوص مصطفى بط الخرافية القادمة من عالم الأساطير يتأكد لك إلى أي مدى يقدّرها ويمنحها مساحة سريالية تليق بمكانتها في مخيلته، حتى أنها تبدو وكأنها قفزت من داخل الحكايات الشعبية التي سمعها في فترة طفولته ومراهقته في قريته، ومنها «أمنا الغولة» و«النداهة» إلى أعماله.
إلى هذا، تشكل فضاءات التراث تحدياً حقيقياً بالنسبة لبط على مستوى الموقف الفكري، والتشكيل الجمالي، يتشابك معه ويستلهم منه ساعياً في الوقت ذاته للمواءمة مع لغة تشكيلية معاصرة، يقول «التراث أحد مصادر الإلهام الرئيسية التي لا يفلت منها فنان لا سيما ذلك الذي عاش في الريف، وأرى أن التشكيلي عليه أن يعود إلى التراث، ليستطيع البناء عليه، ففي التراث أصالة تغني اللوحات وتجعلها أكثر قدرة على الحضور والبقاء لأن النفس الإنسانية بطبيعتها تشعر بالحنين نحو القديم انطلاقاً من الاقتناع بأن ذلك يحافظ على جذور الأجداد من الطمس».
تتمتع اللوحات وعددها نحو ثلاثون لوحة بمعالجة لونية خافتة مزج فيها ما بين ألوان الأخضر والبني والأبيض والأصفر الهادئ والأزرق الخفيف؛ ما منحها إحساساً بالصفاء والنقاء والتماهي مع الطبيعة، إلى جانب رصانة التكوين الذي استدعى عناصر ورموزاً وأشكالاً من التراث والأساطير.
12:21 دقيقه
سرد تشكيلي للقرية المصرية عبر لغة مفعمة بالأساطير
https://aawsat.com/home/article/3463691/%D8%B3%D8%B1%D8%AF-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D8%A8%D8%B1-%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D9%85%D9%81%D8%B9%D9%85%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%B1
سرد تشكيلي للقرية المصرية عبر لغة مفعمة بالأساطير
من خلال معرض يضم 30 لوحة للفنان مصطفى بط
لوحة تعبّر عن مفهوم «الهيمنة»
- القاهرة: نادية عبد الحليم
- القاهرة: نادية عبد الحليم
سرد تشكيلي للقرية المصرية عبر لغة مفعمة بالأساطير
لوحة تعبّر عن مفهوم «الهيمنة»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

