23 فيلم «وسترن» جديداً... وفي كل استوديو سيناريو ينتظر

مرّت بمتغيرات وترفض أن تموت

«السقوط الصعب»
«السقوط الصعب»
TT

23 فيلم «وسترن» جديداً... وفي كل استوديو سيناريو ينتظر

«السقوط الصعب»
«السقوط الصعب»

في سابق زمانه، كان نهر كولورادو من العمق والعرض بحيث لا يمكن اجتيازه إلا مجازفة وفي مناطق محددة. نهر كبير بطول 2330 كلم من الماء المتدفق من جبال روكي، شمالي ولاية كولورادو، وصولاً لمصبّه النهائي في خليج ولاية كاليفورنيا ماراً بولايات يوتا ليشق طريقه في أريزونا ونيفادا وكاليفورنيا قبل أن يصب في البحر على بعد 15 كلم من مدينة يوما في ولاية أريزونا.
سكنت أراضيه قبائل هندية عديدة من بينها هنود يوتا (اسم الولاية مشتق منها) وهوهوكم ونافايو وموهافي وكويشان وأباتشي، القبيلة الأشهر بينها. هذا إلى جانب ستة قبائل أخرى موزّعة على طول خط سيره.
اليوم يعاني النهر جفافاً ناتجاً عن قلة الأمطار ومساحات المزارع الواسعة التي تحيط به والتي تتطلب الكثير من الري.
الجفاف الموازي لهذا الوضع هو ذاك الذي تعيشه سينما الوسترن الأميركية. مثل ذلك النهر، كانت نشطة ومتدفقة ومتعددة. قبل نهاية الخمسينات كانت هناك نسبة عالية من أفلام الوسترن، رئيسية وغير رئيسية، تقدر بنحو 300 فيلم في السنة. النسبة بدأت تقل في الستينات. في الثمانينات أصاب الوسترن جفاف ملحوظ ما زال مستمراً إلى اليوم، مقارنة بما كان عليه هذا النوع من الأفلام سابقاً. ما بقي يشبه مستنقعات مائية قليلة حاضرة لكي تشي بالماضي أكثر مما تعد بمستقبل زاهر.

206 جوائز
لم يتوقف إنتاجها خلال السنوات القليلة الماضية. في كل عام هناك ما بين 20 و25 فيلماً وسترن أميركي جديد. في العام الماضي، 2021. بلغ العدد 23 فيلماً بعضها شهد عروضاً في صالات السينما، لكن معظمها توجه للعروض المنزلية إما من على المنصّات مباشرة أو بطرحها على أسطوانات.
ثلاثة أفلام رئيسية من بين هذه المجموعة تداولها الجمهور أكثر من سواها واهتم بها النقاد: «قوّة الكلب» لجين كامبيون وهو وسترن حديث (أي أن أحداثه تقع في القرن الماضي وليس ما قبله) و«السقوط الصعب (The Harder They Fall) لجيمس سامويل (بطولة سوداء) و«هنري العجوز» لبوتسي بونسيرولي الذي شهد إعجاباً عندما تم عرضه في دورة مهرجان «فينيسيا» الأخيرة.
‫«قوّة الكلب» وسترن حديث، أي أن أحداثه تقع في القرن الماضي وليس قبله. وهو كأفلام كلينت إيستوود في الثمانينات وكفن كوستنر في التسعينات عزز حضور النوع بنجاح ملحوظ (نال 206 جوائز من مناسبات سنوية ومحافل وجمعيات نقدية ومهرجانات. ‬ ويُنتظر له أن يكون حصاناً صعب المراس في سباق الأوسكار المقبل، ‬لجانبه والفيلمان الآخران، هناك أفلام جيدة ولو أنها لم تستطع استيعاب حجم إقبال كبير من بينها «الابن الأخير» (The Last Son) لتيم ساتون و«آخر مبارزة»» (The Last Shoot Out) لمايكل فايفر و«المرأة التي سرقت العربة» (The Woman Who Robbed the Stagecoach) لترافيز ميلز و«مجرم مفقود» (Lost Outlasw) لداريل مابسون و«ذا بلزنت فالي وور» (The Pleasant Valey War) لترافيز ميلز أيضاً.
رغم أن معظم هذه الأفلام لا تحقق انتشاراً مرضياً لمنتجيها، فإنها توفرت في السنة الماضية وتوفرت طوال العشرين سنة السابقة كما لو أن صانعيها مصرّون على تحقيقها لأسباب عاطفية ونوستالجية أكثر منها واقعية.
لكن هذا بدوره غير مؤكد بالنظر إلى الإقبال الكبير الذي حظي به مسلسلان تلفزيونيان في العام الحالي وهما «يَلو ستون» مع كفن كوستنر («دانسينغ وذ وولفز») و«1883» مع سام إليوت (بدوره أحد وجوه الوسترن المخضرمة).

قوّة النوع
التقيت مؤخراً في بلدة بالم سبرينغز، ومن دون موعد، مع روجر فرابيير، أحد منتجي فيلم «قوّة الكلب» المحتفى به. لم يدم الحديث بيننا أكثر من عشر دقائق قبل أن يستأذن لركوب سيارته والانطلاق عائداً إلى لوس أنجليس. عشر دقائق كانت كافية لأن أطرح عليه السؤال الأكبر في بالي: ما سر قوّة الاستمرار في إنتاج أفلام الوسترن.
الأفلام الموسيقية قليلة. التاريخية قليلة. البوليسية التي تعتمد على الألغاز قليلة… لكن لماذا الوسترن ما زال يحظى بهذا الاهتمام… 23 فيلماً ليس بالعدد القليل.
أجاب: «أسأل كل من يخرج أو يمثل فيلم وسترن اليوم وغالباً سيقول لك لو توفر لي الاكتفاء بتحقيق هذا النوع من الأفلام للأبد، لما رفض. إنه الإرث الأميركي. تاريخنا الوحيد ثم حب وضع الصراع بين الخير والشر متقابلين بكل بساطة ومن دون عقد».
يرى فراميير أن الموجة ليست موجة بالفعل: «لو كانت موجة لتوقفت منذ سنوات. لكنه حب العزوف عن مواضيع الحاضر والعودة إلى الأمس. عندي حالياً سيناريوهان من هذا النوع وأعلم أن أكثر منها متوفر عند كل منتج وستوديو. معظمها ينتظر عودة النجاح التجاري للنوع لكي ينطلق. لكنها ليست موجة مطلقاً».
الوسترن هو إرث أميركي بالتأكيد ولأنه كذلك يبقى فيها أكثر مما يخرج للعرض خارجها.
هذا الإرث كانت له صولاته وجولاته لدى جماهير الفيلم العربي في الأربعينات والخمسينات والستينات. في الستينات بدأ النقد السينمائي عندنا ينظر إلى هذه الأفلام بتعالٍ واضح. لم يجد فيما تقصّه تلك الأفلام إلا حكايات الصراع على الأرض والذهب والمعارك بين قبائل المواطنين الأصليين والجنود الزرق. بالنسبة للنقد، تلك الأفلام لم تكن أكثر من اجترار لمفهوم البطولة فارغاً من أي معنى أو قيمة باستثناء قيمة البطولة الفردية في فيلم «يخدم الإمبريالية الأميركية»، كما كان يذهب البعض للقول.
لم يواجه أحد هذا المفهوم بإيضاح حقيقة أن أفلام الخمسينات اختلفت عن أفلام الأربعينات وما قبلها. تلك البعيدة كانت قريبة تماماً من مفاهيم القوّة المفرطة، حيث كان على الهندي الأحمر أن يُقتل لأنه متوحش ويرفض المدنية التي جاء بها الرجل الأبيض. عدائي لا يؤمن له وغزواته العشوائية التي تنتهي بقتل الأبرياء كان لا بد من مواجهتها بالقوّة.
لكن الخمسينات اختلفت. تميّزت بعدد من الأفلام التي تجاوزت «الستيريوتايب» المعمول به سابقاً وذلك بدءاً من «سهم مكسور» لأحد كبار مخرجي النوع دلمر ديفيز. هنا يحاول جيمس ستيوارت (واحد من وجوه الوسترن الأهم) ينقذ صبياً هندياً من الموت وينقله إلى خيام القبيلة، حيث يلتقي بحبه الأول ويجد نفسه في وسط شعب لا يعتدي على أحد إلا إذا اُعتدي عليه. الفيلم حمل مفهوماً جديداً ونال إعجاباً كبيراً (نال غولدن غلوبز ورشح لثلاثة أوسكارات).
لم تكن النظرة المختلفة للصراع بين الأميركيين الأصليين والأميركيين الآتين من أوروبا هي الوحيدة التي تغيّرت، بل دخلت سينما الوسترن في الخمسينات مرحلة تحوّل فني بحيث أنجبت أكبر عدد من الأفلام ذات المكانة الفنية بصرف النظر عما تطرحه.
من بين هذه الأفلام «البلد البعيد» (The Far Country) لأنطوني مان (أحد ستة أفلام وسترن رائعة لهذا المخرج في تلك الحقبة)، و«مبارزة عند أوكي كورال» (Gunfight at O‪.‬K Corral) لجون ستيرجز و«شَين» (Shane) لجورج ستيفنز و«سبع رجال من الآن» (Seven Men From Now) و«بوكانن يرحل وحيداً» (Buchanen Rides Alone)، كلاهما لبد بويتيكر (اسم كبير آخر في صنع أفلام الوسترن) و«منتصف الظهيرة» (High Noon) لفرد زنيمن من بين أفلام عديدة أخرى.‬

نضج فني
موقف النقد العربي المستعلي على النوع منع نفسه من النظر إلى الفوارق بينما استرعى اهتمام النقاد الأوروبيين ذلك المنحى الفني والإنساني الذي أخذت أفلام الوسترن تتمتع به. في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والدول الاسكندنافية أخذت الأنظار تتوجه إلى مخرجي هذه الأفلام بإعجاب ملحوظ. هنري هاذاواي وهوارد هوكس وراوول وولش وجون فورد ورعيلهم الذي بدأ الإخراج من الثلاثينات أصبحوا موضع دراسات النقاد في «كاييه دو سينما» و«بوزيتيف» و«سينما» وما صاحبها من مجلات نقدية رصينة.
نقاد السينما الغربيون هم من اكتشف كذلك قيمة أعمال بد بوويتيكر وجورج ستيفنز ودلمر ديفز وأنطوني مان وأندريه دتوث وروبرت ألدريتش وفريتز لانغ وغيرهم من الذين نشطوا في الخمسينات ومنحوا سينما النوع ملامح جديدة.
الفارق بين أفلام ما قبل الخمسينات وما بعدها كبير، لكنه ينضوي تحت حقيقة أن المخرجين المذكورين (سواء بدأوا العمل في الثلاثينات كما هوكس وفورد وسواهما أو من الذين أمّوا تحقيق أفلام الوسترن في فترة لاحقة (ديفز، ألدريتش، مان... إلخ) اشتغلوا على أنفسهم وعلى المعالجة وما استطاعوا حشده من حكايات جديدة.
في «ونشستر 73» لأنطوني مان (1950) حكاية تتمحور حول بندقية فاز بها جيمس ستيوارت وسرقها منه ستيفن مكنالي، لكنه خسرها في لعبة قمار لرجل ثالث، وهذا خسرها لرئيس قبيلة. البندقية سريعة الطلقات وقعت بين يدي ضابط في الجيش لفترة وجيزة لكنه أهداها لرجل ساعد صد الهجوم الذي قام به الهنود وهذا خسرها لشرير (دان دوراي) وهذا خسرها لمكنالي مرّة أخرى. كل هذا وبطل الفيلم يلاحقها من مكان لآخر.
في فيلم آخر لمان «المهماز العاري»، The Naked Spur سنة 1953) حكاية رجل قانون (جيمس ستيوارت) ينوي القبض على الشرير (روبرت رايان) طمعاً في المكافأة وكيف تتدخل عوامل عديدة تفرض حلولاً مفاجئة. أما في «القانون وجاك وايد» (The Law and Jake Wade) لجون ستيرجز (1958) نجد روبرت تايلور أسير رتشارد ودمارك الذي يريد استعادة مال مسروق.
في هذه الأفلام- العيّنات الثلاث هناك هنود حمر، لكن المسألة لم تعد أخياراً بيض وأشراراً حمر، بل تفعيلة لا تخلو من واقعية الحياة في تلك الآونة. والإخراج في قممه دوماً ليس على طريقة الأفلام الأوروبية ذات المنحى الذاتي والمنتمية إلى سينما المؤلف بخطوطها العريضة، بل على نحو تقديس فن سرد الرواية ومضامينها المختلفة على أفضل وجه.
في الستينات انتشر «الوسترن سباغتي»، سُمي هكذا رغم أن العديد من الإنتاجات كان ألمانياً وإسبانياً لجانب ما هو إيطالي. معظمها شوه الغرب ولم يفهم ثقافته مكتفياً بقصص بطولية عنيفة مع لقطات زووم وأخرى قريبة. حتى صوت الرصاص فيها كان مزيّفاً بالمقارنة.
لكن الاستثناء الأنجح كان من نصيب سيرجيو ليوني الذي جلب كلينت إيستوود لبطولة ثلاثة أفلام حققها تباعاً وباتت كلاسيكية. بعدها عاد إيستوود للوسترن الأميركي تحت إدارة دون سيغل وجون ستيرجز ثم تحت إدارته نفسها بعدما أم الإخراج ولا يزال.


مقالات ذات صلة

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب.

فيفيان حداد (بيروت)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.