افتتاح أول مختبر إيطالي لصيانة المخطوطات العراقية

يسعى لصيانة وتأهيل أكثر من 40 ألف وثيقة نادرة

وزير السياحة والآثار العراقية عادل فهد الشرشاب في جولة بالمتحف ({الشرق الأوسط})  -  مخطوطة تعرضت للتلف
وزير السياحة والآثار العراقية عادل فهد الشرشاب في جولة بالمتحف ({الشرق الأوسط}) - مخطوطة تعرضت للتلف
TT

افتتاح أول مختبر إيطالي لصيانة المخطوطات العراقية

وزير السياحة والآثار العراقية عادل فهد الشرشاب في جولة بالمتحف ({الشرق الأوسط})  -  مخطوطة تعرضت للتلف
وزير السياحة والآثار العراقية عادل فهد الشرشاب في جولة بالمتحف ({الشرق الأوسط}) - مخطوطة تعرضت للتلف

في خطوة جديدة تسعى معها وزارة السياحة والآثار العراقية إلى مواجهة حملة تخريب الإرث الثقافي والحضاري للبلاد من قبل عصابات «داعش» الإرهابية، شهد المتحف الوطني العراقي في العاصمة بغداد، افتتاح أول مشفى لمعالجة المخطوطات في تاريخ دائرة الآثار منذ تأسيسها قبل نحو قرن من الزمان، يتولى تأهيل وصيانة وحفظ أكثر من 40 ألف مخطوطة عراقية نادرة، يمتد عمر بعضها إلى ألف عام ولم يجر عليها أي عمليات صيانة سابقة، تعرضت 45 في المائة منها للضرر.
وزير السياحة والآثار العراقية عادل فهد الشرشاب أعلن في مؤتمر صحافي برفقة السفير الإيطالي في بغداد ماسيمو ماروتا عن افتتاح المشفى الذي أهدته إيطاليا لدائرة الآثار والتراث، وهو يضم أجهزة مختبرية بتقنية عالية لصيانة المخطوطات مع أجهزة أخرى للمتحف العراقي، وتبلغ كلفته التقديرية 250 مليون يورو، وهو بمثابة «نصر ثقافي» جديد يضاف إلى جملة المنجزات المتحققة لأجل الرد على هجمة الإرهاب على حضارة وتاريخ العراق.
والجدير بالذكر أن المئات من المخطوطات العراقية تعرضت خلال عام 2003 وما بعده إلى أضرار واسعة نتيجة عمليات النهب والسلب الواسعة التي شهدتها البلاد، بعد الاجتياح الأميركي للبلاد، إضافة لعدم الاهتمام بهذه المخطوطات أصلا قبل ذلك العام، وحصول بعض السرقات والضياع من المتاحف في عام 1991 بعد أن تم نقلها لمتاحف بعيدة. فيما تسبب نقلها في صناديق إلى أماكن آمنة بعد اضطراب الأوضاع الأمنية عام 2003، في تعرضها للتلف أكثر جراء عدم مراعاة خزنها وحفظها بشكل مناسب.
وكان تنظيم داعش قد نهب ودمر وجرف الكثير من المواقع الأثرية في المناطق التي استولى عليها في العراق، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، متحف الموصل، ومدينتا نمرود والحضر، في نينوى، فضلاً عن الكثير من المواقع الدينية التي تحتوي على المكتبات التي تضم الوثائق والمخطوطات النادرة.
وسبق أن حذرت هيئة الآثار والتراث العراقية من محاولات لتهريب عدد من المخطوطات العراقية النادرة، في عدد من مراكز الحفظ في مدينة الموصل، إلى داخل الأراضي التركية، من بينها مصحف نادر يعود إلى أواخر العهد العباسي.
وقد دان مجلس الأمن الدولي في الثامن والعشرين من فبراير (شباط) من 2015، ما وصفه بأحداث «أعمال بربرية إرهابية» لتنظيم داعش في العراق، بما في ذلك تدمير آثار دينية وثقافية نفيسة، مؤكدًا على ضرورة «دحر ذلك التنظيم والقضاء على التعصب والعنف والكراهية التي يعتنقها»، وعدت عمليات التخريب تلك بأنها «جرائم ضد الإنسانية».
وزير السياحة العراقي قال في المؤتمر الصحافي: «مشفى صيانة المخطوطات المتطور مهم جدا في ترميم وصيانة ومعالجة المخطوطات العراقية البالغ عددها أكثر من 40 ألف مخطوطة، قسم منها يعود تاريخه إلى ألف عام تضرر قسم كبير منها».
وأضاف: «هناك كادر عراقي متطور تم تدريبه سيباشر عمله فورًا في هذا المشفى، والوزارة لديها مشاريع عمل كثيرة مع إيطاليا في ما يتعلق بالآثار، وكذلك ستكون هناك فرق تنقيب إيطالية تعمل في العراق».
وأشار إلى أن «اليابان قدمت قبل أسابيع منحة مالية تقدر بنحو 1.5 مليون دولار لمسح جميع المواقع الأثرية وأرشفتها وتصويرها بطريقة حديثة».
وأكد: «إن وصول المشفى جزء من حزمة إجراءات تمت وإنجازات قادمة للرد الثقافي على تخريب (داعش)، تنصب على زيادة البعثات التنقيبية وافتتاح المتاحف من بينها كان افتتاح المتحف العراقي في بغداد ومتحف الناصرية في ذي قار ودار بيت الشاعر بدر شاكر السياب في البصرة ومتحف الزعيم عبد الكريم قاسم في بغداد مؤخرًا، وحملة تأهيل قاعات آشورية وإسلامية في المتحف الوطني وافتتاح مواقع تراثية مهمة مثل المدرسة المستنصرية والمدائن والعمل متواصل لتأهيل قاعة المرجاني ونحن بصدد افتتاحها نهاية العام الحالي، وسيتم افتتاح متحف السماوة في محافظة المثنى ومتحف الكوت في محافظة واسط».
وختم شرشاب كلمته بتقديم شكره إلى السفير الإيطالي على ما قدمته إيطاليا من خدمات ومساهمات في تأهيل قاعات المتحف العراقي، كذلك إلى منظمة اليونيسكو على تعاونها الإيجابي وسعيها الدؤوب للحفاظ على آثار العراق وموروثه الحضاري.
بدوره أكد السفير الإيطالي في العراق ماروتا «أن افتتاح المشفى هو ثمرة لجهد وتعاون استمر لعدّة سنوات مضت»، معربا عن أن بلده إيطاليا قد دأبت منذ عام 2003 على تقديم أفضل خبرائها في مجال الآثار والتراث لمساعدة العراق في الحفاظ على مواقعه الآثارية وموروثه التاريخي القديم.
عن تأهيل المخطوطات العراقية في المتحف العراقي يقول مدير القسم الفني لصيانة وترميم المخطوطات في المتحف العراقي رحيم السلامي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيت وزملاء لي تدريبات كثيرة في دول لديها تخصص في صيانة المخطوطات وكذلك كيفية استخدام الأجهزة الجديدة، من دول الجيك وإيطاليا آخرها في مصر عام 2015 حول صيانة الآثار والتراث، وكيفية التعامل مع الأثر المنقول (المخطوطة)».
وأضاف: «كنا شبه متوقفين خلال تلك الفترة، والآن لدينا عمل كثير بوجود هذه الأجهزة المهمة في تسهيل ودقة العمل، إذ تعد إيطاليا من الدول الرائدة في مجال صيانة المخطوطات، وعملنا سيكون على مرحلتين الأولى صيانة المخطوطات وحمايتها من الحشرات والفيروسات ومن ثم توثيقها وأرشفتها وخزنها في مخازن مثالية مزودة بأجهزة تحسس عالية من حيث الحرارة والرطوبة والغبار وغيرها، وستكون هناك قاعات جديدة لعرض تلك المخطوطات بشكل دائم أمام الزوار.
أما خولة محمد علي الموظفة التي تعمل في الأرشفة والتوثيق فأكدت أنهم بحاجة إلى وقت وجهد كبير لأجل توثيق كامل المخطوطات العراقية، كونها لم تجر عليها أي عملية أرشفة من قبل، وقدرت أن نهاية العام الحالي ستشهد إنجاز 50 في المائة من أعمال التوثيق لكامل المخطوطات باستخدام ثلاث كاميرات ضوئية حديثة للتصوير، ضمن المشفى الإيطالي.
ورحبت د. أميرة عيدان المدير العامة للمخطوطات العراقية (مديرة المتاحف العراقية سابقًا) بقدوم المشفى الذي طال انتظاره، وقالت في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة الإيطالية أهدت المشفى للعراق منذ نحو عامين لكنها اشترطت أن خبراءهم هم من يفتتحونه ويدربون العراقيين عليه، وهذا ما حصل وتم تدريب موظفي المتحف في المعهد العراقي في أربيل، وبسبب الأوضاع الأمنية تأخر قدوم الخبراء حتى الآن».
وعن أهمية المشفى للمخطوطات قالت: «لدينا مخطوطات مهمة ونادرة تحتاج للصيانة والتأهيل مثل مخطوطات كتاب (نهج البلاغة) للإمام علي، ومصاحف نادرة كتبت بخط اليد بعضها من الذهب والفضة وعليها زخارف قديمة، استخدمت فيها نوعية ورق ممتازة تقاوم تقدم الزمن وتقلبات المناخ، لكنها مع الأسف لم تجر عليها أي عملية صيانة منذ تأسيس دار المخطوطات العراقية».
وتعد دار المخطوطات هي الدائرة المركزية المسؤولة عن المخطوطات في العراق وتعد من أهم مراكز المخطوطات في العراق والوطن العربي، جاءت أهمية الدار كونها تحتفظ بعدد كبير من المخطوطات بلغ عددها ما يقارب 45746 مجلدًا، تتضمن المصاحف والمعارف والآداب والفنون المنوعة والطب وتمتد إلى فترات تاريخية مختلفة، وخصوصا القرن الرابع والخامس الهجريين من بينها مجموعة من المخطوطات النفيسة والنادرة والفريدة والمزوقة والمخطوطات المكتوبة بأقلام مؤلفيها، كما احتوت على الكثير من اللوحات والرقع الخطية والزخارف التي خطها مشاهير الفنانين والخطاطين العرب والمسلمين.
وكانت الخطوة الأولى لجمع المخطوطات عام 1940 عبر شعبة المخطوطات التابعة لدائرة الآثار والتراث، بعد صدور قانون الآثار رقم 59 لسنة 1963 بعدها شرعت الدائرة في اقتناء مخطوطاتها فكانت بداية المسيرة لجمع المخطوطات، ويعد كتاب «معجم البلدان» لياقوت الحموي المتوفى سنة 626ه/ 1229م هو أول مخطوطة تحمل رقم 1 في سجلات الدائرة، وتصاعدت أعداد المخطوطات في الشعبة حتى أصبحت قسمًا في عام 1961 عندما نقلت المخطوطات من بناية المتحف العراقي لتستقر في إحدى قاعات المدرسة المستنصرية، وقد بلغت المخطوطات آنذاك 2250 مخطوطًا.
وبعد صدور قانون الآثار رقم 120 لسنة 1974 المعدل الذي وفر حماية أكبر للمخطوطات باعتبارها ثروة وطنية، ومن هنا بدأ الاهتمام الفعلي بالمخطوطات، حتى أصبحت مديرية قائمة بذاتها وكادر متخصص ومتميز يعملون في كل الأوقات والظروف على حمايتها والحفاظ عليها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».