في خطوة جديدة تسعى معها وزارة السياحة والآثار العراقية إلى مواجهة حملة تخريب الإرث الثقافي والحضاري للبلاد من قبل عصابات «داعش» الإرهابية، شهد المتحف الوطني العراقي في العاصمة بغداد، افتتاح أول مشفى لمعالجة المخطوطات في تاريخ دائرة الآثار منذ تأسيسها قبل نحو قرن من الزمان، يتولى تأهيل وصيانة وحفظ أكثر من 40 ألف مخطوطة عراقية نادرة، يمتد عمر بعضها إلى ألف عام ولم يجر عليها أي عمليات صيانة سابقة، تعرضت 45 في المائة منها للضرر.
وزير السياحة والآثار العراقية عادل فهد الشرشاب أعلن في مؤتمر صحافي برفقة السفير الإيطالي في بغداد ماسيمو ماروتا عن افتتاح المشفى الذي أهدته إيطاليا لدائرة الآثار والتراث، وهو يضم أجهزة مختبرية بتقنية عالية لصيانة المخطوطات مع أجهزة أخرى للمتحف العراقي، وتبلغ كلفته التقديرية 250 مليون يورو، وهو بمثابة «نصر ثقافي» جديد يضاف إلى جملة المنجزات المتحققة لأجل الرد على هجمة الإرهاب على حضارة وتاريخ العراق.
والجدير بالذكر أن المئات من المخطوطات العراقية تعرضت خلال عام 2003 وما بعده إلى أضرار واسعة نتيجة عمليات النهب والسلب الواسعة التي شهدتها البلاد، بعد الاجتياح الأميركي للبلاد، إضافة لعدم الاهتمام بهذه المخطوطات أصلا قبل ذلك العام، وحصول بعض السرقات والضياع من المتاحف في عام 1991 بعد أن تم نقلها لمتاحف بعيدة. فيما تسبب نقلها في صناديق إلى أماكن آمنة بعد اضطراب الأوضاع الأمنية عام 2003، في تعرضها للتلف أكثر جراء عدم مراعاة خزنها وحفظها بشكل مناسب.
وكان تنظيم داعش قد نهب ودمر وجرف الكثير من المواقع الأثرية في المناطق التي استولى عليها في العراق، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، متحف الموصل، ومدينتا نمرود والحضر، في نينوى، فضلاً عن الكثير من المواقع الدينية التي تحتوي على المكتبات التي تضم الوثائق والمخطوطات النادرة.
وسبق أن حذرت هيئة الآثار والتراث العراقية من محاولات لتهريب عدد من المخطوطات العراقية النادرة، في عدد من مراكز الحفظ في مدينة الموصل، إلى داخل الأراضي التركية، من بينها مصحف نادر يعود إلى أواخر العهد العباسي.
وقد دان مجلس الأمن الدولي في الثامن والعشرين من فبراير (شباط) من 2015، ما وصفه بأحداث «أعمال بربرية إرهابية» لتنظيم داعش في العراق، بما في ذلك تدمير آثار دينية وثقافية نفيسة، مؤكدًا على ضرورة «دحر ذلك التنظيم والقضاء على التعصب والعنف والكراهية التي يعتنقها»، وعدت عمليات التخريب تلك بأنها «جرائم ضد الإنسانية».
وزير السياحة العراقي قال في المؤتمر الصحافي: «مشفى صيانة المخطوطات المتطور مهم جدا في ترميم وصيانة ومعالجة المخطوطات العراقية البالغ عددها أكثر من 40 ألف مخطوطة، قسم منها يعود تاريخه إلى ألف عام تضرر قسم كبير منها».
وأضاف: «هناك كادر عراقي متطور تم تدريبه سيباشر عمله فورًا في هذا المشفى، والوزارة لديها مشاريع عمل كثيرة مع إيطاليا في ما يتعلق بالآثار، وكذلك ستكون هناك فرق تنقيب إيطالية تعمل في العراق».
وأشار إلى أن «اليابان قدمت قبل أسابيع منحة مالية تقدر بنحو 1.5 مليون دولار لمسح جميع المواقع الأثرية وأرشفتها وتصويرها بطريقة حديثة».
وأكد: «إن وصول المشفى جزء من حزمة إجراءات تمت وإنجازات قادمة للرد الثقافي على تخريب (داعش)، تنصب على زيادة البعثات التنقيبية وافتتاح المتاحف من بينها كان افتتاح المتحف العراقي في بغداد ومتحف الناصرية في ذي قار ودار بيت الشاعر بدر شاكر السياب في البصرة ومتحف الزعيم عبد الكريم قاسم في بغداد مؤخرًا، وحملة تأهيل قاعات آشورية وإسلامية في المتحف الوطني وافتتاح مواقع تراثية مهمة مثل المدرسة المستنصرية والمدائن والعمل متواصل لتأهيل قاعة المرجاني ونحن بصدد افتتاحها نهاية العام الحالي، وسيتم افتتاح متحف السماوة في محافظة المثنى ومتحف الكوت في محافظة واسط».
وختم شرشاب كلمته بتقديم شكره إلى السفير الإيطالي على ما قدمته إيطاليا من خدمات ومساهمات في تأهيل قاعات المتحف العراقي، كذلك إلى منظمة اليونيسكو على تعاونها الإيجابي وسعيها الدؤوب للحفاظ على آثار العراق وموروثه الحضاري.
بدوره أكد السفير الإيطالي في العراق ماروتا «أن افتتاح المشفى هو ثمرة لجهد وتعاون استمر لعدّة سنوات مضت»، معربا عن أن بلده إيطاليا قد دأبت منذ عام 2003 على تقديم أفضل خبرائها في مجال الآثار والتراث لمساعدة العراق في الحفاظ على مواقعه الآثارية وموروثه التاريخي القديم.
عن تأهيل المخطوطات العراقية في المتحف العراقي يقول مدير القسم الفني لصيانة وترميم المخطوطات في المتحف العراقي رحيم السلامي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيت وزملاء لي تدريبات كثيرة في دول لديها تخصص في صيانة المخطوطات وكذلك كيفية استخدام الأجهزة الجديدة، من دول الجيك وإيطاليا آخرها في مصر عام 2015 حول صيانة الآثار والتراث، وكيفية التعامل مع الأثر المنقول (المخطوطة)».
وأضاف: «كنا شبه متوقفين خلال تلك الفترة، والآن لدينا عمل كثير بوجود هذه الأجهزة المهمة في تسهيل ودقة العمل، إذ تعد إيطاليا من الدول الرائدة في مجال صيانة المخطوطات، وعملنا سيكون على مرحلتين الأولى صيانة المخطوطات وحمايتها من الحشرات والفيروسات ومن ثم توثيقها وأرشفتها وخزنها في مخازن مثالية مزودة بأجهزة تحسس عالية من حيث الحرارة والرطوبة والغبار وغيرها، وستكون هناك قاعات جديدة لعرض تلك المخطوطات بشكل دائم أمام الزوار.
أما خولة محمد علي الموظفة التي تعمل في الأرشفة والتوثيق فأكدت أنهم بحاجة إلى وقت وجهد كبير لأجل توثيق كامل المخطوطات العراقية، كونها لم تجر عليها أي عملية أرشفة من قبل، وقدرت أن نهاية العام الحالي ستشهد إنجاز 50 في المائة من أعمال التوثيق لكامل المخطوطات باستخدام ثلاث كاميرات ضوئية حديثة للتصوير، ضمن المشفى الإيطالي.
ورحبت د. أميرة عيدان المدير العامة للمخطوطات العراقية (مديرة المتاحف العراقية سابقًا) بقدوم المشفى الذي طال انتظاره، وقالت في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة الإيطالية أهدت المشفى للعراق منذ نحو عامين لكنها اشترطت أن خبراءهم هم من يفتتحونه ويدربون العراقيين عليه، وهذا ما حصل وتم تدريب موظفي المتحف في المعهد العراقي في أربيل، وبسبب الأوضاع الأمنية تأخر قدوم الخبراء حتى الآن».
وعن أهمية المشفى للمخطوطات قالت: «لدينا مخطوطات مهمة ونادرة تحتاج للصيانة والتأهيل مثل مخطوطات كتاب (نهج البلاغة) للإمام علي، ومصاحف نادرة كتبت بخط اليد بعضها من الذهب والفضة وعليها زخارف قديمة، استخدمت فيها نوعية ورق ممتازة تقاوم تقدم الزمن وتقلبات المناخ، لكنها مع الأسف لم تجر عليها أي عملية صيانة منذ تأسيس دار المخطوطات العراقية».
وتعد دار المخطوطات هي الدائرة المركزية المسؤولة عن المخطوطات في العراق وتعد من أهم مراكز المخطوطات في العراق والوطن العربي، جاءت أهمية الدار كونها تحتفظ بعدد كبير من المخطوطات بلغ عددها ما يقارب 45746 مجلدًا، تتضمن المصاحف والمعارف والآداب والفنون المنوعة والطب وتمتد إلى فترات تاريخية مختلفة، وخصوصا القرن الرابع والخامس الهجريين من بينها مجموعة من المخطوطات النفيسة والنادرة والفريدة والمزوقة والمخطوطات المكتوبة بأقلام مؤلفيها، كما احتوت على الكثير من اللوحات والرقع الخطية والزخارف التي خطها مشاهير الفنانين والخطاطين العرب والمسلمين.
وكانت الخطوة الأولى لجمع المخطوطات عام 1940 عبر شعبة المخطوطات التابعة لدائرة الآثار والتراث، بعد صدور قانون الآثار رقم 59 لسنة 1963 بعدها شرعت الدائرة في اقتناء مخطوطاتها فكانت بداية المسيرة لجمع المخطوطات، ويعد كتاب «معجم البلدان» لياقوت الحموي المتوفى سنة 626ه/ 1229م هو أول مخطوطة تحمل رقم 1 في سجلات الدائرة، وتصاعدت أعداد المخطوطات في الشعبة حتى أصبحت قسمًا في عام 1961 عندما نقلت المخطوطات من بناية المتحف العراقي لتستقر في إحدى قاعات المدرسة المستنصرية، وقد بلغت المخطوطات آنذاك 2250 مخطوطًا.
وبعد صدور قانون الآثار رقم 120 لسنة 1974 المعدل الذي وفر حماية أكبر للمخطوطات باعتبارها ثروة وطنية، ومن هنا بدأ الاهتمام الفعلي بالمخطوطات، حتى أصبحت مديرية قائمة بذاتها وكادر متخصص ومتميز يعملون في كل الأوقات والظروف على حمايتها والحفاظ عليها.
افتتاح أول مختبر إيطالي لصيانة المخطوطات العراقية
يسعى لصيانة وتأهيل أكثر من 40 ألف وثيقة نادرة
وزير السياحة والآثار العراقية عادل فهد الشرشاب في جولة بالمتحف ({الشرق الأوسط}) - مخطوطة تعرضت للتلف
افتتاح أول مختبر إيطالي لصيانة المخطوطات العراقية
وزير السياحة والآثار العراقية عادل فهد الشرشاب في جولة بالمتحف ({الشرق الأوسط}) - مخطوطة تعرضت للتلف
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

