قناصة الحوثي يواصلون تعطيل عمل المستشفيات.. والجثث ملقاة في الشوارع

مدير مستشفى الجمهوري لـ {الشرق الأوسط} : الوضع في تعز مأساوي بسبب الحوثيين

قناص عضو في المقاومة الجنوبية أثناء المواجهات مع ميليشيا الحوثيين في عدن أمس (رويترز)
قناص عضو في المقاومة الجنوبية أثناء المواجهات مع ميليشيا الحوثيين في عدن أمس (رويترز)
TT

قناصة الحوثي يواصلون تعطيل عمل المستشفيات.. والجثث ملقاة في الشوارع

قناص عضو في المقاومة الجنوبية أثناء المواجهات مع ميليشيا الحوثيين في عدن أمس (رويترز)
قناص عضو في المقاومة الجنوبية أثناء المواجهات مع ميليشيا الحوثيين في عدن أمس (رويترز)

تعيش مدينة تعز وسط اليمن أوضاعا إنسانية متدهورة في ظل المعارك المسلحة غير المتكافئة ما بين ميليشيات الحوثي والقوات الموالية للرئيس السابق بأربعة ألوية عسكرية، والمقاومين من أبناء المدينة ووجهائها مسنودين بكتيبة واحدة من اللواء 35 مدرع المؤيد للقيادة السياسية الشرعية للبلاد.
وتزايدت بشكل ملحوظ خلال الأيام القليلة الماضية أعداد النازحين من مدينة تعز وسط اليمن إلى منطقة «وادي الضباب» المنطقة السياحية الخلابة، والآمنة في الوقت الراهن، على بعد 30 كلم من مركز المدينة جراء اشتداد وطأة المعارك المسلحة.
وتعاني جميع مستشفيات المدينة نقصًا شديدًا في المواد والمستلزمات الطبية، وبخاصة مواد التخدير والأكسجين، وكل ما هو متعلق بالإسعافات الأولية الخاصة بالطوارئ، إضافة إلى امتلاء ثلاجات الموتى في جميع مستشفيات المدينة حسبما علمت «الشرق الأوسط» من أطباء وممرضين في المدينة.
وقال الدكتور راجح المليكي مدير مستشفى الجمهوري الحكومي، ثاني أكبر مستشفى في المدينة، في حديث موسع لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع الصحي والإنساني في المدينة مأساوي بكل معنى الكلمة»، مشيرًا إلى «وجود جثث ملقاة في شوارع المدينة في موقع المواجهات الدائرة في شارع المطار القديم لم تتمكن الطواقم الطبية من انتشالها رغم نجاحها في انتشال 6 جثث، على الأقل، خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية». وأضاف: «لدينا مشكلة في امتلاء ثلاجة الموتى في المستشفى إلى درجة أن فيها ضعف قدرتها الاستيعابية، وعدم قدرتنا على استقبال المزيد من الحالات. اليوم مثلاً قامت الفرق الطبية بانتشال جثتين من الشارع مجهولتي الهوية، كما وصلتنا 6 حالات وفيات لم نتمكن سوى من قبول حالتين فقط، وتم توزيع بقية الحالات على ثلاجات خاصة سعتها صغيرة»، معللاً أسباب ذلك بـ«القدرة الاستيعابية المتدنية»، إضافة إلى «وجود بعض الجثث في الثلاجة منذ سنوات، رغم مطالبتنا المتكررة للنيابة»، حسب قوله.
ونوّه المليكي بأن أحد أكثر أسباب تفاقم الوضع الصحي في المدينة يعود إلى «صعوبة الوصول إلى مناطق الاشتباك ومحيطها السكاني، بسبب عدم الامتثال للقوانين والأعراف العالمية المتعلقة بالحرب وسلامة الفرق الطبية وعمال الإغاثة، وانتشار القناصة وتمركزهم في المباني والأماكن المرتفعة، إضافة إلى حالات القتل قنصًا التي شهدتها المدينة مؤخرًا»، في إشارة إلى مقتل سائق سيارة الإسعاف عبد الحليم الأصبحي في 20 أبريل (نيسان) برصاص قناصة أثناء محاولته نقل وإسعاف عدد من الجرحى في أطراف المدينة.
وأوضح مدير مستشفى الجمهوري أن تلك الجريمة صعّبت مهام العاملين في الإغاثة الطبية، وقيّدت إلى حد كبير حركة طواقم الإسعاف، مشيرًا إلى أنه «تم الاتفاق بعد الحادثة، فيما بين المستشفيات الحكومية (الجمهوري والثورة) والخاصة، بالتنسيق مع الهلال الأحمر، بعدم السماح لطواقم الإسعاف بالتحرك والاستجابة الفورية لنداءات الاستغاثة إلا بعد إبلاغ دائرة أمن المحافظة، وغرفة العمليات في مكتب الصحة بتعز الذي يتولى بدوره الربط والتنسيق ما بين الأمن والوحدات والطواقم الطبية».
وذكر المليكي في اتصال أجرته معه «الشرق الأوسط» أن مستشفى الجمهوري، شأن بقية مستشفيات المدينة، «يعاني نقصًا شديدًا في الأدوية والمستلزمات الطيبة وبخاصة مواد التخدير والأكسجين والأدوية والمواد المتعلقة بقسم الطوارئ والإسعافات الأولية، إضافة إلى المياه والوقود». وأضاف: «انعدام المشتقات النفطية في السوق المحلية وارتفاع أسعارها في السوق السوداء زاد الطين بلة وتسبب في تفاقم الوضع الصحي أكثر». وقال بشيء من التفصيل: «أساسًا لدينا مشكلة في المخصص الشهري المعتمد من قبل وزارة الصحة للمستشفى لشراء الوقود والمشتقات النفطية، إذ لا يلبي 10 في المائة من الاحتياج الفعلي في الأوضاع الطبيعة وليس في الوضع الحالي؛ فالمبلغ المعتمد من وزارة المالية للمستشفى الجمهوري لشراء الزيوت والمحروقات 200 ألف ريال (تعادل ألف دولار) بينما احتياجاتنا الفعلية تتخطى 350 ألفا شهريًا في الأوضاع الاعتيادية، وتشمل بطبيعة الحال نقل وحركة الطاقم الطبي فكيف في الوضع الحالي وفي ظل انعدام الوقود وتضاعف أسعاره؟!».
وزاد: «نحن من دون كهرباء منذ 9 أيام، وبالكاد وفي أحسن الأحوال تعود لساعتين فقط نهارًا وساعتين ليلاً». واستطرد قائلاً: «نحن مستشفى كبير. السعة السريرية في المستشفى 520 سريرًا في حين أن السعة السريرية الفعلية بحدود 340 سريرًا، فضلاً عن المراكز المتخصصة داخل المستشفى كالغسيل الكلوي، انقطاع الكهرباء بالنسبة لنا كارثة إنسانية. لدينا في المستشفى مولدان كهربائيان كبيران يستهلك كل منهما على حدة، دبتي ديزل في الساعة (أي 40 لتر ديزل)، وبالتالي وفي الوضع الحالي وانقطاع التيار الكهربائي لعشرين ساعة يوميًا نحتاج في المستشفى إلى شراء مشتقات نفطية بقيمة مليون و200 ريال (ستة آلاف دولار) قيمة الديزل فقط دون البترول، وبالسعر الحكومي لا أسعار السوق السوداء».
وحول الحالات التي استقبلها مستشفى الجمهوري منذ اندلاع المواجهات وزحف ميليشيات الحوثيين والقوات الموالية لصالح، قال الدكتور المليكي: «معظم الإصابات، سواء الجرحى أو القتلى، كانت بالرصاص الحي في مناطق البطن والصدر والأرجل والأيدي مسببة كسورا للمرضى. بعض الإصابات كانت ناجمة عن طلقات معدّل (مضاد) وليس كلاشنيكوف وكان أثر إحداها مروعًا حتى إن الرجل اليمني الجريح وكل عضلات وعظام الفخذ انشالت بفعل الطلقة».
وأضاف: «بالمجمل أجرينا عشرات العمليات الجراحية خلال الأيام الماضية. الإصابات الناجمة عن الشظايا والانفجارات تأتي بدرجة أقل من الإصابات بالرصاص الحي. وصلت إلينا أيضا بعض الإصابات بالحروق وتمت إحالتها لمستشفى الثورة لكونه مجهزًا بمركز متخصص في علاج الحروق. إضافة إلى إصابات ناجمة عن القذائف التي سقطت هنا في حارة الجمهوري، وكذا في الشارع المقابل للواء 35 مدرع حيث تدور المعارك قرب مطار تعز، وقد استقبلنا أول من أمس جريحًا أصيب إصابات بليغة بشظية سببت تمزقًا في الأمعاء وضرب الجهاز البولي ولكن تم إنقاذه والحمد لله».
ودعا الدكتور راجح المليكي إلى سرعة إغاثة مستشفيات المدينة وتزويدها بالأكسجين ومواد التخدير والمشتقات النفطية والمياه على نحو الخصوص، مشيدًا بجهود «الهلال الأحمر والمنظمات التي وفرت الكثير من احتياجات المستشفى من الأدوية».
وكانت مدينة تعز وريفها، الشاسع والمترامي الأطراف، قد شهدا خلال الأسابيع الأولى من غارات عاصفة الحزم موجات نزوح كبيرة، حيث توافد إليها النازحون من محافظات عدة أبرزها صنعاء وعدن وإب، مما أسهم في تفاقم الوضع الإنساني والمعيشي في المدينة. وتعد تعز أكبر محافظة يمنية من حيث عدد الكثافة السكانية بتعداد سكاني تجاوز 4 ملايين نسمة، وأكثرها مدنية وتعليمًا وأقلها، حتى وقت قريب، حملاً للسلاح وثقافة تمجيده المتفشية، بحكم طبيعتها وتركيبتها الاجتماعية غير القبلية.



ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.


منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
TT

منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

لا تخلو لقاءات مصرية مع مسؤولين في إريتريا، الجارة الشمالية لإثيوبيا، ثم اليمن، البوابة الاستراتيجية بالبحر الأحمر، من التأكيد على رفض وجود دول غير مشاطئة على ذلك البحر المهم لأمنها القومي، في مقابل مساع متواصلة من جانب إثيوبيا التي تُعد من دون ميناء للوصول لمنفذ على تلك السواحل.

هذه التحركات المصرية، حسب خبيرة مصرية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تتفق مع القانون والأمن القومي المصري واستقرار منطقة القرن الأفريقي، فيما يرى محللون إثيوبيون أن الميناء بالنسبة لأديس أبابا «رئة تتنفس بها»، وأنها ستواصل تحركاتها بشأنه.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

وخلال لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الأحد، برئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني في القاهرة، حيث ترأسا أعمال الجولة التاسعة من الحوار الاستراتيجي المصري - اليمني، تناولت المباحثات مسألة أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وشدّد عبد العاطي على «الرفض المصري القاطع لأي مساع لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

وأكد أن «تحقيق أمن وحوكمة هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يمثل مسؤولية حصرية للدول العربية والأفريقية المشاطئة له»، داعياً إلى «أهمية سرعة تفعيل آليات مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن».

وزير الخارجية المصري يترأس مع نظيره اليمني الجولة التاسعة للحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)

واتفق الجانبان خلال اللقاء على «ضرورة تبني مقاربة شاملة لأمن البحر الأحمر لا تختزل في المنظور الأمني والعسكري، بل تستوعب الأبعاد الاقتصادية والتنموية للدول المشاطئة».

ما بين «الأمن القومي» و«القضية المصيرية»

وخلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الحالي، التقى الوزير المصري مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، حسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

وترى الخبيرة المصرية في الشؤون الأفريقية، أسماء الحسيني، أن تحركات القاهرة «تستهدف الحفاظ على الأمن القومي المصري في البحر الأحمر، ومن حقها قانوناً أن تتمسك برفض حصول أديس أبابا على منفذ بحري»، متوقعة أن تظل تلك القضية على جدول أعمال الخارجية المصرية الفترة المقبلة حرصاً على أمنها ومصالحها.

في المقابل، تصر إثيوبيا على تصدير ذلك الملف قبيل انتخابات عامة تشهدها البلاد يونيو (حزيران) المقبل.

وعدَّ رئيس الكتلة البرلمانية للحكومة الإثيوبية، تسفاي بلجيجي، أن سعي بلاده من أجل امتلاك ميناء بحري «قضية وجودية ومصيرية»، مشيراً إلى أن إثيوبيا تواصل العمل لامتلاك ميناء بحري بالوسائل السلمية وعلى أساس المنفعة المتبادلة، حسبما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية، الأحد.

احتمالات القلاقل

وجاء ذلك بعد أيام من انتقاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي يوم 21 مايو الحالي، الحكومة المصرية بأنها «تحاول تطويق وعرقلة» وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية ومستدامة.

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الوصول إلى البحر الأحمر. وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وقالت أسماء الحسيني: «إصرار إثيوبيا، الدولة الحبيسة، على الوصول لمنفذ بحري أمر لا يعقل. فلو أن كل دولة حبيسة أو غير مطلة على منفذ بحري فعلت ما تفعله أديس أبابا لتصاعدت الصراعات بالمنطقة»، لافتة إلى أن المساعي الإثيوبية «عدائية ومن شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وشككت في حديث أديس أبابا بخصوص الوصول لهذا المنفذ بالوسائل السلمية، متوقعة أن تخوض حرباً ضد إريتريا بشأنه، وأن حديثها مجرد تمهيد لذلك.

ووفق تصريحات إثيوبية سابقة، فإن المنفذ البحري يعد بمثابة «رئة لإثيوبيا»، ولن تترك أي محفل في التأكيد على حقها به، والتحرك إليه عبر الطرق السلمية.