ليبيا تعود إلى مربع الانقسام حول السلطة

ليبيا تعود إلى مربع الانقسام حول السلطة

مخاوف من تكرار «سيناريو 2014»
السبت - 26 جمادى الآخرة 1443 هـ - 29 يناير 2022 مـ رقم العدد [ 15768]

طوى مجلس النواب الليبي نحو 10 أشهر من عمر حكومة «الوحدة الوطنية»، بعدما فتح الباب لعزل رئيسها عبد الحميد الدبيبة، في ظل اتهامات متبادلة بين الفرقاء السياسيين حول المتسبب في إفشال المسار الانتخابي. ويأتي هذا التطور وسط دعوات إقليمية وأممية وأوروبية لتحديد «جدول زمني واضح المعالم» للاستحقاق الرئاسي والنيابي بعيداً عن إطالة أمد المرحلة الانتقالية تخوفاً من الدخول في متاهة الانقسام حول السلطة. غير أن سياسيين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» رأوا أنه من شأن الإجراء الذي اتخذه البرلمان باتجاه الإطاحة بالدبيبة، ابن مدينة مصراتة (غرب ليبيا)، عقاباً له على «إضاعة فرصة إجراء الانتخابات في موعدها»، إعادة الأزمة الليبية إلى «المربع الأول». وهو ما قد يسهم في إيجاد مساحة للعودة إلى حكومتين متعارضتين ثانيةً، ومن ثم انقسام البلاد مجدداً بين معسكرين في شرق ليبيا وغربها.

هذه التخوفات على كثرتها، تلقفتها أطراف من تيار الإسلام السياسي في ليبيا، ورأت أن ما يحدث في البرلمان هو «انقلاب على السلطة». وأرجعت ذلك إلى «نجاحات حققتها الحكومة على أصعدة عدة»، بجانب «قدرتها على وقف الحرب، وتشجيع المصالحة الوطنية بين أطياف المجتمع».


يلاحظ المتابعون أن ليبيا، التي كادت تخطو خطوة واسعة باتجاه إنهاء آلام عقد مضى، قد تعاني اعتباراً من الآن سنة كاملة على الأقل، من انقسام جديد انطلقت بوادره هذه المرة من داخل مجلس النواب، الذي يعقد جلساته في طبرق بأقصى الشرق الليبي. ويشيرون هنا إلى مدى التلاسن الذي وقع بين النواب الرافضين للحكومة ونظرائهم المؤيدين لها، ما دفع المستشار عقيلة صالح رئيس المجلس، إلى إصدار أمر بقطع البثّ عن الجلسة التي كانت منقولة على الهواء مباشرة.


- رؤية ويليامز

أضف إلى ما سبق أن بعض هذه التخوفات التي يستشعرها الليبيون دفعت المستشارة الأممية ستيفاني ويليامز، رغم ما طالها من انتقادات حادة وصلت حد تحميلها تبعات ما يجري على الأرض، إلى السعي لدى مختلف الأطراف المحلية والدولية للحيلولة دون تعثر مفاوضات الحل السياسي في البلاد، أو تعطل إجراء الانتخابات المنتظرة.

رؤية ويليامز، التي التقت سياسيين وأحزاباً ونشطاء من مختلف الأطياف، تتمثل في أن الليبيين لا يريدون حكومة انتقالية أخرى، بل يفضلون «الذهاب إلى صندوق الاقتراع»، وهو ما نقلته إلى رئيس مجلس النواب، بأنه «لن يكون هناك حل لأزمة الشرعية التي أصابت المؤسسات الليبية إلا عبر الانتخابات».

بحر السياسة في ليبيا رغم جموده المعتاد، لا يهدأ، بل يشهد فورة كفيلة بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ما دفع ويليامز إلى تجديد دعوتها بمراعاة تطلعات 2.5 مليون ناخب ليبي، عند إجراء أي تعديل في الإطار الزمني المحدد بخريطة الطريق. ثم إنها تركت الباب موارباً بالحديث عن أي تغيير للحكومة يكون من اختصاص مجلس النواب، وهنا اكتفت بالتأكيد على أهمية «احترام النصاب القانوني اللازم». ثم إن بعض المراقبين يرون أن البلاد قد تكون مرشحة لتكرار «سيناريو» وجود حكومتين - كما حدث في عام 2014 - إذا ما أصر مجلس النواب على توجهه، بالنظر إلى أن السلطة التنفيذية المؤقتة في طرابلس دأبت على تجاهل قراراته.


- المطالبة بجدول زمني

أمام مسارعة مجلس النواب في عزل الدبيبة، بإعلان شروط الترشح لمن يرغب في ترأس الحكومة الجديدة المقبلة، رأت المستشارة الأممية ضرورة «التوصل لصيغة مناسبة وتحديد إطار زمني وخط سياسي واضح نحو الانتخابات»، وأن «الشعب الليبي لم يعد يحتمل مزيداً من المماطلة والتسويف والتأخير والانتقال من مرحلة انتقالية إلى أخرى». ومضت ويليامز، مؤكدة على أنه يجب على البرلمان إعادة الانتخابات إلى «مسارها الصحيح، واحترام الجدول الزمني لخريطة طريق (ملتقى الحوار السياسي) الليبي، التي اعتمدها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتستمر حتى يونيو (حزيران) من العام الحالي».

صالح، بدوره تغاضى عن أي تهديد أو غضب آتٍ من غرب البلاد، وذهب إلى أن «ولاية الحكومة انتهت، ولا يجوز أن تستمر؛ وإذا أراد رئيس الحكومة العودة، فعليه التقدم من جديد إلى مجلس النواب، مثل أي مواطن آخر».

وفي هذه الأثناء، يحذّر سياسيون ليبيون من دخول البلاد في دوامة قد تمتد سنوات، إذا ما فشلت «لجنة صياغة الدستور» التي أمر البرلمان بتشكيلها من 30 شخصاً، ومن ثم الدخول في مراحل انتقالية جديدة لا تخلو من صراع مسلح. وهذا أمر يرون أنه «تقليص بالتبعية من رصيد الدبلوماسية الأميركية المخضرمة ويليامز»، لكونها نجحت قبل نحو سنة في رعاية اختيار السلطة التنفيذية الراهنة. لكن صالح، الذي عزم على إنهاء ولاية حكومة الدبيبة، انتهى إلى أن الحل الحتمي إذا تعقدت الأمور، يكمن في «اللجوء للقوانين التي أصدرها مجلس النواب سابقاً، وحال الوصول إلى دستور دائم ستجرى الانتخابات، ويتم تحديد موعدها». ودافع عن منطقه بالقول إن «المواطن جائع ولا يهمه الدستور أو القانون، والأهم هو مصير السلطة التنفيذية».

ولتضييق جبهة المعارضين، سعى مجلس النواب إلى احتواء غضبة المجلس الأعلى للدولة، الذي يرأسه خالد المشري، بعد التصويت ضد مشاركته في اختيار الحكومة الجديدة. وقال عبد الله بليحق، المتحدث باسم المجلس، إن «التشاور مستمر بين المجلسين وفقاً للاتفاق السياسي من أجل تحقيق توافق بشأن خريطة الطريق بمساراتها المختلفة الدستوري والسياسي والأمني والتنفيذي وملف المناصب السيادية، بقصد الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن». وكان المشري أعلن رفضه استبعاد مجلسه من مشاورات مجلس النواب لتشكيل الحكومة البديلة، مبدياً تمسكه بالاتفاق السياسي المبرم في منتجع الصخيرات بالمغرب برعاية أممية عام 2015. وللعلم، تشكلت حكومة «الوحدة الوطنية» منذ سنة تقريباً لتحل محل حكومتين متحاربتين، إحداهما بشرق ليبيا، والثانية في غربها، وهو وضع يخشى بعض الليبيين حدوثه من جديد.

«الرئاسي» وسلطته

في أعقاب التحرك البرلماني للبحث عن بديل للدبيبة، عاد الحديث عن مدى الإنجاز الذي حققته السلطة التنفيذية الراهنة، في حلحلة الأزمة المستعصية منذ إسقاط الرئيس الراحل معمر القذافي في عام 2011، وعلى رأسها المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفّي، ابن مدينة طبرق، (شرقاً)، وسط تساؤلات عمّا إذا كان سيشمله العزل مثل الدبيبة أم لا؟ غير أن الأخير دافع عن جهود مجلسه، وقال إنه (المجلس) يمثل وحدة التراب الليبي، وقد سعى بنجاح في وقف إطلاق النار، وفتح الطريق الساحلي بين شرق البلاد وغربها، بالإضافة إلى دعم عمل اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، وإطلاق «مفوضية وطنية» تُعنى بالتأسيس لمشروع «المصالحة الوطنية»، وتوحيد المؤسسات السيادية، وأبرزها المؤسسة النقدية، متمثلة في مصرف ليبيا المركزي.

ثم إنه على الرغم من أن المنفّي ذهب إلى أن «السيادة الليبية خط أحمر لا يمكن المساس بها من أي طرف»، فإن الحديث تصاعد حول وجود تدخلات أجنبية في الشؤون الداخلية للبلاد، وفقاً لطلال الميهوب، عضو مجلس النواب، الذي طالب بوضع حد لتلك التدخلات، «بمخاطبة مجلس العموم البريطاني والأمين العام للأمم المتحدة لـ(كبح جماح) السفيرة البريطانية لدى البلاد كارولين هورندال، والمستشارة ويليامز».

مع هذا، وقبل أن يتقدم أي من الراغبين في ترأس الحكومة الجديدة، تصاعدت حدة الغضب بين الفصائل والتشكيلات المسلحة بغرب البلاد، وسياسيين محسوبين على تيار الإسلام السياسي، رفضاً للإطاحة بالدبيبة، الذي تولى المنصب عبر عملية سلام تدعمها الأمم المتحدة.


- عشاء في طرابلس

حكومة «الوحدة الوطنية» من جانبها استشعرت الخطر الآتي من تجاه شرق البلاد، فاستبقت وزيرة خارجيتها نجلاء المنقوش التحرك البرلماني، وأقامت حفل عشاء «لتكريم سفراء الدول المقيمين في طرابلس». وهي خطوة عدّها خصوم الحكومة بمثابة البحث عن مساندة لدى دولهم، وهي إيطاليا وفرنسا والاتحاد الأوروبي، ومعها قطر ومصر والجزائر وتونس وتركيا والنيجر وباكستان وكندا، بالإضافة إلى المستشارة ويليامز. لكن المنقوش في مقابل ذلك «ثمنت جهود السفراء الدؤوبة، ووجودهم للعمل بالعاصمة»، ودعت باقي السفراء غير المقيمين للاستقرار في طرابلس.

لم يكن هذا هو التحرك الوحيد للحكومة، بل إنها سعت إلى استمالة الجانب الأوروبي، في لقاء استضافته طرابلس، ضم المبعوث الإيطالي نيكولا أورلاندو، وسفير إيطاليا لدى طرابلس جوزيبي بوتشينو. وفيه تكلم الدبيبة، عما وصفه بـ«التغير الكبير الذي شهدته ليبيا من استقرار وعودة لعجلة التنمية»، خلال ما مضي من ولايته، وردّ أورلاندو وبوتشينو بالقول إن بلادهما تشجع «تحديد برنامج جديد للانتخابات دون اللجوء إلى مرحلة انتقالية أخرى».

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه سبق لمجلس النواب سحب الثقة من الحكومة في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي بعد 6 أشهر من ولايتها، لكن المنفي أمرها باستكمال أعمالها. ومنذ ذلك الحين لم تنجُ من الانتقادات والاتهامات المتعلقة بالتوسع في الإنفاق الحكومي، و«إهدار الأموال على مشروعات ومبادرات تستهدف الترويج شعبياً فقط للدبيبة».

هنا غمز محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام السابق، من قناة الدبيبة، فطالب أن تكون الشروط المطلوب توفرها فيمن يترأس الحكومة الجديدة «ألا يكون ارتكب جريمة تزوير لمؤهله العلمي». في هذا تلميح إلى التهم التي طالب سياسيون النائب العام بالتحقيق فيها. وزاد بعيو: «يجب على المترشح للمنصب ألا تكون له في جرائم الواسطة والمحسوبية والرشوة، وتزوير ملف الترشح للانتخابات».

«اتهامات بالانقلاب»

ومن منصة إعلامية تبث من تركيا، تابعة لسهيل نجل المفتي المعزول الصادق الغرياني، بدأ فريق من المحسوبين على تنظيم «الإخوان»، توجيه الانتقادات إلى البرلمان. ومؤداها أن البرلمان «استكثر» على الليبيين مرور 10 أشهر دون الحديث عن الحرب. ورأى محمود عبد العزيز، أحد قيادات حزب «العدالة والبناء» (الذراع السياسية للتنظيم) في حديث لفضائية «التناصح»، أن مجلس النواب «الذي أعطى الضوء للهجوم العسكري على طرابلس، بدأ يفكر مرة ثانية في الانقلاب بعد أن أصبح موقفه محرجاً».

الموقف ذاته أكدّت عليه حنان شلوف، عضو مجلس النواب عن مدينة مصراتة، التي قالت إن «القوانين الانتخابية التي وضعها صالح، ستذهب بنا لاستخدام السلاح من جديد، والمجلس لا يملك إلا المناكفات السياسية على شاشات الفضائيات». وضربت شلوف مثلاً بما حدث مع فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي السابق، قائلة إن «القوى الدولية ليست متفقة بشأن عزل الدبيبة، كما حدث مع السراج، ولذا سيبقى الحال على ما هو عليه، إلا إذا حدث عكس ذلك».


- الحياد الدولي

بموازاة ذلك، على مقربة مما يحدث على الأرض في ليبيا من تعاطٍ ورفض لعملية عزل وشيكة للحكومة التي أتت بها اجتماعات «ملتقى الحوار السياسي» بعد سنة ونيف من المداولات بين تونس وجنيف، تقف الأطراف الإقليمية والدولية مترقبة لما تخبئه الأيام المقبلة. بعض هذه الأطراف يتوقع «سيناريوهات مؤسفة»، قد تعيشها البلاد خلال الأسبوعين المقبلين، والبعض الآخر يبتغي لهذا البلد استكمال ما بدأه من خريطة طريق تنتهي بإنجاز الاستحقاق الانتخابي. وعلى هذا المسار، جددت مصر والجزائر موقفيهما من الأزمة الليبية، بالدعوة إلى «عدم إفشال تطلعات الشعب الليبي» في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهي النظرة التي تدعمها جل دول الجوار.

وكانت الرؤية المشتركة حيال «المرحلة الانتقالية» التي يمر بها الشعب الليبي حاضرة ومتوافقة بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وعبد المجيد تبون، إبّان مباحثاتهما في القاهرة، وذلك عبر تأكيدهما على ضرورة الدفع نحو إنهائها، ورفضهما السماح بإفشال تطلعات الليبيين. كذلك توافق الرئيسان على تكثيف تنسيق الرؤى والمواقف بين البلدين إزاء آليات حلحلة الأزمة الليبية، «مع حساسية الوقت الراهن»، والعمل على تثبيت وقف إطلاق النار، وإخراج كل القوات الأجنبية و«المرتزقة» والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية.

ولم يكن الموقف الفرنسي أيضاً بعيداً عما ذهبت إليه القاهرة والجزائر. إذ نقلت وزارة الخارجية المصرية عن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، التوافق حول أهمية عقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا بشكل متزامن، «مع الحفاظ على ملكية الليبيين للحل السياسي».

وأعادت السفارة الأميركية لدى ليبيا نشر مداخلة السفير جيفري ديلورينتيس، المستشار أول للشؤون السياسية الخاصة بوزارة الخارجية الأميركية، أخيراً أمام مجلس الأمن الدولي، للتأكيد على أنه «حان الوقت لاحترام إرادة الملايين من الليبيين المستعدين للتصويت وتقرير مستقبلهم».


ليبيا الأزمة الليبية

اختيارات المحرر

فيديو