أول زراعة قلب من خنزير لإنسان... كيف تمت العملية الجراحية؟

حلقة جديدة من تطورات الهندسة الجينية وتطبيقاتها الإكلينيكية

فريق الجراحين في  جامعة ماريلاند الأميركية المشرف على أول عملية زراعة لقلب خنزير في إنسان (د.ب.أ)
فريق الجراحين في جامعة ماريلاند الأميركية المشرف على أول عملية زراعة لقلب خنزير في إنسان (د.ب.أ)
TT

أول زراعة قلب من خنزير لإنسان... كيف تمت العملية الجراحية؟

فريق الجراحين في  جامعة ماريلاند الأميركية المشرف على أول عملية زراعة لقلب خنزير في إنسان (د.ب.أ)
فريق الجراحين في جامعة ماريلاند الأميركية المشرف على أول عملية زراعة لقلب خنزير في إنسان (د.ب.أ)

تناقلت الأنباء خبر إجراء أول عملية زراعة قلب مأخوذ من جسم خنزير، وغرسه في جسم إنسان مريض، وذلك في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي. وهو ما لا يعد فقط خطوة متقدمة في جانب القدرة على زراعة قلب حيوان في جسم إنسان، بل في جانب دور الهندسة الوراثية في إنتاج أعضاء حيوانية ذات قابلية أعلى للبقاء والعمل في جسم الإنسان، بدلاً عن أعضاء تالفة فيه. ويأتي هذا ضمن التطورات الحديثة لما تُعرف طبياً بـ«عمليات زراعة أعضاء فيما بين كائنات حية مختلفة» Xenotransplantation.
هذا ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيعمل القلب جيداً أو إلى متى، ولكنّ الباحثين يأملون أن تتمكن هذه التقنية يوماً ما من تعويض النقص المزمن في توفر الأعضاء البشرية للمرضى المحتاجين إلى زراعة الأعضاء.

- جراحة متقدمة
ورغم عدم توفر معلومات طبية دقيقة ضمن وصف علمي، منشورة في إحدى المجلات الطبية العالمية، فإن هذا الإجراء الجراحي المتقدم علمياً وتقنياً، والذي قام به فريق في كلية الطب بجامعة ماريلاند UMSOM، يعد بمثابة اختبار رئيسي للكثير من الابتكارات التجريبية المعقدة جداً بالفعل، والمصممة للحفاظ على عمل قلب الخنزير في صدر الإنسان، بما في ذلك:
• إحداث 10 تغييرات جينية تجريبية في الخنازير باستخدام جهود مبتكرة في الهندسة الوراثية وإنتاج أنواع معدلة جينيا Genetically Modified Pig.
• استخدام تجريبي لـ«مُثبط مناعي» Immunosuppressant جديد يُعطى للمريض المتلقي.
• استخدام محلول ممزوج بالكوكايين Cocaine - Laced Solution لاحتضان القلب قبل الزراعة.
وإلى هذا الحدّ يظل هذا الخبر لافتاً، وتُعد تلك الاستخدامات الثلاثة الجديدة علامات فارقة في تطور البحث العلمي الإكلينيكي لعمليات زرع الأعضاء. وهو ما علّقت عليه رابطة القلب الأميركية في عرضها الإخباري بالقول إنه «يرفع الآمال في إيجاد بديل جديد وقابل للتطبيق للأشخاص المعرضين لخطر الموت قبل أن تتاح لهم الفرصة المحدودة لتوفر قلب بشري، وكذلك لأولئك المرضى (الذين هم بالفعل بحاجة إلى زراعة القلب) ولكن غير المؤهلين لزراعة قلب الإنسان».
ومع ذلك تظل عدة تساؤلات علمية وطبية مطروحة دون إجابات واضحة، على الأقل حتى اليوم. وهو ما عبّرت رابطة القلب الأميركية عنه في عرضها الإخباري بالقول: «لكنّ المتخصصين في قصور ضعف القلب يقولون إن أي تفاؤل يجب تخفيفه بحذر، حيث تظل الأسئلة المتعلقة بالسلامة والبقاء على المدى القصير والطويل دون إجابة». ونقلت كلام الدكتور كلايد يانسي، رئيس قسم أمراض القلب في كلية الطب بجامعة نورث وسترن في شيكاغو والرئيس السابق لجمعية القلب الأميركية بقوله: «تتضمن هذه القصة وعوداً، ولكن ثمة خطر أيضاً، ولا أعتقد أن علينا أن نحتفل للتوّ». وأضاف: «إن عمليات زرع الأعضاء الحيوانية تبشّر بالخير ولكنها تأتي مع مجموعة من الأشياء المجهولة. وفي حين أن قلوب الخنازير تشبه قلوب البشر وبالتالي فهي مرشحة جيدة للزرع، فإن هناك مخاطر غير متوقعة. وهناك الكثير من الأسباب للاحتفال، لكننا بحاجة إلى التوقف والنظر في جميع الأسئلة التي تتماشى مع هذا الاكتشاف».

- تساؤلات علمية
ورغم كونه تطوراً علاجياً مهماً، وباعثاً للآمال، ثمة عدد من الأسئلة حول هذه الحالة العلاجية الفريدة، خصوصاً أن عملية زراعة القلب تتوفر منذ عشرات السنوات للمرضى الذين هم بحاجة لذلك، والمُستخدم لهذه الغاية هو قلب بشري يُؤخذ من شخص متوفى ويُزرع في صدر المريض المتلقي، ونتائج نجاح هذه العمليات عالٍ. والأسئلة هي:
- ما الذي دفع فريق المعالجة الطبية إلى استخدام قلب مأخوذ من خنزير تم تعديله وراثياً بدلاً من قلب بشري؟
- ما التعديلات الوراثية Genetic Modifications التي تم إجراؤها؟
- هل كانت هذه التعديلات الجينية العشرة ضرورية؟
وللإجابة عن السؤال الأول، فإن المريض المتلقي لهذه الزراعة يبلغ من العمر 57 عاماً، وكان يعاني من ضعف في القلب بدرجة شديدة ومتقدمة، مع وجود نوع خطر من عدم انتظام ضربات القلب يسمى الرجفان البطيني. وهي مبررات لوضعه على قائمة الانتظار لزراعة القلب متى ما توفر قلب بشري لتلك الغاية. ولكن نتيجة دواعٍ ومعطيات إكلينيكية عدة لدى المريض نفسه، وذلك في مستوى عنايته الشخصية بحالته الصحية، فقد عدّه فريق أطباء برنامج زراعة القلب في المركز الطبي بجامعة ماريلاند، مريضاً غير مؤهل لعملية زرع قلب بشري. ومعلوم أن أحد العوامل التي يجب توفرها في المريض لكي يكون مرشحاً لزراعة القلب هي القدرة على الالتزام بخطة العلاج قبل وبعد الزرع، لأن القلب البشري لا يُقدر بثمن، وتُعطى الأولوية الطبية لمنْ يكونون ملائمين للخضوع لتلك العملية الجراحية وترتفع لديهم احتمالات الحفاظ على القلب المزروع لمدة طويلة. وأحد أهم أسباب ذلك النجاح الالتزام بتناول الأدوية والحرص على المراجعة الطبية الدورية في العيادة وغيره من مظاهر العناية الصحية بالنفس.
وبدلاً من ذلك، وبموافقة المريض نفسه، سعى فريق برنامج زراعة القلب Cardiac Xenotransplantation Program للحصول على إذن «الاستخدام الرحيم» Compassionate Use من إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) لمنحه قلباً من خنزير معدل وراثياً تم إنشاؤه بواسطة شركة تكنولوجيا حيوية. وهي التي تعمل على إمكانية جعل قلوب الخنازير تظل بحالة صحية لأكثر من عامين عند زرعها. وسبق أن نجحوا فيه عندما أجروا عمليات زرع لقلوب خنازير في صدور قردة البابون.

- هندسة جينية مبتكرة
وللإجابة عن السؤال الثاني، فإن السبب وراء استخدام التقنيات المبتكرة في الهندسة الوراثية لإحداث تغيرات في جينات الخنزير المتبرع، هو أن زراعة الأعضاء بالعموم، سواء فيما بين متبرع ومتلقٍّ من نفس الفصيلة (إنسان لإنسان) أو من فصيلتين مختلفتين (حيوان لإنسان)، هي عملية تُثير حصول تفاعلات «رفض Rejection» جسم المتلقي للعضو المأخوذ من جسم «المتبرع».
وردة الفعل المناعية هذه من جسم المتلقي يمكن أن تتسبب في فشل العضو المزروع، وذلك عبر تكوين جهاز مناعة المريض المُتلقي أجساماً مضادة (Antibodies) موجهة ضد أنسجة العضو المزروع. ومعلوم أن المشكلة الرئيسية هي أن الأجسام المضادة التي ينتجها جسم المُتلقي، تتعرف على سكريات معينة توجد على سطح خلايا الخنازير، وتعدّها أجساماً غريبة.
ولتقليل هذا الاحتمال، نحتاج حقاً إلى التخلص من أكبر قدر ممكن من مسببات إنتاج هذه الأجسام المضادة، أي تلك السكريات، كي يتمكن العضو المزروع من العمل بكفاءة ومن البقاء على قيد الحياة لفترة أطول. وما قام به المتخصصون هو إحداث عشرة تعديلات باستخدام تقنية الهندسة الوراثية الجينية. ثلاثة منها لإخراج ثلاثة جينات للإنزيمات التي تُمكن خلايا الخنازير من تصنيع تلك السكريات. وستة تعديلات أخرى كانت عبارة عن إضافات لجينات بشرية: جينان مضادان للالتهابات، وجينان يعززان تخثر الدم الطبيعي ويمنعان تلف الأوعية الدموية، وجينان للبروتينات التي تساعد على كبح تفاعلات استجابة الأجسام المضادة. وأزال التعديل العاشر «جين مستقبل هرمون النمو Growth Hormone Receptor» لتقليل فرصة نمو قلب الخنزير المزروع، الذي يتطابق تقريباً في الحجم مع المساحة المُتاحة في صدر المريض، وبالتالي وقفه عن النمو في الحجم بمجرد زراعته.
وللإجابة عن سؤال: هل كانت جميع التغييرات الجينية العشرة ضرورية؟ فإن هذا ليس واضحاً حتى اليوم وفق ما هو متوفر من معلومات، ولا يُعرف إلى أي مدى سيساعد تعديل كل من هذه الجينات على حدة. وحتى التجارب السابقة التي تمت عند زراعة تلك القلوب المأخوذة من الخنازير المُعدّلة وراثياً، في قرود البابون، كانت تواجه صعوبات في إجرائها، ما جعل من الصعب اختبار تأثيرات كل تعديل فيها على حدة.
وعدم اليقين هذا هو أحد أسباب تحفظات عدد من الباحثين الطبيين عند مراجعتهم خطوات إجراء هذا النوع من طريقة زراعة الأعضاء فيما بين فصائل مختلفة. ولكن يمكن أن تكون بعض التغييرات مفيدة في بعض أنواع عمليات الزرع، وضارة في أنواع أخرى. وعلى سبيل المثال وفق نتائج الدراسات والتجارب السابقة على التعديلات الوراثية، يؤدي إدخال أحد أنواع الجين البشري المضاد للالتهابات (Gene CD47) إلى تحسين نتائج عمليات زرع نخاع العظام من الخنازير إلى قردة البابون، ولكن تبدو خلايا كُلى الخنازير بهذا التعديل عُرضة للالتهاب والتورم عند الزراعة.

- لمن تتم عملية زراعة القلب؟
زراعة القلب هي علاج متقدّم يتم إجراؤه كحلّ أخير، عندما لا تفلح العلاجات الأخرى في التغلب على مضاعفات وتداعيات فشل القلب. وحتى عند طرح هذا الخيار العلاجي، قد لا يكون ذلك ملائماً لكل المرضى الذين تتطلب حالتهم زراعة القلب. وثمة عناصر تتم مراجعتها كي يُصنف المريض على أنه مُرشح لزراعة القلب. وتختلف المراكز الطبية العالمية بشكل طفيف في قائمة عناصر تلك المراجعة. ومن أمثلتها ما يذكره أطباء القلب في «مايو كلينك» بقولهم: «يتم إجراء تقييم طبي لمعرفة إذا ما كنت مؤهلاً لإجراء عملية الزراعة. سوف يتحقَق التقييم لمعرفة إذا ما كنت:
- مصاباً بحالة قلبية من شأنها أن تجعلك تستفيد من جراحة زراعة العضو.
- قد تستفيد من خيارات العلاج الأخرى الأقل توغلاً.
- تتمتَع بصحة جيدة بما يكفي لإجراء عملية جراحية وتتحمل أدوية ما بعد الزراعة.
- ستوافق على الإقلاع عن التدخين، إن كنت مدخِّناً.
- مستعد وقادر على اتباع البرنامج الطبي الذي حدده لك فريق الزراعة.
- يمكنك تحمُّل انتظار القلب المُتبرَع به عاطفياً.
- لديك مجموعة داعمة من العائلة والأصدقاء لمساعدتك في هذا الوقت العصيب.
أي إنها غالباً تستبعد المريض الذي هو على غير استعداد أو غير قادر على إجراء التغييرات اللازمة في سلوكيات نمط الحياة، وهي الضرورية للحفاظ على قلب المتبرِع بصورة صحية، مثل عدم الحرص على تناول الأدوية، أو الانقطاع عن المراجعة الطبية، أو عدم الامتناع عن التدخين، وغيرها.

- خطوات لإجراء عملية زراعة القلب
تعد عمليات زراعة القلب البشري ناجحة للغاية، حيث يبلغ معدل البقاء على قيد الحياة لمدة عام واحد 91% في المتوسط، ويعيش متلقي زراعة القلب من 12 إلى 13 عاماً أخرى. وتقول رابطة القلب الأميركية: «تصبح عمليات زرع القلب ضرورية عندما يكون هناك قصور حاد في القلب، والذي يحدث إذا توقف أحد البطينين القلبيين أو كلاهما عن العمل بشكل صحيح».
وتضيف: «تأتي قلوب البشر المراد زرعها من التبرعات بالأعضاء التي يتم توفيرها عند وفاة الأشخاص. ومع ذلك، فإن الحاجة تتجاوز التوافر، وما يقرب من 20% من الأشخاص الذين ينتظرون قلب المتبرع إما يموتون قبل أن يصلوا إلى قمة القائمة وإما يصبحون مرضى للغاية لإجراء عملية زرع ناجحة. ولطالما بحث الباحثون عن بدائل لعمليات زرع قلب الإنسان. وجاءت أكثر الجهود نجاحاً من خلال التقدم التكنولوجي، مثل جهاز مساعدة البطين الأيسر (LVAD) الذي يساعد القلب على ضخ الدم ويقلل بشكل كبير معدلات الوفيات للأشخاص الذين ينتظرون الزرع على مدى العقود الكثيرة الماضية.
ويوضح ذلك أطباء القلب في «مايو كلينك» بقولهم: «جهاز المساعدة البُطينية عبارة عن مضخة ميكانيكية قابلة للزَرع في الصدر تساعد في ضخ الدم من حجرات القلب السفلية (البُطينان) إلى بقية جسمك. ويشيع استخدام أجهزة المساعدة البُطينية كونها علاجاً مؤقتاً للأشخاص الذين ينتظرون إجراء زراعة القلب. تُستخدم أجهزة المساعدة البُطينية بشكلٍ مُتزايد علاجاً طويل الأمد للأشخاص المُصابين بفشل القلب غير المؤهلين لإجراء عملية زراعة القلب. إذا لم يساعد جهاز المساعدة البُطينية في تحسين وظائف القلب، فقد يفكر الأطباء في بعض الأحيان في استخدام قلب صناعي كلّي -وهو جهاز يحل محل بُطينات قلبك- كعلاج بديل قصير الأجل بينما تنتظر زراعة القلب».


مقالات ذات صلة

وضعية الجسم الأنسب للنوم... عادة بسيطة بفوائد صحية متعددة

صحتك النوم على الجانب الأيسر يرتبط بعدد من الفوائد الصحية (بيكسلز)

وضعية الجسم الأنسب للنوم... عادة بسيطة بفوائد صحية متعددة

ما قد يغيب عن كثيرين هو أن وضعية الجسم لا تقل أهمية أثناء النوم إذ تلعب دوراً أساسياً في دعم وظائف الجسم المختلفة من الدماغ إلى الجهاز الهضمي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك بعض الأشخاص يشكون من طعم معدني مزعج عند تناول مكملات الحديد (بيكسلز)

7 آثار جانبية محتملة لتناول مكملات الحديد يومياً

عندما لا يحصل الجسم على كفايته من الحديد عبر النظام الغذائي يلجأ كثيرون إلى مكملات الحديد لتعويض هذا النقص

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الشوفان يتميز بكونه خالياً من الغلوتين بشكل طبيعي (بيكسلز)

7 حقائق عن الشوفان قد تُفاجئك

الإقبال على الشوفان لا يقتصر على مذاقه المميز أو سهولة تحضيره، بل يعود أيضاً إلى قيمته الغذائية العالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك شخص يخضع لفحص للأذنين (بيكسلز)

بعضها قد يفاجئك... 10 أسباب وراء ألم الأذن

تحديد السبب الدقيق لألم الأذن يُعد خطوة أساسية لاختيار العلاج المناسب وتجنّب المضاعفات المحتملة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

يوم صحة الفم العالمي… حين تدخل الخوارزميات عيادة الأسنان

مستقبل طب الأسنان في عصر الذكاء الاصطناعي
مستقبل طب الأسنان في عصر الذكاء الاصطناعي
TT

يوم صحة الفم العالمي… حين تدخل الخوارزميات عيادة الأسنان

مستقبل طب الأسنان في عصر الذكاء الاصطناعي
مستقبل طب الأسنان في عصر الذكاء الاصطناعي

يحتفل العالم في العشرين من مارس (آذار)، وفي كل عام، بـ«يوم صحة الفم العالمي»، وهي مناسبة تهدف إلى التذكير بأهمية العناية بالأسنان واللثة والوقاية من أمراض الفم التي تؤثر في صحة ملايين البشر حول العالم. غير أن هذا اليوم لم يعد يقتصر على النصائح التقليدية حول تنظيف الأسنان أو استخدام الخيط الطبي، إذ يشهد طب الأسنان في السنوات الأخيرة تحولاً علمياً وتقنياً كبيراً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمختبرات الطبية.

يوم صحة الفم العالمي 2026 «فم سعيد... حياة سعيدة»

وفي عدد كبير من العيادات الحديثة لم يعد طبيب الأسنان وحده من ينظر إلى صور الأشعة السينية للأسنان. فقد أصبحت خوارزميات الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل هذه الصور الطبية واكتشاف التسوس أو العلامات المبكرة لأمراض اللثة بدقة كبيرة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن بعض هذه الأنظمة يمكن أن تصل دقتها في اكتشاف التسوس المبكر إلى مستويات تقارب دقة الخبراء، ما يساعد الأطباء على تشخيص المشكلات في مراحلها الأولى قبل أن تتحول إلى أمراض أكثر تعقيداً

صحة الفم... قضية صحية عالمية

يرفع يوم صحة الفم العالمي لعام 2026 شعار «الفم السعيد... حياة سعيدة»، وهو شعار يعكس العلاقة الوثيقة بين صحة الفم والصحة العامة وجودة الحياة. فالفم ليس مجرد جزء معزول من الجسم، بل بوابة صحية ترتبط بكثير من الأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب والسكري واضطرابات الجهاز المناعي.

* أكثر من 3.5 مليار شخص حول العالم يعانون أحد أمراض الفم بدرجات مختلفة*

وتشير تقديرات صحية عالمية إلى أن أكثر من 3.5 مليار شخص حول العالم يعانون أحد أمراض الفم بدرجات مختلفة، وهو ما يجعل الوقاية والكشف المبكر من أهم التحديات الصحية في هذا المجال. ولذلك تتجه الأنظمة الصحية الحديثة إلى استخدام التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرة الأطباء على التشخيص المبكر، وتحسين جودة الرعاية السنية.

الخوارزميات الذكية تساعد أطباء الأسنان في اكتشاف أمراض الفم مبكراً

الذكاء الاصطناعي في عيادة الأسنان

مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي بدأت تظهر تطبيقات جديدة لهذه التقنيات في طب الأسنان. فأنظمة التعلم العميق قادرة اليوم على تحليل صور الأشعة السنية واكتشاف التغيرات الدقيقة في بنية الأسنان والعظام المحيطة بها بدقة عالية.

كما تساعد هذه الأنظمة الأطباء في تحديد التسوس المبكر، وتقييم أمراض اللثة، والتخطيط الرقمي لعلاجات تقويم الأسنان أو زراعة الأسنان. وتستطيع الخوارزميات مقارنة الصور الحالية بصور سابقة للمريض أو بآلاف الصور الطبية المخزنة في قواعد البيانات، ما يسمح باكتشاف التغيرات الصغيرة التي قد يصعب ملاحظتها بالعين المجردة.

ويعتقد خبراء طب الأسنان الرقمي أن هذه التقنيات قد تغير الطريقة التي يتم بها تشخيص أمراض الفم خلال السنوات المقبلة، بحيث يصبح التشخيص أكثر دقة وأسرع، مع دعم القرار الطبي ببيانات تحليلية متقدمة.

التحول الرقمي في طب الأسنان السعودي

تشير تقديرات مهنية حديثة إلى أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان يشهد نمواً سريعاً. ففي المملكة العربية السعودية ارتفعت نسبة استخدام هذه التقنيات بين أطباء الأسنان من نحو 10 في المائة عام 2024 إلى ما يقارب 36 في المائة في عام 2026.

ويعكس هذا التحول تسارع التحول الرقمي في قطاع الرعاية الصحية في المملكة ضمن برامج «رؤية السعودية 2030» التي تسعى إلى تطوير الخدمات الصحية، وتعزيز استخدام التقنيات الرقمية في التشخيص والعلاج. كما يشهد قطاع طب الأسنان في المملكة توسعاً في استخدام التصوير الرقمي والماسحات الفموية ثلاثية الأبعاد وأنظمة التخطيط العلاجي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

التوعية بصحة الفم في المجتمع السعودي

أسبوع الابتسامة السعودي

وبمناسبة يوم صحة الفم العالمي تنظم الجمعية السعودية لطب الأسنان بالتعاون مع وزارة الصحة السعودية، وشركة «هيليون» (Haleon) فعاليات توعوية ضمن ما يُعرف بـ«أسبوع الابتسامة السعودي». وتهدف هذه المبادرة إلى رفع مستوى الوعي بأهمية العناية بصحة الفم وتشجيع المجتمع على تبني عادات صحية مثل تنظيف الأسنان بانتظام، واستخدام الخيط الطبي، وإجراء الفحوص الدورية لدى طبيب الأسنان.

وتتضمن هذه الحملة أنشطة توعوية ومحاضرات طبية وبرامج تثقيفية تستهدف المدارس والجامعات والمجتمع، بهدف تعزيز ثقافة الوقاية والكشف المبكر عن أمراض الفم، وتسليط الضوء على العلاقة الوثيقة بين صحة الفم والصحة العامة للإنسان.

الأسنان الرقمية... طب المستقبل

من المفاهيم الجديدة التي بدأت تظهر في طب الأسنان الحديث ما يُعرف بـ«الأسنان الرقمية»، حيث يتم إنشاء نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد لأسنان المريض باستخدام الماسحات الفموية والتصوير الرقمي المتقدم. ويمكن دمج هذه النماذج الرقمية مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل حالة الأسنان واللثة بدقة أكبر.

وتسمح هذه التقنيات للأطباء بالتنبؤ بالمشكلات المحتملة قبل ظهورها، كما تساعد في تصميم علاجات مخصصة لكل مريض، سواء في تقويم الأسنان أو في زراعة الأسنان أو في إعادة تأهيل الابتسامة رقمياً.

الخوارزميات الذكية تساعد أطباء الأسنان في اكتشاف أمراض الفم مبكراً

الإنسان والتكنولوجيا

ورغم التقدم السريع لهذه التقنيات يبقى طبيب الأسنان في قلب القرار الطبي. فالخوارزميات تستطيع تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الخبرة السريرية أو الحكم الطبي الذي يكتسبه الطبيب عبر سنوات من التدريب والممارسة.

ولهذا فإن مستقبل طب الأسنان لن يكون صراعاً بين الإنسان والآلة، بل شراكة بين خبرة الطبيب وقوة التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحسين التشخيص وتسريع التحليل الطبي، بينما يبقى الطبيب هو المسؤول عن فهم حالة المريض واتخاذ القرار العلاجي الأنسب.

ابتسامة المستقبل

وربما يحمل يوم صحة الفم العالمي هذا العام رسالة جديدة مفادها أن حماية ابتسامة الإنسان في المستقبل لن تعتمد فقط على فرشاة الأسنان والخيط الطبي، بل أيضاً على الخوارزميات الذكية التي تساعد الأطباء على اكتشاف الأمراض مبكراً والحفاظ على صحة الفم.

ويأتي هذا التطور متماشياً مع جهود المملكة العربية السعودية لتعزيز طب الوقاية وصحة الفم ضمن برامج التحول الصحي في «رؤية السعودية 2030».

فالابتسامة الصحية لم تعد مجرد مسألة جمالية، بل أصبحت جزءاً من منظومة صحية متكاملة تجمع بين الطب الوقائي والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، في رحلة علمية تهدف في النهاية إلى هدف بسيط لكنه عميق: حماية ابتسامة الإنسان وصحته معاً.


5 فواكه ربيعية سلاحك الطبيعي ضد الالتهابات

يُعد الكرز من أكثر الفواكه التي دُرست فيما يتعلق بخصائصها المضادة للالتهاب (بكسلز)
يُعد الكرز من أكثر الفواكه التي دُرست فيما يتعلق بخصائصها المضادة للالتهاب (بكسلز)
TT

5 فواكه ربيعية سلاحك الطبيعي ضد الالتهابات

يُعد الكرز من أكثر الفواكه التي دُرست فيما يتعلق بخصائصها المضادة للالتهاب (بكسلز)
يُعد الكرز من أكثر الفواكه التي دُرست فيما يتعلق بخصائصها المضادة للالتهاب (بكسلز)

مع ازدياد الاهتمام بمكافحة الالتهاب المزمن المرتبط بأمراض القلب والسكري وآلام المفاصل، يبحث كثيرون عن خيارات غذائية طبيعية تدعم الصحة. وتبرز الفواكه الغنية بمضادات الأكسدة والبوليفينولات والألياف والفيتامينات بوصفها أبرز الحلول، إذ تشير دراسات إلى دورها في تقليل الالتهاب وتعزيز توازن الجسم.

ومع اقتراب فصل الربيع، تتوافر مجموعة متنوعة من الفواكه الغنية بمضادات الأكسدة والبوليفينولات، التي يمكن أن تدعم الصحة العامة وتقلل الالتهاب.

ويستعرض تقرير لموقع «إيتينغ ويل»، أبرز الفواكه الغنية بمضادات الأكسدة التي قد تساعد في تقليل الالتهاب، وتعزيز الصحة العامة مع تغيّر الفصول.

الفراولة

تُعد الفراولة من أبرز فواكه الربيع، وهي غنية بالبوليفينولات، خصوصاً الأنثوسيانين الذي يمنحها لونها الأحمر الزاهي.

تساعد هذه المركبات في تثبيط نشاط الإنزيمات المسببة للالتهاب، كما تشير أبحاث إلى أن تناول الفراولة قد يسهم في خفض مستويات بروتين سي التفاعلي، وهو مؤشر رئيسي على الالتهاب في الجسم.

كما أظهرت دراسات أن تناول الفراولة بانتظام قد يساعد في تقليل مؤشرات الالتهاب ومقاومة الإنسولين، المرتبطة بالالتهابات المزمنة.

الكيوي

يُعد الكيوي من الفواكه الغنية بالعناصر الغذائية، ويحتوي على مزيج من فيتامين «سي» والبوليفينولات والفلافونويدات التي تؤثر في مسارات الالتهاب داخل الجسم.

توفر حبتان من الكيوي نسبة عالية من الاحتياج اليومي لفيتامين «سي»، إضافة إلى كمية جيدة من الألياف.

وتساعد الألياف في تغذية البكتيريا النافعة في الأمعاء، التي تلعب دوراً مهماً في تنظيم الالتهاب، كما قد يسهم تناول الكيوي بانتظام في تحسين الهضم ودعم توازن الميكروبيوم المعوي.

المشمش

سواء كان طازجاً أو مجففاً، يُعد المشمش مصدراً جيداً للبيتا كاروتين، الذي يساعد في تقليل الالتهاب ويدعم صحة الجلد والعينين والجهاز المناعي.

كما يحتوي على مركبات فلافونويدية مثل الكاتيكين والكيرسيتين، التي تسهم في مكافحة الجذور الحرة، وتقليل الإجهاد التأكسدي، ما قد يقلل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.

المشمش مصدر جيد للبيتا كاروتين الذي يساعد في تقليل الالتهاب (بكسلز)

الراوند

رغم أنه يُصنّف نباتاً خضارياً، يُستخدم الراوند غالباً بصفته فاكهة بفضل مذاقه الحامضي المميز.

يحتوي على مركبات مضادة للالتهاب مثل البوليفينولات والفلافونويدات والأحماض الفينولية، كما أن الأنواع الحمراء منه غنية بالأنثوسيانين، الذي قد يساعد في تقليل الالتهاب وحماية الخلايا.

ويُعد أيضاً مصدراً جيداً لفيتامين «ك»، الذي يدعم صحة العظام وله خصائص مضادة للالتهاب.

لكن يُنصح بتجنب أوراق الراوند، لأنها تحتوي على مواد سامة.

الكرز

يُعد الكرز من أكثر الفواكه التي دُرست فيما يتعلق بخصائصها المضادة للالتهاب، حيث تشير الأبحاث إلى دوره في دعم صحة المفاصل وتسريع تعافي العضلات، وتقليل مخاطر الأمراض المزمنة.

وهو غني بالبوليفينولات مثل الأنثوسيانين والكيرسيتين، التي تتمتع بخصائص مضادة للأكسدة والالتهاب.

كما قد يساعد الكرز في تقليل مؤشرات الالتهاب وتحسين صحة المفاصل، إضافة إلى دوره المحتمل في تنظيم مستويات حمض اليوريك، ما يجعله خياراً مفيداً للأشخاص الذين يعانون حالات التهابية مثل النقرس.


دراسة: مزيج من أدوية إنقاص الوزن قد يحد من فقدان الكتلة العضلية

حقنة «أوزمبيك» (أ.ب)
حقنة «أوزمبيك» (أ.ب)
TT

دراسة: مزيج من أدوية إنقاص الوزن قد يحد من فقدان الكتلة العضلية

حقنة «أوزمبيك» (أ.ب)
حقنة «أوزمبيك» (أ.ب)

قد يساعد مزيج دوائي جديد في الحفاظ على الكتلة العضلية لدى الأشخاص الذين يستخدمون أدوية إنقاص الوزن.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن الجمع بين «سيماغلوتايد» - المادة الفعالة في «ويغوفي» و«أوزمبيك» - مع الجسم المضاد «بيماغروماب» قد يسهم في حماية العضلات الهيكلية، مع تعزيز فقدان الوزن في الوقت نفسه.

مزيج دوائي لفقدان وزن أكثر استدامة

عند فقدان الوزن، قد يأتي ما يصل إلى 40 في المائة من هذا الفقد من الأنسجة الخالية من الدهون، مثل العضلات الهيكلية. لذا، فإن الحفاظ على الكتلة العضلية يُعد مهماً، خصوصاً لمن لا يستطيعون الحفاظ عليها عبر تمارين القوة، مثل كبار السن.

وفي تجربة سريرية موّلتها شركة «إيلي ليلي»، فقد المشاركون الذين تلقوا مزيج «سيماغلوتايد» و«بيماغروماب» وزناً أكبر، مع الحفاظ على كتلة عضلية أعلى، مقارنة بمن استخدموا «سيماغلوتايد» وحده.

ويُعد «بيماغروماب» جسماً مضاداً طُوّر في الأصل لعلاج اضطرابات العضلات. وعلى عكس «سيماغلوتايد» الذي يقلل الشهية، يعمل «بيماغروماب» على مستقبلات إشارات «أكتيفين» في خلايا العضلات والدهون.

وقال ستيفن بي. هايمسفيلد، الباحث الرئيسي في الدراسة: «عند إعطاء بيماغروماب للأشخاص المصابين بالسمنة، تحدث زيادة في الكتلة الخالية من الدهون، خصوصاً العضلات، مع انخفاض في دهون الجسم. ويكون معظم فقدان الوزن ناتجاً عن الدهون، مع فقدان ضئيل جداً في العضلات».

«بيماغروماب» يساعد في الحفاظ على الكتلة العضلية

نشر هايمسفيلد عام 2021 دراسة أظهرت أن «بيماغروماب» أدى إلى خفض دهون الجسم بنسبة 20.5 في المائة وزيادة الكتلة الخالية من الدهون بنسبة 3.6 في المائة لدى أشخاص يعانون من السكري من النوع الثاني وزيادة الوزن أو السمنة.

وأظهرت النتائج أن الدواء يحقق فقداناً أقل في الوزن الإجمالي، لكنه يحسّن تركيب الجسم بشكل أفضل. وعدّ الدكتور ديفيد أ. روميتو، أن قدرة دواء بمفرده على خفض الدهون وزيادة العضلات في آن واحد تمثل «اختراقاً كبيراً». وأضاف: «نرى أن إضافة بيماغروماب إلى سيماغلوتايد تحقق فقدان وزن أكبر مع خسارة أقل في الكتلة العضلية».

المزيج الدوائي في مراحله البحثية الأولى

ورغم هذه النتائج الواعدة، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات. وإذا أكدت الأبحاث المقبلة نتائج المرحلة الثانية، فقد يصبح هذا المزيج خياراً جديداً في علاج السمنة.

وقال ميهاي زيلبرمينت، أستاذ الطب السريري المشارك في جامعة «جونز هوبكنز»: «قد يُستخدم هذا النوع من العلاج للمرضى الذين يحتاجون إلى فقدان وزن كبير، لكن مع أهمية الحفاظ على الكتلة العضلية، مثل كبار السن أو طريحي الفراش أو الأقل قدرة على النشاط البدني».

ولم يحصل «بيماغروماب» بعد على موافقة «إدارة الغذاء والدواء» الأميركية، كما أن هذا العلاج المركب غير متاح حالياً. لكن في المقابل، تبقى هناك وسائل أخرى للحفاظ على الكتلة العضلية أثناء فقدان الوزن، أبرزها تمارين المقاومة المنتظمة وتناول كميات كافية من البروتين.

وأضاف زيلبرمينت: «يجب أن يدرك الناس أن فقدان جزء من الكتلة الخالية من الدهون يحدث مع معظم حالات فقدان الوزن، وليس فقط مع أدوية GLP-1، لذا فإن القلق مفهوم، لكن لا داعي للهلع. ابدأوا بممارسة تمارين الأوزان».