أول زراعة قلب من خنزير لإنسان... كيف تمت العملية الجراحية؟

حلقة جديدة من تطورات الهندسة الجينية وتطبيقاتها الإكلينيكية

فريق الجراحين في  جامعة ماريلاند الأميركية المشرف على أول عملية زراعة لقلب خنزير في إنسان (د.ب.أ)
فريق الجراحين في جامعة ماريلاند الأميركية المشرف على أول عملية زراعة لقلب خنزير في إنسان (د.ب.أ)
TT

أول زراعة قلب من خنزير لإنسان... كيف تمت العملية الجراحية؟

فريق الجراحين في  جامعة ماريلاند الأميركية المشرف على أول عملية زراعة لقلب خنزير في إنسان (د.ب.أ)
فريق الجراحين في جامعة ماريلاند الأميركية المشرف على أول عملية زراعة لقلب خنزير في إنسان (د.ب.أ)

تناقلت الأنباء خبر إجراء أول عملية زراعة قلب مأخوذ من جسم خنزير، وغرسه في جسم إنسان مريض، وذلك في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي. وهو ما لا يعد فقط خطوة متقدمة في جانب القدرة على زراعة قلب حيوان في جسم إنسان، بل في جانب دور الهندسة الوراثية في إنتاج أعضاء حيوانية ذات قابلية أعلى للبقاء والعمل في جسم الإنسان، بدلاً عن أعضاء تالفة فيه. ويأتي هذا ضمن التطورات الحديثة لما تُعرف طبياً بـ«عمليات زراعة أعضاء فيما بين كائنات حية مختلفة» Xenotransplantation.
هذا ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيعمل القلب جيداً أو إلى متى، ولكنّ الباحثين يأملون أن تتمكن هذه التقنية يوماً ما من تعويض النقص المزمن في توفر الأعضاء البشرية للمرضى المحتاجين إلى زراعة الأعضاء.

- جراحة متقدمة
ورغم عدم توفر معلومات طبية دقيقة ضمن وصف علمي، منشورة في إحدى المجلات الطبية العالمية، فإن هذا الإجراء الجراحي المتقدم علمياً وتقنياً، والذي قام به فريق في كلية الطب بجامعة ماريلاند UMSOM، يعد بمثابة اختبار رئيسي للكثير من الابتكارات التجريبية المعقدة جداً بالفعل، والمصممة للحفاظ على عمل قلب الخنزير في صدر الإنسان، بما في ذلك:
• إحداث 10 تغييرات جينية تجريبية في الخنازير باستخدام جهود مبتكرة في الهندسة الوراثية وإنتاج أنواع معدلة جينيا Genetically Modified Pig.
• استخدام تجريبي لـ«مُثبط مناعي» Immunosuppressant جديد يُعطى للمريض المتلقي.
• استخدام محلول ممزوج بالكوكايين Cocaine - Laced Solution لاحتضان القلب قبل الزراعة.
وإلى هذا الحدّ يظل هذا الخبر لافتاً، وتُعد تلك الاستخدامات الثلاثة الجديدة علامات فارقة في تطور البحث العلمي الإكلينيكي لعمليات زرع الأعضاء. وهو ما علّقت عليه رابطة القلب الأميركية في عرضها الإخباري بالقول إنه «يرفع الآمال في إيجاد بديل جديد وقابل للتطبيق للأشخاص المعرضين لخطر الموت قبل أن تتاح لهم الفرصة المحدودة لتوفر قلب بشري، وكذلك لأولئك المرضى (الذين هم بالفعل بحاجة إلى زراعة القلب) ولكن غير المؤهلين لزراعة قلب الإنسان».
ومع ذلك تظل عدة تساؤلات علمية وطبية مطروحة دون إجابات واضحة، على الأقل حتى اليوم. وهو ما عبّرت رابطة القلب الأميركية عنه في عرضها الإخباري بالقول: «لكنّ المتخصصين في قصور ضعف القلب يقولون إن أي تفاؤل يجب تخفيفه بحذر، حيث تظل الأسئلة المتعلقة بالسلامة والبقاء على المدى القصير والطويل دون إجابة». ونقلت كلام الدكتور كلايد يانسي، رئيس قسم أمراض القلب في كلية الطب بجامعة نورث وسترن في شيكاغو والرئيس السابق لجمعية القلب الأميركية بقوله: «تتضمن هذه القصة وعوداً، ولكن ثمة خطر أيضاً، ولا أعتقد أن علينا أن نحتفل للتوّ». وأضاف: «إن عمليات زرع الأعضاء الحيوانية تبشّر بالخير ولكنها تأتي مع مجموعة من الأشياء المجهولة. وفي حين أن قلوب الخنازير تشبه قلوب البشر وبالتالي فهي مرشحة جيدة للزرع، فإن هناك مخاطر غير متوقعة. وهناك الكثير من الأسباب للاحتفال، لكننا بحاجة إلى التوقف والنظر في جميع الأسئلة التي تتماشى مع هذا الاكتشاف».

- تساؤلات علمية
ورغم كونه تطوراً علاجياً مهماً، وباعثاً للآمال، ثمة عدد من الأسئلة حول هذه الحالة العلاجية الفريدة، خصوصاً أن عملية زراعة القلب تتوفر منذ عشرات السنوات للمرضى الذين هم بحاجة لذلك، والمُستخدم لهذه الغاية هو قلب بشري يُؤخذ من شخص متوفى ويُزرع في صدر المريض المتلقي، ونتائج نجاح هذه العمليات عالٍ. والأسئلة هي:
- ما الذي دفع فريق المعالجة الطبية إلى استخدام قلب مأخوذ من خنزير تم تعديله وراثياً بدلاً من قلب بشري؟
- ما التعديلات الوراثية Genetic Modifications التي تم إجراؤها؟
- هل كانت هذه التعديلات الجينية العشرة ضرورية؟
وللإجابة عن السؤال الأول، فإن المريض المتلقي لهذه الزراعة يبلغ من العمر 57 عاماً، وكان يعاني من ضعف في القلب بدرجة شديدة ومتقدمة، مع وجود نوع خطر من عدم انتظام ضربات القلب يسمى الرجفان البطيني. وهي مبررات لوضعه على قائمة الانتظار لزراعة القلب متى ما توفر قلب بشري لتلك الغاية. ولكن نتيجة دواعٍ ومعطيات إكلينيكية عدة لدى المريض نفسه، وذلك في مستوى عنايته الشخصية بحالته الصحية، فقد عدّه فريق أطباء برنامج زراعة القلب في المركز الطبي بجامعة ماريلاند، مريضاً غير مؤهل لعملية زرع قلب بشري. ومعلوم أن أحد العوامل التي يجب توفرها في المريض لكي يكون مرشحاً لزراعة القلب هي القدرة على الالتزام بخطة العلاج قبل وبعد الزرع، لأن القلب البشري لا يُقدر بثمن، وتُعطى الأولوية الطبية لمنْ يكونون ملائمين للخضوع لتلك العملية الجراحية وترتفع لديهم احتمالات الحفاظ على القلب المزروع لمدة طويلة. وأحد أهم أسباب ذلك النجاح الالتزام بتناول الأدوية والحرص على المراجعة الطبية الدورية في العيادة وغيره من مظاهر العناية الصحية بالنفس.
وبدلاً من ذلك، وبموافقة المريض نفسه، سعى فريق برنامج زراعة القلب Cardiac Xenotransplantation Program للحصول على إذن «الاستخدام الرحيم» Compassionate Use من إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) لمنحه قلباً من خنزير معدل وراثياً تم إنشاؤه بواسطة شركة تكنولوجيا حيوية. وهي التي تعمل على إمكانية جعل قلوب الخنازير تظل بحالة صحية لأكثر من عامين عند زرعها. وسبق أن نجحوا فيه عندما أجروا عمليات زرع لقلوب خنازير في صدور قردة البابون.

- هندسة جينية مبتكرة
وللإجابة عن السؤال الثاني، فإن السبب وراء استخدام التقنيات المبتكرة في الهندسة الوراثية لإحداث تغيرات في جينات الخنزير المتبرع، هو أن زراعة الأعضاء بالعموم، سواء فيما بين متبرع ومتلقٍّ من نفس الفصيلة (إنسان لإنسان) أو من فصيلتين مختلفتين (حيوان لإنسان)، هي عملية تُثير حصول تفاعلات «رفض Rejection» جسم المتلقي للعضو المأخوذ من جسم «المتبرع».
وردة الفعل المناعية هذه من جسم المتلقي يمكن أن تتسبب في فشل العضو المزروع، وذلك عبر تكوين جهاز مناعة المريض المُتلقي أجساماً مضادة (Antibodies) موجهة ضد أنسجة العضو المزروع. ومعلوم أن المشكلة الرئيسية هي أن الأجسام المضادة التي ينتجها جسم المُتلقي، تتعرف على سكريات معينة توجد على سطح خلايا الخنازير، وتعدّها أجساماً غريبة.
ولتقليل هذا الاحتمال، نحتاج حقاً إلى التخلص من أكبر قدر ممكن من مسببات إنتاج هذه الأجسام المضادة، أي تلك السكريات، كي يتمكن العضو المزروع من العمل بكفاءة ومن البقاء على قيد الحياة لفترة أطول. وما قام به المتخصصون هو إحداث عشرة تعديلات باستخدام تقنية الهندسة الوراثية الجينية. ثلاثة منها لإخراج ثلاثة جينات للإنزيمات التي تُمكن خلايا الخنازير من تصنيع تلك السكريات. وستة تعديلات أخرى كانت عبارة عن إضافات لجينات بشرية: جينان مضادان للالتهابات، وجينان يعززان تخثر الدم الطبيعي ويمنعان تلف الأوعية الدموية، وجينان للبروتينات التي تساعد على كبح تفاعلات استجابة الأجسام المضادة. وأزال التعديل العاشر «جين مستقبل هرمون النمو Growth Hormone Receptor» لتقليل فرصة نمو قلب الخنزير المزروع، الذي يتطابق تقريباً في الحجم مع المساحة المُتاحة في صدر المريض، وبالتالي وقفه عن النمو في الحجم بمجرد زراعته.
وللإجابة عن سؤال: هل كانت جميع التغييرات الجينية العشرة ضرورية؟ فإن هذا ليس واضحاً حتى اليوم وفق ما هو متوفر من معلومات، ولا يُعرف إلى أي مدى سيساعد تعديل كل من هذه الجينات على حدة. وحتى التجارب السابقة التي تمت عند زراعة تلك القلوب المأخوذة من الخنازير المُعدّلة وراثياً، في قرود البابون، كانت تواجه صعوبات في إجرائها، ما جعل من الصعب اختبار تأثيرات كل تعديل فيها على حدة.
وعدم اليقين هذا هو أحد أسباب تحفظات عدد من الباحثين الطبيين عند مراجعتهم خطوات إجراء هذا النوع من طريقة زراعة الأعضاء فيما بين فصائل مختلفة. ولكن يمكن أن تكون بعض التغييرات مفيدة في بعض أنواع عمليات الزرع، وضارة في أنواع أخرى. وعلى سبيل المثال وفق نتائج الدراسات والتجارب السابقة على التعديلات الوراثية، يؤدي إدخال أحد أنواع الجين البشري المضاد للالتهابات (Gene CD47) إلى تحسين نتائج عمليات زرع نخاع العظام من الخنازير إلى قردة البابون، ولكن تبدو خلايا كُلى الخنازير بهذا التعديل عُرضة للالتهاب والتورم عند الزراعة.

- لمن تتم عملية زراعة القلب؟
زراعة القلب هي علاج متقدّم يتم إجراؤه كحلّ أخير، عندما لا تفلح العلاجات الأخرى في التغلب على مضاعفات وتداعيات فشل القلب. وحتى عند طرح هذا الخيار العلاجي، قد لا يكون ذلك ملائماً لكل المرضى الذين تتطلب حالتهم زراعة القلب. وثمة عناصر تتم مراجعتها كي يُصنف المريض على أنه مُرشح لزراعة القلب. وتختلف المراكز الطبية العالمية بشكل طفيف في قائمة عناصر تلك المراجعة. ومن أمثلتها ما يذكره أطباء القلب في «مايو كلينك» بقولهم: «يتم إجراء تقييم طبي لمعرفة إذا ما كنت مؤهلاً لإجراء عملية الزراعة. سوف يتحقَق التقييم لمعرفة إذا ما كنت:
- مصاباً بحالة قلبية من شأنها أن تجعلك تستفيد من جراحة زراعة العضو.
- قد تستفيد من خيارات العلاج الأخرى الأقل توغلاً.
- تتمتَع بصحة جيدة بما يكفي لإجراء عملية جراحية وتتحمل أدوية ما بعد الزراعة.
- ستوافق على الإقلاع عن التدخين، إن كنت مدخِّناً.
- مستعد وقادر على اتباع البرنامج الطبي الذي حدده لك فريق الزراعة.
- يمكنك تحمُّل انتظار القلب المُتبرَع به عاطفياً.
- لديك مجموعة داعمة من العائلة والأصدقاء لمساعدتك في هذا الوقت العصيب.
أي إنها غالباً تستبعد المريض الذي هو على غير استعداد أو غير قادر على إجراء التغييرات اللازمة في سلوكيات نمط الحياة، وهي الضرورية للحفاظ على قلب المتبرِع بصورة صحية، مثل عدم الحرص على تناول الأدوية، أو الانقطاع عن المراجعة الطبية، أو عدم الامتناع عن التدخين، وغيرها.

- خطوات لإجراء عملية زراعة القلب
تعد عمليات زراعة القلب البشري ناجحة للغاية، حيث يبلغ معدل البقاء على قيد الحياة لمدة عام واحد 91% في المتوسط، ويعيش متلقي زراعة القلب من 12 إلى 13 عاماً أخرى. وتقول رابطة القلب الأميركية: «تصبح عمليات زرع القلب ضرورية عندما يكون هناك قصور حاد في القلب، والذي يحدث إذا توقف أحد البطينين القلبيين أو كلاهما عن العمل بشكل صحيح».
وتضيف: «تأتي قلوب البشر المراد زرعها من التبرعات بالأعضاء التي يتم توفيرها عند وفاة الأشخاص. ومع ذلك، فإن الحاجة تتجاوز التوافر، وما يقرب من 20% من الأشخاص الذين ينتظرون قلب المتبرع إما يموتون قبل أن يصلوا إلى قمة القائمة وإما يصبحون مرضى للغاية لإجراء عملية زرع ناجحة. ولطالما بحث الباحثون عن بدائل لعمليات زرع قلب الإنسان. وجاءت أكثر الجهود نجاحاً من خلال التقدم التكنولوجي، مثل جهاز مساعدة البطين الأيسر (LVAD) الذي يساعد القلب على ضخ الدم ويقلل بشكل كبير معدلات الوفيات للأشخاص الذين ينتظرون الزرع على مدى العقود الكثيرة الماضية.
ويوضح ذلك أطباء القلب في «مايو كلينك» بقولهم: «جهاز المساعدة البُطينية عبارة عن مضخة ميكانيكية قابلة للزَرع في الصدر تساعد في ضخ الدم من حجرات القلب السفلية (البُطينان) إلى بقية جسمك. ويشيع استخدام أجهزة المساعدة البُطينية كونها علاجاً مؤقتاً للأشخاص الذين ينتظرون إجراء زراعة القلب. تُستخدم أجهزة المساعدة البُطينية بشكلٍ مُتزايد علاجاً طويل الأمد للأشخاص المُصابين بفشل القلب غير المؤهلين لإجراء عملية زراعة القلب. إذا لم يساعد جهاز المساعدة البُطينية في تحسين وظائف القلب، فقد يفكر الأطباء في بعض الأحيان في استخدام قلب صناعي كلّي -وهو جهاز يحل محل بُطينات قلبك- كعلاج بديل قصير الأجل بينما تنتظر زراعة القلب».


مقالات ذات صلة

5 أسباب لشعورك بالتعب بعد تناول مشروبات الطاقة

صحتك الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق (رويترز)

5 أسباب لشعورك بالتعب بعد تناول مشروبات الطاقة

الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق بدلاً من زيادة الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك لماذا يكرر طفلي الكلمات... ويجيب بصدى السؤال؟

لماذا يكرر طفلي الكلمات... ويجيب بصدى السؤال؟

الدماغ يعتمد على المحاكاة في التعلم إذ يبدأ الطفل بتكرار الأصوات ثم يبني تدريجياً الروابط بين الصوت والمعنى

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك كيف يمكن لـ«ألوان» الضوضاء أن تساعدك على النوم... أو تضرّك؟

كيف يمكن لـ«ألوان» الضوضاء أن تساعدك على النوم... أو تضرّك؟

يجدُ بعض الناس أن الصوت المحايد لضوضاء معينة، يساعدهم على النوم بشكل أفضل

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك المركبات النباتية الموجودة بالتوت قد تساعد في تقليل تلف الحمض النووي (بيكسلز)

من التوت إلى الثوم… 5 أطعمة قد تساعد في الوقاية من السرطان

النظام الغذائي المتوازن لا يساعد فقط في تحسين الصحة العامة بل قد يسهم أيضاً في الحد من الالتهابات المزمنة ودعم وظائف الجسم المختلفة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الزبادي غني بالبكتريا النافعة التي تُساعد على منع دخول المركبات المُسبّبة للالتهاب إلى مجرى الدم (أ.ف.ب)

10 أطعمة للإفطار تساعد على مكافحة الالتهابات

قد يساعد الإفطار الصحي على تقليل الجزيئات الالتهابية في الجسم، خصوصاً عند اختيار أطعمة غنية بمضادات الأكسدة، وأحماض «أوميغا3» الدهنية، والألياف.

«الشرق الأوسط» (لندن)

5 أسباب لشعورك بالتعب بعد تناول مشروبات الطاقة

الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق (رويترز)
الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق (رويترز)
TT

5 أسباب لشعورك بالتعب بعد تناول مشروبات الطاقة

الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق (رويترز)
الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق (رويترز)

يلجأ الكثير من الأشخاص إلى مشروبات الطاقة للحصول على دفعة سريعة من النشاط والتركيز، خاصة خلال العمل الطويل أو السهر.

لكن هذه الجرعة السريعة من الكافيين والسكر قد تعطي نتيجة عكسية؛ إذ يحذر خبراء الصحة من أن الاستهلاك المتكرر لهذه المشروبات قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق بدلاً من زيادة الطاقة. ويرجع ذلك إلى عوامل عدة تؤثر في الجسم على المديين القصير والطويل.

وفيما يلي أبرز الأسباب التي تجعل مشروبات الطاقة تزيد الشعور بالتعب، حسب ما نقله موقع «فيري ويل هيلث» العلمي:

الجفاف

تحتوي مشروبات الطاقة على نسب مرتفعة من الكافيين، وهو مادة مدرة للبول قد تزيد فقدان السوائل في الجسم.

ومع نقص الترطيب قد تظهر أعراض مثل العطش الشديد، الصداع، التعب، تشنجات العضلات، وجفاف الفم، وقد تتفاقم الأعراض في حالات الجفاف الشديد لتشمل الإغماء وتسارع ضربات القلب. وعدم القدرة على التبول.

هبوط السكر المفاجئ

تحتوي معظم مشروبات الطاقة على كميات كبيرة من السكر؛ ما يؤدي إلى ارتفاع سريع في مستوى السكر في الدم، يليه انخفاض مفاجئ يعرف بـ«انهيار السكر».

وغالباً ما يحدث ذلك بعد ساعة إلى ساعتين من تناول المشروب، ويصاحبه شعور بالتعب وضعف التركيز.

أعراض انسحاب الكافيين

إذا كنت تستهلك مشروبات الطاقة باستمرار، فقد تعاني أعراض انسحاب الكافيين عند تقليل استهلاكك لها أو التوقف عنها تماماً.

ومن أبرز هذه الأعراض، التعب والنعاس والصداع، وصعوبة التركيز والغثيان.

التعود على الكافيين

مع مرور الوقت قد يطوّر الجسم نوعاً من التحمل للكافيين؛ ما يجعل تأثيره المنبه أقل فاعلية.

ونتيجة لذلك؛ يحتاج الشخص إلى كميات أكبر للحصول على مستوى الطاقة نفسه، بينما قد يؤدي ذلك في الواقع إلى النعاس والإرهاق وصعوبة التركيز.

اضطراب دورة النوم

رغم أن مشروبات الطاقة قد تساعد على البقاء مستيقظاً لفترة قصيرة، فإن الإفراط في الكافيين قد يخلّ بدورة النوم الطبيعية. ويرتبط ذلك بزيادة الأرق، الاستيقاظ المتكرر ليلاً، وضعف جودة النوم، مما يؤدي في النهاية إلى الشعور بالنعاس والتعب خلال النهار.


لماذا يكرر طفلي الكلمات... ويجيب بصدى السؤال؟

لماذا يكرر طفلي الكلمات... ويجيب بصدى السؤال؟
TT

لماذا يكرر طفلي الكلمات... ويجيب بصدى السؤال؟

لماذا يكرر طفلي الكلمات... ويجيب بصدى السؤال؟

لين، طفلة في ربيعها الثالث، أبهرت والديها وأقاربها بما تتمتع به من مهارات لافتة، مقارنة بكثير من أقرانها... لم تكن صامتة، ولا متأخرة في النطق؛ بل على العكس؛ كانت كثيرة الحديث، تحفظ الجمل الطويلة، وتعيد مقاطع من القصص والبرامج التي تسمعها بدقة مدهشة، فتعيد بناء عالمها اللغوي.

السؤال... والصدى

طفلة يقِظة، حاضرة الذهن، تلتقط الكلمات كما تلتقط العصافير حبات القمح، تحفظها بنغمتها وإيقاعها، ثم تعيدها بتمكن واضح. إذا سألتها: «هل تريدين الحلوى؟»، جاءك الرد فوراً، بالنبرة ذاتها تقريباً: «هل تريدين الحلوى؟». وإن أعدت السؤال، عاد إليك الجواب صدى للسؤال نفسه.

تنظر الأم بفخر إلى قدرة طفلتها على الحفظ والتقليد، غير أن هذا الإعجاب لا يخلو من سؤال داخلي يلازمها: هل يعكس ذلك ذكاءً لغوياً مبكراً؟ أم أنه علامة تستحق التوقف عندها؟

هذا المشهد لا يخص «لين» وحدها؛ بل يتكرر في بيوت كثيرة... طفل يعكس السؤال بدل أن يجيب عنه، فيظن بعض الأهل أنه يعاند أو لم يفهم، بينما يذهب آخرون إلى ربط التكرار باضطرابات نمائية قبل اكتمال الصورة.

«الترديد الببغائي للكلام»

علمياً، يُعرف هذا النمط باسم الإيكولاليا (Echolalia) أو «الترديد الببغائي للكلام» أو «صدى الكلام». وهو سلوك لغوي قد يظهر ضمن المسار الطبيعي لاكتساب اللغة في السنوات الأولى، حين يعتمد الدماغ بدرجة كبيرة على المحاكاة بوصفها آلية التعلم الأساسية. لكنه في سياقات معينة قد يكون جزءاً من نمط أوسع يستدعي تقييماً متخصصاً.

الفارق لا يكمن في التكرار ذاته، بل في الصورة الكاملة لنمو الطفل: تواصله البصري، واستجابته لاسمه، وتطور مفرداته، وطبيعة تفاعله الاجتماعي.

فما الذي يحدث في دماغ الطفل حين يعيد السؤال بدل أن يجيب عنه؟ هل يولد بعض الأطفال أكثر ميلاً إلى التقليد؟ ومتى يكون هذا الصدى مرحلة عابرة في نمو اللغة؟ ومتى يتحول إلى إشارة تنبيه مبكرة؟

لين... براءة الطفولة ودهشة اكتشاف اللغة في عالم الكلمات المكررة

حالة "الإيكولاليا"

بين الإفراط في الاطمئنان والإفراط في القلق، تقف الحقيقة العلمية أكثر توازناً وهدوءاً. وهذا ما نحاول إيضاحه في السطور التالية.

• ما المقصود بالإيكولاليا؟ الإيكولاليا هي تكرار الطفل للكلام الذي يسمعه دون تعديل فوري. وهي ليست مرضاً بحد ذاتها؛ بل سلوك لغوي موصوف في أدبيات النمو منذ عقود. وقد أشار الباحثان Prizant & Duchan (1981) في دراسة مبكرة، إلى أن التكرار قد يؤدي وظائف تنظيمية أو تواصلية، وليس مجرد نسخ آلي للكلام.

وتنقسم الحالة إلى نوعين رئيسيين:

-الإيكولاليا الفورية (Immediate Echolalia): تكرار الجملة مباشرة بعد سماعها.

-الإيكولاليا المؤجلة (Delayed Echolalia): إعادة عبارات سُمعت سابقاً في سياق مختلف.

وتشير مراجعات تطور اللغة لدى الأطفال إلى أن هذا التكرار قد يمثل مرحلة انتقالية بين التقليد الصوتي والفهم الدلالي (Tager-Flusberg et al., 2005).

• التقليد: آلية التعلم الأولى. في السنوات الأولى من العمر، يعتمد الدماغ على المحاكاة (Imitation) بوصفها حجر الأساس في التعلم. فالطفل لا يبدأ بالقواعد اللغوية؛ بل بتكرار الأصوات، ثم يبني تدريجياً الروابط بين الصوت والمعنى.

وتوضح أبحاث علم الأعصاب أن نظام الخلايا المرآتية (Mirror Neuron System)، الذي وصفه Rizzolatti & Craighero (2004)، يلعب دوراً محورياً في هذا السياق؛ إذ يسمح بمحاكاة الأفعال والأصوات التي يلاحظها الطفل. لذلك يكون الدماغ في هذه المرحلة مهيأً لاستقبال الأنماط الصوتية قبل أن تتبلور مهارة استخدامها بصورة مستقلة.

هل هي ظاهرة طبيعية؟

• ماذا يحدث في مناطق اللغة؟ تتوزع معالجة اللغة في الدماغ بين:

- منطقة بروكا (Broca’s Area) المسؤولة عن إنتاج الكلام.

- منطقة فيرنيكه (Wernicke’s Area) المسؤولة عن الفهم.

في الإيكولاليا التطورية، قد يكون المسار السمعي فعالاً جداً (الالتقاط)، بينما لا تزال مهارات الاستخدام السياقي (Pragmatics) في طور النضج. لذا قد يكرر الطفل السؤال، لأنه لم يطوّر بعد القدرة الكاملة على معالجة السؤال وتحويله إلى إجابة بصيغة المتكلم.

ومن المهم التأكيد أن التكرار لا يعني بالضرورة غياب الفهم؛ ففي بعض الحالات يكون التكرار وسيلة لمعالجة السؤال داخلياً قبل الإجابة.

• هل تُعدّ الظاهرة طبيعيةً؟ تُعد الإيكولاليا شائعة بين سن 18 شهراً و3 سنوات، وغالباً ما تتراجع قبل سن الرابعة مع نضج المهارات الاجتماعية.

وتكون مطمئنة عندما يتوافر:

- تواصل بصري جيد واستجابة سريعة للاسم.

- فهم للأوامر البسيطة.

- لعب رمزي أو تخيلي.

- تطور تدريجي في حصيلة المفردات.

في هذه الحالة، نكون أمام مرحلة نمائية طبيعية.

لين...هل تصبح فنانة الغد؟

الإيكولاليا في السياق العربي

في البيئة العربية، حيث يزدوج الخطاب بين الفصحى والعامية، وأحياناً تضاف لغة أجنبية أخرى، قد يزداد التكرار مؤقتاً نتيجة تعدد الأنماط اللغوية. وتشير أبحاث الازدواجية اللغوية (Genesee, 2006) إلى أن الأطفال ثنائيي اللغة قد يُظهرون أنماطاً انتقالية لا تعكس تأخراً حقيقياً؛ بل إعادة تنظيم داخلي للغة، لا علامة اضطراب.

علامات مميزات

• ما الذي يميز الطفل المقلد؟ الأطفال ذوو مهارات التقليد العالية غالباً ما يمتلكون:

- ذاكرة سمعية قوية.

- حساسية للنبرة والإيقاع.

- قدرة على التمييز الصوتي الدقيق.

- استعداداً لاكتساب لغات متعددة.

في السياق الطبيعي، قد يعكس التقليد دماغاً نشطاً في التقاط الأنماط، لا خللاً فيها.

• هل طفل اليوم المقلِّد هو فنان الغد؟ قد يتساءل البعض: هل تشير القدرة الدقيقة على التكرار وتقليد الأصوات إلى موهبة فنية مستقبلية، كأن يصبح ممثلاً بارعاً في تقمص الشخصيات أو مقلداً محترفاً للأصوات؟

علمياً، لا يمكن ربط ظاهرة نمائية مبكرة بمسار مهني محدد لاحقاً. غير أن بعض السمات العصبية المرتبطة بالتقليد - مثل قوة الذاكرة السمعية (Auditory Memory)، ودقة التقاط النبرة والإيقاع (Prosody Processing)، وحساسية التمييز الصوتي (Phonological Discrimination) - تُعدّ من المهارات الأساسية في مجالات الأداء الصوتي، والتمثيل، والدوبلاج، وتعلم اللغات، وحتى الموسيقى.

وقد أظهرت دراسات في علم الأعصاب أن نظام الخلايا المرآتية الذي يسهم في المحاكاة والتعلم بالملاحظة، يلعب دوراً في فهم التعبير العاطفي ونقله، وهي مهارات جوهرية في الفنون الأدائية. إلا أن هذه القابلية العصبية تمثل استعداداً عاماً لا أكثر؛ فهي تحتاج إلى بيئة داعمة، وتدريب مستمر، وسمات شخصية معينة كي تتحول إلى موهبة فنية متبلورة.

لذلك، قد يكون الطفل المقلِّد اليوم أكثر حساسية للأنماط الصوتية، وأكثر استعداداً لاكتساب مهارات لغوية أو أدائية مستقبلاً، لكن الطريق من «الصدى» إلى «الاحتراف» لا ترسمه ظاهرة واحدة؛ بل تصنعه الخبرة والتوجيه والتشجيع.

إن التقليد في الطفولة ليس تنبؤاً بالمهنة، لكنه قد يكشف عن قابلية معرفية تنتظر بيئة تُنمّيها، وما قد يبدو اليوم مجرد تقليد عفوي، قد يكون في جوهره حساسية مبكرة لالتقاط النمط.

دور الوالدين

توضح الدكتورة كلير سميث (Claire Smith)، مستشارة النطق واللغة في منظمة «Speech and Language UK» البريطانية، أن الأطفال يلجأون إلى الإيكولاليا في كثير من الأحيان، لأنهم ما زالوا في طور تطوير مهارات فهم الكلمات والمعاني، وأن الإيكولاليا تختفي مع مرور الوقت. ومع ذلك، حتى إذا استمر الطفل في تكرار الكلمات والعبارات لفترة، فلا داعي للقلق، فنحن بوصفنا مستشارين في هذا المجال ننظر إلى هذه الظاهرة على أنها خطوة انتقالية نحو تطور لغوي أكثر استقلالاً. فهي ليست مجرد تقليد للكلام، بل مفيدة للأطفال، وتساعدهم في اكتساب القدرة على استخدام اللغة بصورة أفضل.

وتضيف كلير أن هناك كثيراً من الخطوات البسيطة التي يمكن للوالدين القيام بها لمساعدة الطفل في توسيع فهمه اللغوي والانتقال تدريجياً إلى مراحل أكثر تقدماً في استخدام اللغة. ومن ذلك:

- تقديم نموذج للإجابة بدل التوبيخ والتصحيح السلبي:

الأم: «ما اسمك؟»، الطفل: «ما اسمك؟»، الأم: «اسمي لين».

- تعزيز الإجابة الصحيحة بالمدح.

- القراءة اليومية.

- تشجيع اللعب التخيلي، فالتفاعل الإيجابي يُسرّع نضج اللغة أكثر من أي توبيخ أو ضغط.

• متى تستدعي الظاهرة التقييم؟ الإيكولاليا قد تظهر أيضاً في سياق اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD). غير أن وجود الإيكولاليا وحدها لا يكفي للتشخيص. إذ لا بد من وجود نمط أوسع من صعوبات التواصل الاجتماعي والسلوكيات النمطية المتكررة. وقد أوضحت الأدبيات السريرية أن الإيكولاليا في سياق التوحد تكون عادة جزءاً من منظومة أوسع من التحديات التواصلية.

الخلاصة

عادت «لين» بعد زيارة عددٍ من المتخصصين في طب أعصاب الأطفال، ومعها تقارير مطمئنة تشير إلى أنها طفلة ذات قدرات معرفية مرتفعة، وأن مستوى ذكائها العام (Intelligence Quotient – IQ) يفوق المتوسط مقارنة بأقرانها. كانت تستوعب وتتفاعل وتبني عالمها اللغوي بطريقتها الخاصة.

ولم يكن تكرارها للأسئلة دليلاً على نقص في الفهم؛ بل مرحلة من مراحل تنظيم اللغة داخل دماغ لا يزال ينسج خيوط المعنى من أصوات وكلمات متراكمة. فكما تشير الأدبيات العلمية في تطور اللغة، فإن المحاكاة غالباً ما تسبق الاستقلال اللغوي، وأن التكرار قد يكون طريقاً مؤقتاً بين السمع والفهم والتعبير. وبين الصدى والمعنى يبني الدماغ جسور التواصل.

إن الحكم على الإيكولاليا لا يكون بالكلمة المكررة وحدها؛ بل بالصورة الكاملة لنمو الطفل: تواصله البصري، ودرجة انتباهه، ولعبه الرمزي، وتفاعله الاجتماعي، وتقدمه المعرفي.

وفي حالة لين، كانت هذه الصورة مطمئنة، بل مبشِّرة. وعلينا أن نتذكر أن الطفل حين يجيب بالسؤال لا يتحدى ولا يتجاهل، بل يمر بمرحلة من مراحل التعلم. فليس كل صدى إنذاراً، وليس كل تكرار علامة اضطراب، فبعض الأصداء ليست إلا الخطوات الأولى في رحلة نضج اللغة واكتسابها.


كيف يمكن لـ«ألوان» الضوضاء أن تساعدك على النوم... أو تضرّك؟

كيف يمكن لـ«ألوان» الضوضاء أن تساعدك على النوم... أو تضرّك؟
TT

كيف يمكن لـ«ألوان» الضوضاء أن تساعدك على النوم... أو تضرّك؟

كيف يمكن لـ«ألوان» الضوضاء أن تساعدك على النوم... أو تضرّك؟

يجدُ بعض الناس أن الصوت المحايد لضوضاء معينة، يساعدهم على النوم بشكل أفضل؛ فربما يغالبك النعاس على أزيز مروحة خافت، أو لعل صوت قطرات المطر المتساقطة تعينك على الاستغراق في سبات مريح.

تُصنف هذه الضوضاء أو الأصوات وفقاً لـ«ألوان»، مثل الضوضاء البيضاء، أو الوردية، أو البنية. ولكن، هل ثمة أدلة علمية تثبت أنها تُحسّن النوم حقاً؟

الضوضاء البيضاء

* ما هي الضوضاء البيضاء؟ من الناحية التقنية، يشير مصطلح «الضوضاء البيضاء» «white noise» إلى الضوضاء التي تحتوي على كافة ترددات الأصوات التي يمكن للأذن البشرية سماعها، وبنسب متساوية. (والتردد هو المعدل الذي تهتز به الموجات الصوتية).

وقد شُبّهت الضوضاء البيضاء بصوت «التشويش» المنبعث من الراديو - أو من جهاز تلفاز قديم - حين لا يكون مضبوطاً على محطة معينة. وتشمل الأمثلة الأخرى للضوضاء البيضاء، أصوات المراوح وأجهزة تكييف الهواء.

* جدل حول فوائد الضوضاء البيضاء. أسفرت الدراسات المتعلقة بفوائد الضوضاء البيضاء للنوم عن نتائج متباينة؛ إذ تشير بعض الاستنتاجات إلى أنها تساعد الأفراد على النوم بشكل أفضل، وربما يرجع ذلك إلى دورها في حجب الضوضاء الخارجية وعملها كمُحفز للاستسلام للنوم. وفي هذا السياق، تقول الدكتورة سوغول جافاهري، الأستاذة المساعدة في كلية الطب بجامعة هارفارد، والطبيبة في قسم اضطرابات النوم والإيقاع الحيوي، بمستشفى بريغهام والنساء التابع لجامعة هارفارد: «أظهرت دراسة أُجريت على الرضع والأطفال أن الضوضاء البيضاء قد تقلل من معدل ضربات القلب ومعدل التنفس، ما يؤدي بفعالية إلى تهيئة الفرد للنوم ومساعدته عليه».

ومع ذلك، كشفت مراجعة منهجية نُشرت في دورية «مراجعات طب النوم - Sleep Medicine Reviews» أن الضوضاء البيضاء لم يكن لها سوى تأثير إيجابي ضئيل على جودة النوم. والأدهى من ذلك، وفقاً للدكتورة جافاهري، أن الضوضاء البيضاء قد تعمل على قطع مراحل حيوية من النوم، مثل «نوم حركة العين السريعة - REM sleep» أو النوم العميق، كما قد تؤثر على حاسة السمع إذا كان مستوى الصوت مرتفعاً بشكل مبالغ فيه.

* آلة الضوضاء البيضاء. وإذا كنت ممن يستخدمون آلة الضوضاء البيضاء للنوم، فحاول وضعها في أحد زوايا غرفة نومك، واحرص على ألا يتجاوز مستوى الصوت حدَّ المحادثة الجانبية الهادئة. كما يُراعى تشغيل الآلة قبيل الخلود إلى الفراش مباشرة؛ وإن كان جهازك مزوداً بمؤقت زمني، فجرب ضبطه ليعمل أثناء استغراقك في النوم فقط، بدلاً من تركه يعمل طوال الليل.

الضوضاء الوردية والضوضاء البنّية

رغم أن الضوضاء البيضاء هي الأكثر شهرة، فإنَّ ألواناً أخرى من الضوضاء قد استُخدمت لتعزيز جودة النوم. وتتميز «الضوضاء الوردية» Pink noise بترددات منخفضة أكثر حدة، مما يجعل صوتها يبدو أعمق من الضوضاء البيضاء؛ ومن أمثلتها أصوات هطول المطر أو انهمار الشلالات.

وقد خلصت بعض الدراسات إلى أن الضوضاء الوردية يمكن أن تعزز «النوم العميق» لدى كبار السن وتحسن الأداء الإدراكي. علاوة على ذلك، أشارت الأبحاث إلى أن الضوضاء الوردية قد تقلل من الوقت المستغرق للدخول في النوم وتُحسّن جودته. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه النتائج قد أُحرزت تحت ظروف تجريبية دقيقة، عمل فيها الباحثون على ضبط توقيت الضوضاء الوردية بدقة خلال ساعات الليل.

أما اللون الآخر من الضوضاء - وهو اللون البني brown - فيعمل على خفض الترددات الصوتية العالية بشكل أكبر مما تفعله الضوضاء الوردية، ويُوصَف صوته بأنه أكثر «خشونة» أو «غلظة». فعلى سبيل المثال، يمكن تشبيه الضوضاء البنية بالهدير العميق لأمواج المحيط المتلاطمة أو قعقعة الرعد المدوية، بينما تشبه الضوضاء الوردية صوت المطر اللطيف.

وفي هذا الصدد، تقول الدكتورة جافاهري: «نحن بحاجة إلى مزيد من البيانات للوقوف على الدور الذي قد تلعبه الضوضاء الوردية والبنية في عملية النوم، مثل تحديد مستويات الصوت والمدة الزمنية التي قد تحقق أقصى استفادة. وفي الوقت الراهن، لا أنصح بالاستماع للضوضاء الوردية أو البنية بشكل مستمر طوال الليل، بل يُفضل استخدامها لفترة زمنية محددة إذا كانت تساعدك على النوم بسرعة أكبر».

وختاماً، تذكر أن الاستماع لـ «لون» معين من الضوضاء ليس سوى واحد من بين أساليب عدة للمساعدة على النوم. ولتعزيز نوم صحي ومستمر كل ليلة، من الأهمية بمكان ممارسة عادات النوم الصحية المذكورة أدناه.

نصائح لنوم أفضل

نحتاج جميعاً إلى ما يتراوح بين سبع وتسع ساعات من النوم كل ليلة للتمتع بصحة مثالية؛ فبدون هذا القسط الكافي، نصبح عُرضة لخطر «الحرمان من النوم»، الذي يُحفز بدوره حالات الاكتئاب والقلق وصعوبة التركيز. كما أن قلة النوم تزيد من احتمالية الإصابة بمشكلات صحية مزمنة، مثل السمنة، والسكري، وأمراض القلب، والتدهور الإدراكي. امنح نفسك الفرصة المثلى لنيل قسطٍ وافر من الراحة الليلية عبر ممارسة «عادات النوم الصحية»، وإليك بعض النصائح في هذا الصدد:

- مارِس الرياضة يومياً، ولكن تجنب التمرينات الشاقة والمكثفة في وقت قريب من موعد النوم.

- تجنَّب تناول المشروبات الكحولية والأطعمة الحريفة (الحارة) مع اقتراب موعد النوم.

- اعتنِ بـ«طقوس ما قبل النوم» قبل ساعة واحدة من الموعد المحدد: اخفض الإضاءة، وأغلق شاشات التلفاز والحاسوب، ومارِس نشاطاً هادئاً (مثل القراءة).

- نم في غرفة باردة ومظلمة، وتأكَّد من أن الفراش مريح بما يكفي.

- التزم بمواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ في الوقت ذاته كل يوم.

* رسالة هارفارد «مراقبة صحة المرأة»، خدمات «تريبيون ميديا».