المخرج كريستوفر نولان يراهن على الجمهور في كل مرّة

«أهتم بالشخصيات في كل فيلم لكني لا أؤمن بأن تكون مسطحة»

المخرج ‪كريستوفر نولان‬، آن هاذاواي في وسط العاصفة.. لقطة من «نجمي»
المخرج ‪كريستوفر نولان‬، آن هاذاواي في وسط العاصفة.. لقطة من «نجمي»
TT

المخرج كريستوفر نولان يراهن على الجمهور في كل مرّة

المخرج ‪كريستوفر نولان‬، آن هاذاواي في وسط العاصفة.. لقطة من «نجمي»
المخرج ‪كريستوفر نولان‬، آن هاذاواي في وسط العاصفة.. لقطة من «نجمي»

كان مفاجئًا لكثيرين في هوليوود مرور فيلم كريستوفر نولان «نجمي» Interstellar مرورًا شبه عابر أمام جمهور مرتادي السينما. الآن، والفيلم انطلق على أسطوانات في الأسبوع الماضي، يتصدّر قائمة أكثر الأسطوانات الأميركية مبيعًا، لكن هذا الفيلم الخيالي - العلمي - المستقبلي حقق داخل الولايات المتحدة حين عرض في أواخر العام الماضي 188 مليون دولار في مقابل التكلفة التي بلغت 165 مليون دولار. ولولا أن السوق العالمية استوعبته على نحو جيّد، إذ تجاوزت إيراداته فيه 660 مليون دولار، لدخل خانة الخسائر الكبيرة.‬
‬أحد الذين فوجئوا بهذا الإعراض بين الجمهور الأميركي كان مخرج الفيلم كريستوفر نولان. إن لم يكن بسبب أن الفيلم من النوع الخيالي، فعلى الأقل لأن الجمهور الغالب يدرك أنه يقف وراء نجاحات فائقة من قبل. يكفي أنه أنجز ثلاثة أجزاء كبيرة من «باتمان» مجموع ما حققته عالميًا يتجاوز الثلاثة مليارات دولار.
لقد حوّل نولان الشخصية المعروفة من مجرد بطولة خارقة معهودة إلى شخصية أقرب لأن تكون واقعية بمعايير الأدب الذي جاءت منه. الجزء الأول من الثلاثية الحديثة من مسلسل «باتمان» التي انطلقت، سنة 2005، بفيلم «باتمان يبدأ» وتوسطت بفيلم «الفارس الداكن» (2008) وانتهت بـ«الفارس الداكن يرتفع» (2012). بين كل المشاريع التي آلت إليه اختار مشروع فيلم «نجمي» ومن بين كل الممثلين الذين يتمنون العمل تحت إدارته اختار ماثيو ماكونوهي.

فيلم «نجمي»، بحد ذاته، عمل رائع الصورة وعميق الدلالات. يقع في المستقبل المنظور، حيث انخفض الأكسجين وارتفعت نسبة النيتروجين. في الزمن المستقبلي غير البعيد، يعاني الناس، كما المحصولات الغذائية، من خطر اضمحلال شروط الحياة إذ ما عاد ينفع زراعة أي شيء باستثناء الذرة وحتى هذه لن تعيش طويلاً. النهاية مخيفة، لكن كوبر (ماكونوهي) ربما ما زال لديه أمل ما. هنا في هذه الفترة من الفيلم يبني نولان أرضيّته ليس للحكاية وحدها، بل للعلاقات الإنسانية الحميمة بين أفراد الأسرة الواحدة. هذه العلاقة يحملها كوبر معه إلى الفضاء عندما يصدّق قول العالم (مايكل كاين) إن الحل إنما يكمن في الفضاء لأجل نقل إنسان الغد من الأرض إلى كوكب آخر.

* الرداء الأسود

«نجمي» كان أكثر من مجرد فيلم خيالي يستند إلى بعض الواقع الحاضر (التلوّث البيئي، الانحباس الحراري.. إلخ). كان رغبة في رثاء الإنسان وتصوير حتمية نهاية مظلمة. لا بديل للأرض والأرض باتت تئن تحت وقع ما يحدث عليها.
بالإضافة إلى ذلك، هو فيلم رائع في بصرياته وتقنياته. أخذ المخرج نولان من فيلم ستانلي كوبريك الإبهار التقني في «2001: أوديسا الفضاء» ويستوحي الهم الإنساني من فيلم أندريه تاركوفسكي في «سولاريس» وعالجهما مضاعفين. لا تعرف ما تتوقع على أي صعيد ولا يشتبك الفيلم بين المغامرة الخيالية العلمية وبين البوح الإنساني الرائع الذي يربط بين شخصيات الأرض وشخصيات الفضاء. يتوه قليلاً قبل ربع ساعة من نهايته، لكنه يعود إلى خطّه المستقيم سريعًا من بعد، لكن توهانه ذاك ليس نتيجة ضعف أو ركاكة، بل مجرد مد خط إضافي كان يمكن تجاوزه (المشهد الذي يرى فيه كوبر ابنته من وراء عالم موازٍ بخمسة أبعاد).
وُلد نولان في الثلاثين من شهر أغسطس (آب) 1970. بعد 28 سنة أخرج فيلمه الأول Following. بعد عامين احتل مكانته في فيلمه الثاني مباشرة وهو «ميمونتو». هذا كان فيلمًا تشويقيًا حول رجل فقد ذاكرته جزئيًا ولا يستطيع أن يسرد ما حدث له إلا بتتبع خطواته من الحاضر إلى الأمس بالتدريج. بالتالي، حقق نولان الفيلم بالشكل نفسه. سرد الحكاية من النهاية إلى البداية ولفت الأنظار لا بين النقاد فقط، بل بين المشاهدين.
لاحقًا ما وجد نفسه أمام وضع مشابه إلى حد في فيلمه «أرق»، حيث آل باتشينو هو التحري الذي يستعصي النوم عليه والذي لأسباب وظروف يقتل عرضًا (أو قصدًا) زميلاً له في أحداث تقع في ألاسكا.
هذا كله قبل أن يتسلم نولان دفّة «باتمان» في ثلاثيتها الجديدة. وكما منح فيلميه المذكورين «ميمنتو» و«أرق» غوصًا نفسيًا يفصل ما بين الفيلم البوليسي والتشويقي المعتاد وبين ما ينجزه هو في إطاره، قام في «باتمان يبدأ» بتقديم عمل رائع لا يخلو من البحث في الظروف والدوافع النفسية في الوقت الذي لا يزال يسرد فيه حكاية مبهرة حول ذلك التحري ذي الرداء الأسود الذي يسعى لإنقاذ نيويورك من الفساد القائم.

* الفن أو الجمهور

ما بين عرض «نجمي» على الشاشة وبين إطلاقه على أسطوانات، جلس نولان يتحدّث عن فيلمه ورؤيته للسينما التي يهوى تقديمها. والملاحظة التي يخرج بها المرء حين مقابلته هو رغبته في إيضاح كل شيء كما لو كان يدرك أن أفلامه هي أعمق (بقليل أو بكثير) من العشرات من الأعمال المشابهة لها كنوح أو كصفة إنتاج.
وفيما يلي نص الحوار:
* لماذا في رأيك تختلف أفلامك عن أفلام سواك؟ هناك الكثير من أفلام الخيال العلمي وأفلام السوبر هيرو، لكن أفلامك مميّزة لا بإتقانها وتفاصيلها فقط، بل بتلك النظرة الباحثة في الجانب النفسي لشخصياتك؟
- لقد قلتها.. أهتم بالجانب النفسي للشخصيات لأنني لا أؤمن بأن الشخصيات التي تظهر على الشاشة يجب أن تكون مسطّحة. لا يوجد في الواقع شخصية ببعدين. كل واحد منّا يملك عمقًا ثالثًا. ما أحاول تجنّبه هو أن تكون الشخصيات مربّعة الأضلع على الشاشة. هذا لا يعني بالضرورة تركيب الجوانب النفسية والشخصية فوق بعضها البعض لكي أخلق كثافة. كل شيء يتبع عملية التأليف ذاتها التي يجب أن تراعي مسائل أخرى مثل رغبة الجمهور في استيعاب هذه الشخصيات وكيفية التجاوب معها من دون أن ينتج عن هذه التجارب أي تسطيح.
* ما الذي تهتم به أولاً.. أنت أو فنك أو الجمهور؟
- أنا وفني واحد. أقدم ما أعتقد أنه طريقتي وما أحبه في السينما وأتمنّى أن يجد القبول بين المشاهدين.
* هل تجد أن أفلامك صعبة على الجمهور؟ وهل تعمد إلى التنازل لأجل أن تحقق رؤيتك نجاحات تجارية؟
- سؤالك شائك؛ لأن رغبتي من وراء عملي هي تقديم أفلام تثير الجمهور، لكنني أتمسّك في الوقت ذاته بما أراه المستوى الذي أريد العمل فيه. كل شيء في «نجمي» قائم على هذه الغاية التي لا تستبعد الجمهور مطلقًا لأن السينما هي للترفيه أولاً. الاختلاف هو أن تكون للترفيه الجيد في الوقت ذاته. مهم جدًّا بالنسبة لي أن أقدم للجمهور قصّة تصلح للتداول بعد الخروج من الصالة. بعد المشاهدة. الفيلم رحلة. أقصد أي فيلم هو رحلة الغاية منها أن تكتشف ما تعود منه بخبرات ومعرفة وتتذكره بسعادة. كمنظم الرحلة يسعده أكثر إذا ما وجد الكثير من الناس تريد الاشتراك فيها. لكن عليه أن يكون جاهزًا ليؤمن ما يريدهم العودة به من تلك الفوائد.
* اختيار ماثيو ماكونوهي ومن قبله كريستيان بايل في أفلام «باتمان» وليوناردو ديكابريو في «تمهيد» هو جزء من رغبتك في الوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين؟
- كل واحد من الذين ذكرتهم هو ممثل جيّد قبل أن يكون نجمًا كبيرًا. وأنا أريد الممثل الجيّد وإذا ما استطعت اختيار الممثل الجيّد الذي هو نجم كبير فليكن. كنت أعرف أن ماكونوهي ممثل رائع بصرف النظر عن الدور الذي يقوم به، لكن شعبيته لم تغب عن بالي في الوقت ذاته. المهم عندي هو أنني وضعت شخصية مثيرة للتأمّل أو للمتابعة أو التجاوب وحتى أفعل ذلك عليها أن تكون مثيرة بحد ذاتها وهذا يتطلب ما ذكرته سابقًا وهو تأليف شخصية ذات أبعاد.
* في «نجمي» أو في سواه، طالما نتحدث عن عمق مدلولات الأفلام التي أخرجتها وشخصياتها، هل تجد أن ما تريد الوصول إليه واضح لدى الممثلين أم تلجأ إلى الجلوس مع كل منهم لتفسير ما تريد؟
- السيناريو مكتوب لكي يكوّن للممثل، وللآخرين طبعًا، ما هو مطلوب منه. ما الذي عليه أن يتوقعه من دور وهذا ما سيدفعه للتفكير في الشخصية وكيف سيقوم بتمثيلها. لكن الجلسات ضرورية. السيناريو لا يستطيع أن يقول كل شيء. الممثل قد يكون لديه أسئلة، وقد تكون عندي أسئلة بخصوص تلقيه لما هو مكتوب. الحالتان تقعان على نحو طبيعي.
* كيف تحافظ على سريّة سيناريوهاتك؟
- هذا أمر صعب جدًّا في هذا العصر.
* كوينتين تارانتينو كاد يلغي فيلمه المقبل بعدما تم نشر فحواه على الإنترنت..
- هذا صحيح. هذا ما أقصده. في هذا العصر بات من الصعب جدًا إبقاء ما هو شخصي شخصيا أو ما هو سري سريا. لكن أريد أن أضيف شيئًا لم أقله في معرض الحديث عن السيناريو والممثلين. أجلس مع كل ممثل على حدة لكي أتأكد من أن كل شيء واضح. والحقيقة أن بعض أسئلتهم لي رائعة. اكتشفت أن آن هاثاواي (بطلة الفيلم) لديها معرفة واهتمام كبيرين بخصوص كل ما هو علمي. لا تريد أن تظهر ذلك، لكنها بالفعل تعرف الكثير عن الفيزياء. بينما وجدت ماكونوهي أكثر انصرافًا صوب العلاقة الروحانية التي يمكن للمشاهد أن يستلهمها من الفيلم. كلاهما كان لديه أسئلة مثيرة، وكلاهما كان يتابع ما في بالي ويطرح عليّ ما لديه من تساؤلات. وجدت ذلك مثيرا جدًا للاهتمام.

* الخوف من الماء

* هذه الأسئلة هي التي في بال المشاهدين. أعتقد أنك تهدف إلى جعلهم قادرين على استبدال المتوقع من فيلم خيالي - علمي بأفكار أخرى.
- شكرًا.
* وهذا أيضًا موجود في شخصية باتمان مثلاً. كلنا شاهدنا السلسلة السابقة حين لعب جورج كلوني ومايكل كيتون الدور الرئيسي، لكن باتمان كما أعدت تقديمه أنت يختلف.
- .. لكن هذا الاختلاف له علاقة بأنني لم أرد إعادة صنع فيلم، بل تقديمه من جديد. كلنا نعرف أن الأفلام السابقة وصلت إلى الجمهور. الرهان على كيفية تقديمها من جديد علما بأنه ما بين التسعينات عندما تم تقديم تلك الأفلام وسنة 2005 عندما أنجزت «باتمان يبدأ» مسافة زمنية قصيرة. لو أن الجمهور وجد نفسه أمام فيلم مشابه لما كرر الحضور. لسقط المشروع بأكمله. له أيضًا علاقة بأسلوب كل مخرج على حدة. أحب النظر إلى أفلام تيم بيرتون عمومًا وإلى «باتمان» كما أخرجه على وجه خاص، لكن ما أنجزه يتبع مفهومه الخاص وما أنجزه أنا يتبع مفهومي الخاص أيضًا.
* بعض الصحف ذكرت أنك تخاف من الماء.. هل هناك سبب؟
- نعم. سبب مهم (يضحك). ذات مرّة تعرضت لحادثة وأنا أقوم بـ«السيرف» كادت تعطب ظهري. في الواقع كان الألم في كتفي اليمنى شديدًا لفترة طويلة ومن يومها وأنا أخشى البحر والأمواج.
* لكن واحدًا من أفضل مشاهد «نجمي» هو ذلك الذي نرى فيه أمواجًا عالية كالجبال وهي تتقدّم صوب المركبة الفضائية. هل جودة هذا المشهد لها علاقة بمخاوفك؟
- (يضحك) لا بد.. كل الأفلام انعكاسات شخصية لأصحابها.
* تكتب سيناريوهاتك مع أخيك جوناثان. كيف بدأ هذا التعاون؟
- في سنة 2000 كتب جوناثان قصّة قصيرة لم تنشر. هذه القصّة كانت الأساس لفيلم «ميمنتو» والتعاون انطلق من ذلك الحين.
* كيف تعملان على مشاريعكما؟
- أحب العمل مع جوناثان لأنه عمل مرتاح. العمل مع أشخاص تعرفهم ويعرفونك عن كثب يمنحك الحرية ويجعلك قادرًا على الالتزام بمنهجك السينمائي ومن دون محاولة شرحه لعنصر آخر في كل مرة. جوناثان يعرف ما أريد ورغم ذلك على كل منا أن يثق بالآخر. تعلم أن زوجتي هي شريكتي في الإنتاج أيضا وما أقوله عن شقيقي أستطيع قوله عن عملي مع إيما (توماس).

* الرهان

* لماذا تركت مشروع العمل على «باتمان»؟ أقصد أن الكثير قيل عن أنك استوفيت رغبتك في هذه الثلاثية. لكن هل هذا هو السبب الأساسي؟
- نعم. هو بالفعل كذلك. ثلاثة أفلام من السلسلة كافية لكي تقرر أن تنزح عن المشروع وتبحث عن سواه. فيلم آخر من السلسلة قد يكون أكثر مما تستطيع أن تكترث له.
* لكنك منتج منفذ للفيلم المقبل «باتمان ضد سوبرمان».. هل تستطيع الحديث عنه؟
- لا أعتقد.
* هل كانت كتابة الفيلم ليجمع بين بطلين من «السوبر هيرو» صعبة؟
- في البداية كانت كذلك. دعني أوضح، في أي فيلم يقوم على طموح كهذا، سيمر وقت طويل من الكتابة تليها إعادة كتابة أكثر من مرّة إلى أن يجد صانعو الفيلم ما يبحثون عنه. ما يطمئون إليه. لذلك، من هذه الناحية كان البحث صعبًا. هناك عناصر في الحكاية وفي المشروع ككل لا أستطيع بحثها، لكنها ضرورية. كان لا بد من وجودها قبل أن نقول صرنا جاهزين.
* ما هو الرهان الذي تقوم به، بينك وبين نفسك، كلما استعددت لإخراج فيلم جديد؟
- أراهن على أن أستطيع أن أخدم حبي للسينما والجمهور معًا.
* بعض أفلامك، بل كل أفلامك في الحقيقة، تتطلب وعيًا إضافيًا من الجمهور. ألا تخشى ألا تصل رسالتك إليه؟ أن يشكل عدم قدرة البعض على فهم الفيلم بمثابة عائق يحول دون نجاح الفيلم؟
- طوال الوقت. في الواقع هي مخاطرة. لكني أعتقد أنه إذا كنت تستطيع أن تكسب الناس عاطفيًا حيال ما تعرضه، تستطيع أن تضمن رغبتهم في السير معك وصولاً إلى ما تريد من الفيلم أن يسرده أو يقوله. لا تريد للفيلم أن يكون لغزيًا تريد له أن يكون لغزًا مفهومًا أو أن يكون لغزًا يستطيع الجمهور الاشتراك به.
* رغم ذلك هي مخاطرة..
- بالطبع. ما أستطيع أن أقوله في كيفية تجاوزها هو أن ما يجب أن يُثير الجمهور لا يمكن أن يكون شأنًا ثقافيًا حتى ولو أن الموضوع كان عميقًا وعلميًا أو يطرح مسائل فكرية. عليه أن يكون الاهتمام منبثقًا من الشخصية وهذه عليها أن تنطلق دائمًا من وضع روائي. تسرد الحكاية وتسردها جيّدًا وإذا فعلت تستطيع أن تتضمنها ما تريد.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».