تحديات واشنطن الأمنية في أفغانستان

تعزيز السلام والاستقرار في أفغانستان مهم لأسباب إنسانية من أجل التعامل مع الأزمة الاقتصادية الخانقة (أ.ف.ب)
تعزيز السلام والاستقرار في أفغانستان مهم لأسباب إنسانية من أجل التعامل مع الأزمة الاقتصادية الخانقة (أ.ف.ب)
TT

تحديات واشنطن الأمنية في أفغانستان

تعزيز السلام والاستقرار في أفغانستان مهم لأسباب إنسانية من أجل التعامل مع الأزمة الاقتصادية الخانقة (أ.ف.ب)
تعزيز السلام والاستقرار في أفغانستان مهم لأسباب إنسانية من أجل التعامل مع الأزمة الاقتصادية الخانقة (أ.ف.ب)

في أعقاب سيطرة حركة «طالبان» على السلطة في أفغانستان، في منتصف أغسطس (آب) الماضي، بعد انسحاب القوات الأميركية من البلاد، طفت على السطح تحديات أمنية لدى واشنطن بات يتعين عليها التعامل معها على أنها أمر حتمي. ويقول المحلل الأكاديمي الأميركي الدكتور بول بيلار، زميل «مركز الدراسات الأمنية» بجامعة جورج تاون، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إن أفغانستان اليوم تشكل مثالاً بارزاً على وضع مضطرب لا يبرر تحمل الولايات المتحدة العبء الرئيسي لإدارة الوضع، رغم أنه يبرر الاهتمام السياسي الأميركي.
ويضيف أنه علاوة على ذلك؛ فإن الأنظمة الحاكمة الأكثر ملاءمة والأكثر احتمالاً أن تكون في المقدمة في مثل هذه الإدارة تشمل تلك التي يزدريها الأميركيون أو لا يثقون بها لأسباب متنوعة. ويتعين على الولايات المتحدة أن تنظر إلى ما هو أبعد من هذه المشاعر، وأن تدرك أن زيادة مشاركة الخصم ونفوذه في مثل هذا المكان ليست بالضرورة أمراً سيئاً؛ إذ يمكنه تعزيز الأهداف التي تتقاسمها معه الولايات المتحدة. ويرى بيلار أن النظام الأكثر مشاركة بشكل مباشر هو، بطبيعة الحال، النظام الذي يحكم أفغانستان نفسها الآن؛ أي طالبان. ولا تزال هناك أسباب وجيهة لكراهية العديد من سياسات وممارسات «طالبان»، رغم التأكيدات التي قدمها المتحدثون باسم الحركة عندما اجتاحت كابل في العام الماضي... «ولكن شئنا أم أبينا، فقد انتصرت (طالبان) في الحرب الأهلية الأفغانية. وفي المستقبل المنظور، سيعني تحقيق أي شيء يقترب من السلام والاستقرار في أفغانستان أن تعزز (طالبان) انتصارها وتتغلب على أي جيوب مقاومة متبقية». ويضيف أن «تعزيز هذا السلام والاستقرار مهم جزئياً لأسباب إنسانية، فإشعال الحرب الأهلية من جديد يعني جعل الأزمة الإنسانية القائمة تتجه للأسوأ. كما أن هذا مهم أيضاً لأسباب أمنية تهم الولايات المتحدة. وكانت أسوأ نكسة تعرضت لها (طالبان) على الإطلاق، وهو ما يتعلق بطردها من موقع سابق للسلطة من جانب تدخل عسكري بقيادة الولايات المتحدة، كنتيجة مباشرة لعملية إرهابية ضد الولايات المتحدة قام بها حليف (طالبان) في زمن الحرب، تنظيم (القاعدة). وحركة (طالبان) لديها سبب قوي لعدم السماح بحدوث أي شيء من هذا القبيل مرة أخرى. والظروف التي من شأنها أن تميل أكثر من غيرها إلى إعادة بناء هذا التحالف هي تجدد الحرب الأهلية التي تشعر فيها (طالبان) مرة أخرى بالحاجة إلى هذه المساعدة».
ومن بين القوى الخارجية، «تأتي باكستان، الأكثر انخراطاً في الشؤون الأفغانية، ولديهم سبب وجيه ليكونوا كذلك. ولطالما رأت باكستان مصلحة قوية لها في أفغانستان، وعدّتها (عمقاً استراتيجياً) في الوقت الذي تواجه فيه منافستها التقليدية الهند». وتعاملت الولايات المتحدة في كثير من الأحيان مع باكستان على أنها حليف أكثر من تعاملها معها على أنها خصم، وذلك بالعودة إلى «دورها في تسهيل أول رحلة لهنري كيسنجر إلى الصين، وفي دعم التمرد الأفغاني ضد السوفيات لوجيستياً في ثمانينات القرن الماضي». ولكن عندما يتعلق الأمر بالتطرف العنيف في جنوب آسيا، فإن «باكستان كانت تمثل مشكلة أكثر من أنها حل. وكانت باكستان دائماً الداعم الأكبر لحركة (طالبان الأفغانية)، وكانت مساعدتها حاسمة في تمكين (طالبان) من تحقيق مآربها». ويقول بيلار: «إذا كنت تريد إلقاء اللوم على (طالبان) في أي شيء، فأنت تحتاج إلى إلقاء اللوم على الباكستانيين أيضاً». والآن بعد أن أصبحت «طالبان» تسيطر على كابل وما دامت لم تشتعل الحرب الأهلية في أفغانستان مرة أخرى، فإن «لدى باكستان سبباً وجيهاً لاستخدام نفوذها في اتجاه الاستقرار والاعتدال. وتؤثر الأحداث على كل جانب من جانبي خط (ديورند) الحدودي بين أفغانستان وباكستان، تأثيراً كبيراً على الجانب الآخر، في كلا الاتجاهين؛ بما في ذلك تواصل (طالبان) في الآونة الأخيرة مع الأفغان المقيمين في باكستان للعودة والمساعدة في إدارة نظامهم. والحدود نفسها مسألة خلاف وسبب لحوادث العنف المحتملة». لعل الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لباكستان هو «أي تأثير نشط أو متطرف قد يكون لـ(طالبان الأفغانية) على الجماعات المناهضة للحكومة في شمال غربي باكستان، مثل المعروفة باسم (طالبان الباكستانية)، والتي أظهرت في الآونة الأخيرة انبعاثاً جديداً. ولم تعط إسلام آباد، التي تلعب لعبتها عبر الحدود مع حركة «طالبان الأفغانية»، أولوية كافية للتعامل مع هذا الشكل من التطرف على أراضيها لفترة طويلة جداً. والآن يعلم الباكستانيون أن لديهم مشكلة خطيرة».
وعلى الجانب الآخر من أفغانستان؛ عبر حدود لمسافة 582 ميلاً، «توجد إيران. وقد تعلم الإيرانيون بالطريقة الصعبة مدى المتاعب التي يمكن أن يسببها لهم عدم الاستقرار واليأس في أفغانستان. وقد قتل دبلوماسيون لهم هناك، كما ولدت تجارة المخدرات الأفغانية مشكلات كبيرة داخل إيران؛ ليس فقط من حيث الاتجار بالبشر، ولكن أيضاً من حيث تعاطي المخدرات من قبل الإيرانيين».
وتجلى توازي العديد من «المصالح الإيرانية والأميركية في أفغانستان عندما عمل الدبلوماسيون الإيرانيون والأميركيون معاً بشكل فعال لصياغة نظام سياسي جديد في أفغانستان بعد إطاحة نظام (طالبان) السابق في 2001 - 2002. وللأسف؛ انتهى ذلك الفصل القصير من التعاون عندما أعلن الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، ضمن الإعداد الخطابي للحرب في العراق، بعد ذلك بوقت قصير، (محور الشر) وأصبح النبذ التام لإيران سياسة أميركية».
لكن «المصالح الإيرانية الإيجابية ذاتها في إضفاء مزيد من الاستقرار على أفغانستان والحد من تجارة المخدرات لا تزال قائمة»، وفقاً لبيلار. ويقول إنه «في كثير من الأحيان، كان تفكير الولايات المتحدة في إيران هو أن أي تمدد في نشاطها ونفوذها في أي مكان وعلى أي شيء، أمر سيئ بحكم الواقع». ويضيف أنه «من الواضح أن مثل هذا الموقف خاطئ عندما يتعلق الأمر بأفغانستان».
وهناك قوة أجنبية أخرى في الجوار هي الصين، التي لا تشترك إلا في حدود قصيرة مع أفغانستان في نهاية ممر واخان، ولكنها تشعر مع ذلك بمخاطر القرب الجغرافي. ويتمثل القلق الرئيسي لبكين في أي تأثير قد يكون للتشدد الإسلامي في أفغانستان على أقلية الإيغور بمقاطعة شينجيانج شمال غربي الصين. كما أن الصين لها مصالح اقتصادية في أفغانستان؛ خصوصاً في استغلال الموارد الطبيعية، مثل النحاس، وهي أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي في البلاد.
ويرى بيلار أن «الأمن والمصالح الاقتصادية على حد سواء يعنيان ضمناً مصلحة صينية في تحقيق قدر أعظم من السلام والاستقرار في أفغانستان. وتماشياً مع ذلك، استخدمت الصين مساعيها الدبلوماسية الحميدة للتوسط بين أفغانستان وباكستان واستضافت محادثات بين (طالبان) والحكومة الأفغانية السابقة».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.