من بؤرة للصراع والمواجهة إلى ميدان للتعاون والتكامل الإقليمي

من بؤرة للصراع والمواجهة إلى ميدان للتعاون والتكامل الإقليمي
TT

من بؤرة للصراع والمواجهة إلى ميدان للتعاون والتكامل الإقليمي

من بؤرة للصراع والمواجهة إلى ميدان للتعاون والتكامل الإقليمي


تؤشّر خريطة الأزمات والحروب والصراعات المهدِّدة للسلم والاستقرار في العالم منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي باللون الأحمر، دلالة على اعتبارها بؤرة للتوتر والمواجهة الدائمة، مرشحة للتمدّد والاشتعال، على خلفية ما تعانيه منذ عقود من سلسلة من الصراعات المركّبة.
ويكتسب هذا التوصيف طابعَه المنطقي من الموقع الجيوسياسي للمنطقة كجسر بين الشرق والغرب؛ وهو ما يسهّل أن تكون بيئة حاملة وسيطة لانتقال التحوّلات الحضارية الكبرى في العالم، كما الصراع داخلها، وهو ما يفسّر الإحالات الدائمة إلى الخلفيات التاريخية في تفسير مثل هذا الواقع.
ولكن هذه الإحالات غير كافية لوضع الحقائق في مكانها، على ضوء تعدّد تجارب أمم أخرى واجهت استعصاءاتٍ جغرافية وتاريخية خطيرة، نجمت عنها حروبٌ وصراعاتٌ دموية كبرى، لكنها وجدت طريقها في نهاية المطاف إلى السلم الأهلي واستتباب الأمن والاستقرار والتعاون والتعاضد الاجتماعي.
ومن ذلك، يمكن تقييم ما تنطوي عليه منطقة الشرق الأوسط من إمكانيات تَحَوّل، رغم التناقضات التي تعاني منها، وهي وريثة حضاراتٍ كبرى منذ فجر التاريخ، دشّنت حقبة الحداثة، من دون أن يتحقق التصالح بين تراثها وجوهر الحداثة المتبنّاة، ولو شكلياً، في أنظمتها الجديدة. مع الأخذ في الاعتبار دور تدخّل العامل الخارجي في صنع سياسة الدولة، وتعميق التناقضات الداخلية، وتحويلها إلى عوامل صراعات تعيد إنتاج أزمات متفاقمة.
إن طبيعة المنطقة الاستراتيجية تتسم بأنها معبر، ليس للتجارة البينية وتبادل البضائع وتنقّل الرحالة والمستكشفين فحسب، وإنما لتبادل الأفكار والآيديولوجيات، واستشراف الطموحات، وتلاقح القيم والمفاهيم الإنسانية، وخبرة الأمم.
ومن هنا يتداعى السؤال المشروع عما إذا كان استمرار الصراع والتناحر واللااستقرار ودوام الاضطراب والأزمات التي لازمت منطقتنا قدراً لا يمكن الفكاك منه، أم أن تجارب شعوب وأمم في مناطق أخرى من العالم عانت مما نعاني منه، واستطاعت أن تتجاوز ذلك وترسم لها مساراتٍ مغايرة تماماً، ونجحت في أن تتحوّل إلى نماذج بنّاءة تُحتذى.
فهل لشعوبنا أن تحدّد لمستقبلها خياراتٍ بديلة تضعها في مصاف الأمم والدول المتطورة؟
لقد حقّ لنا في العراق أن نواجه هذا السؤال بمنتهى المسؤولية، قبل أن نسعى لإشراك أشقّائنا وجيراننا بالبحث عن جواب عنه.
كان من الواضح لنا، دون تردّد، ونحن نطرح على أنفسنا مثل هذا السؤال المصيري، توفُّر كل شروط ومستلزمات قيادة منطقتنا على طريق التحول من بؤرة مأزومة مشاغبة مهدِّدة للسلم والاستقرار، إلى بيئة إيجابية ومساحة مفتوحة للتطور والنمو والتعاون المثمر بين شعوبها، وجسر للتواصل مع الشعوب والأمم الأخرى.
إن ثروات منطقتنا ومواردها البشرية وعمقها التاريخي الحضاري تشكّل مصادر لها لتحقّق ذاتها، وتعيد النظر في خياراتها، لتستنهض طاقاتها الخلاّقة وتوظف مصادر قوتها الكامنة، ولتستعيد ما كانت عليه من مكانة للرقي والتقدم في كل الميادين التي جعلت منها منارة إنسانية مزدهرة.

وما يلهمنا، ونحن نتطلّع لمثل هذا التحول التاريخي، تجارب معاصرة استطاعت أن تتجاوز تخلّفها وصراعاتها الدموية وفقر مواردها الطبيعية، لتتحوّل إلى نماذج في التقدم والتطور والنمو الاقتصادي والاجتماعي، وتصبح حاضرة على الصعيد العالمي.
ويمكن إيراد تجربة سنغافورة، التي كانت في منتصف القرن الماضي مركزاً للأوبئة الخطيرة، ومسرحاً للعصابات والمافيات المسلحة وبؤرة للجريمة المنظّمة، لتصبح بفضل بصيرة مؤسسها لي كوان يو ونظرته الثاقبة من بين أكثر البلدان تطوراً على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والإنسانية أيضاً. كما تبرز أيضاً التجربة الرائدة لجنوب أفريقيا في تصفية نظام الفصل العنصري البغيض (الأبارتايد) وتبنّي نموذجها الديمقراطي الحر والمتطور اقتصادياً، وتصفية آثار النظام السابق ومخلّفاته.
وتقدم رواندا نموذجاً آخر للتغيير والتحوّل. فبعد المجزرة التي اعتبرت بين أكبر عمليات الإبادة الجماعية العنصرية وراح ضحيتها ما يقرب من ثلاثة ملايين من البشر، استطاعت أن تنجز تحوّلها الديمقراطي، وتمضي نحو بناء الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي خلال عقدين من الزمن. وتتعدد أمثلة ونماذج النجاح على هذا الصعيد في جنوب أميركا وشرق آسيا وشرق أوروبا.
أليس في كل هذه التجارب ما يؤكّد، من دون أي شك، قدرة شعوبنا وبلداننا التي تتميّز بثروات طبيعية وقدرات وموارد بشرية ورصيد تجربة تاريخية ثقافية ومعرفية، على أن تخطّ لنفسها نماذج ترتقي بها إلى ما بلغته البلدان والشعوب التي سبقتها في اختيار بديلها، وهي تتجاوز كل العناصر والقوى التي كانت تشدّها إلى ما كانت عليه من حال؟
لدينا كل المقوّمات لمثل هذه الانتقالة التاريخية: مصادر ثروات هائلة، وموارد إنسانية كبيرة من شباب وشابات بطاقاتٍ خلاقة، وتجمعنا مشتركاتٌ عديدة، وإرث حضاري تاريخي، تشكّل مجتمعة مصادر إلهام لانطلاقة جديدة.
كل ما نحتاج إليه إنما يتجسّد في الرؤية والإرادة المشتركة لخلق واقع جديد، من شأنه أن يرسي أسس تواصل مستدام، قوامه تكاملٌ اقتصادي، وتبادلٌ للمنافع والمصالح، وتعزيزٌ لأواصر العلاقة بين شعوبنا، ويؤطّره قرار سياسي مبني على احترام المصالح الوطنية العليا لكل طرف، ونوايا حسنة لتأسيس منظومة أمن مشترك، ونظام اقتصادي متكامل فاعل ومزدهر.
علينا أن نؤكّد على ما يعزّز تكاملنا، وينمّي تبادل خبراتنا، ويجعل من تشاركنا مصدرَ قوة لنا، ونعوّض نقاط ضعف كل طرف منّا بما عند الآخر من قوّة داعمة لتقدم منطقتنا.
وعلينا أن نعتمد في خياراتنا على كل ما يعزّز وحدتنا، ويقرّب مساراتنا، واعتماد الحوار سبيلاً لحل الخلاف.
في سنوات المعارضة ضد النظام السابق، حلمنا بعراق مختلف، عراق ديمقراطي حرّ، يحترم الإنسان، ويوفّر كرامة شعبه، ويتحوّل إلى حجر أساس لبناء التكامل الإقليمي.
ونرى اليوم في العراق خيارين:
أن نكون قاعدة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية، أو نكون جسراً للتواصل وأرضاً للتكامل بين شعوب المنطقة.
ورؤيتنا أن العراق الناهض من كبوته، والمتعالي على جراحه، والمتصالح مع ذاته، قادرٌ بالتعاون مع أشقائه وجيرانه، على تحويل مشروع الشرق الأوسط المتكامل والمتصالح والمتعاون إلى واقع معاش، وأن من شأن ذلك أن يتحوّل إلى عامل إيجابي لمعافاة العراق، ويساعد في تكريس نهوضه.
لقد قمنا بكل ما علينا من التزامات خلال فترة حكومتنا الانتقالية، بوضع لُبنات لهذه الرؤية التي تكرّست في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، بحضور أشقاء وجيران وأصدقاء العراق، وعبّرنا عن نوايانا الصادقة للمضي قدماً إلى الأمام.
وأثبتت التجربة أن هناك إمكانات واسعة لخلق تكامل أمني على مستوى دول المنطقة، وأن هناك حاجة ماسّة إلى ربط تلك الدول بشبكات من خطوط النقل البري والسككي، وأن الحاجة متصاعدة إلى ربط المنظومات الكهربائية، وإلى التعاون في مجالات الطاقة ونقل الغاز والاستثمار المتبادل.
ولكن المنطقة تحتاج قبل كل ذلك إلى تكريس مبادرات الحل وتوسيع الحوارات الثنائية والجماعية وإبداء النيات الحسنة المتبادلة لحل الأزمات وإبعاد أي مؤثرات من خارج دول المنطقة في صياغة الحلول المطلوبة.
لقد شهد العالم تغيّرات عاصفة. ونحن نعيش اليوم في حقبة تاريخية مختلفة تماماً عن سابقاتها، أصبحت خلالها مصالح الشعوب أكثر ترابطاً وتكاملاً، وتتطلب تفاعلاً أعمق، وتكاتفاً في كل الميادين الحيوية.
إن منطقتنا ترتبط بمصالح مشتركة تشمل ميادين عديدة، تتسع مع تطور العلاقات بين بلدانها، يمكن أن نستثمرها في مشاريع التجارة والزراعة والصناعة، لنتحوّل إلى قطب رئيس في العالم الحديث كما كنا في العالم القديم، وأمامنا تحديات مشتركة كبيرة، من الإرهاب والفقر والجفاف والإشكاليات المجتمعية والبيئية الأخرى، والتي تفرض علينا التعاون المشترك للتقليل من آثارها وللتغلب على عواقبها نهائياً.
إن شعوبنا تستحق بجدارة أكثر مما هي عليه، ولديها أكثر مما قدّمت للمساهمة في مسيرة الحضارة البشرية، وهي قادرة، وتمتلك الإرادة اللازمة لصنع التغيير.
وقد أكّدت التجربة أن الإرادة لدى قيادات دول المنطقة مهيأة أيضاً، وأن الاستعداد جاهز لإحداث تعاطف صادق وصريح يجمع بيننا. وهو ضروري للتحوّل من المراوحة في ظل الأزمات وتدويرها وإدامة مسبباتها، إلى تكريس المصالح المشتركة والتكامل في إطار المعافاة والازدهار.

 



الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
TT

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

وصف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين، وذلك في ختام زيارة استمرت 4 أيام.

وقال ولد الغزواني في تدوينة على منصة «إكس»: «في ختام زيارة الدولة التي قمت بها إلى فرنسا، أود أن أعرب عن خالص امتناني لصديقي فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون على حفاوة الاستقبال، وثراء المباحثات التي جمعتنا».

وأضاف: «‏لقد شكلت هذه الزيارة محطة مهمة في تعزيز شراكة دولتينا، القائمة على الثقة والطموح ورؤية مشتركة لمواجهة التحديات الكبرى في عصرنا».

الرئيس الفرنسي وقرينته لدى استقبال رئيس موريتانيا وقرينته (الرئاسة الموريتانية)

وكانت الرئاسة الموريتانية قد احتفت بالزيارة، وقالت إنها المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس موريتاني بزيارة دولة إلى فرنسا منذ 64 عاماً. وبدا واضحاً أن الهدف منها هو تأسيس «شراكة استراتيجية» بين البلدين، وسط تراجع النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا والساحل.

وعقب استقباله في قصر الإليزيه، أشاد ماكرون خلال مؤتمر صحافي بمستوى العلاقات بين البلدين، ووصف موريتانيا بـ«الشريك الأساسي» لفرنسا.

«آخر الحلفاء»

حظيت زيارة الرئيس الموريتاني إلى باريس باهتمام الإعلام الفرنسي، حيث كتبت صحيفة «ليبراسيون» أن ماكرون يسعى لتعزيز العلاقات «مع آخر حلفائه في منطقة الساحل»؛ في إشارة إلى القطيعة بين فرنسا وأغلب مستعمراتها السابقة في الساحل، خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وظهور تيارات سياسية معادية لفرنسا في منطقة غرب أفريقيا، لصالح الصعود الروسي والصيني.

وقالت الصحيفة إن باريس ونواكشوط تربطهما «علاقات تعاون عسكري طويلة الأمد»، مشيرة إلى أن هذا التعاون استمر على الرغم من أن موريتانيا لم يسبق لها أن احتضنت أي قاعدة عسكرية فرنسية.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

أما صحيفة «لو موند» فقد نشرت موضوعاً تحت عنوان: «آخر حليف موثوق به لفرنسا في منطقة الساحل... الرئيس الموريتاني يرغب في تعزيز تعاونه العسكري مع باريس»، وأشارت إلى أنه بعد طرد القوات الفرنسية من دول الساحل «باتت موريتانيا تقدم نفسها كآخر حليف متبقٍّ لفرنسا في المنطقة».

في السياق نفسه، نشر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية موضوعاً تحدث فيه عن العلاقات بين فرنسا وموريتانيا، ورأى أنها «نموذج للعلاقات الهادئة بين باريس ومستعمرة سابقة»، مضيفاً أن ولد الغزواني «حليف موثوق به في منطقة عانت فيها فرنسا انتكاسات كبيرة في السنوات الأخيرة».

الحضور الاقتصادي

رغم التركيز الكبير والواضح على الملف الأمني والتعاون العسكري بين باريس ونواكشوط، كان الجانب الاقتصادي حاضراً هو الآخر بقوة، حيث شهدت الزيارة سلسلة من اللقاءات الاقتصادية رفيعة المستوى، ركزت على تعزيز الشراكة الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون بين البلدين.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في قصر الإليزيه بباريس (الرئاسة الموريتانية)

وافتتح الرئيس الموريتاني من باريس المنتدى الاقتصادي الموريتاني - الفرنسي، حيث دعا إلى توسيع الاستثمارات الفرنسية في بلاده، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالتعدين والطاقة والبنى التحتية، مؤكداً أن موريتانيا توفر فرصاً واعدة ومناخاً استثمارياً جاذباً.

وزار ولد الغزواني مدينة بريست الفرنسية، حيث اطَّلع على تجارب فرنسية في مجال الصناعات والبحوث البحرية، بما في ذلك زيارة شركة «PIRIOU» والمعهد الفرنسي لعلوم البحار.

مكانة دولية

الوزير الأول الموريتاني، المختار ولد أجاي، وصف الزيارة بأنها «محطة ناجحة وموفقة»، وقال إنها «عكست مستوى متقدماً من علاقات التعاون بين البلدين».

ونشر ولد أجاي تدوينة على «فيسبوك» قال فيها إن الزيارة «دليل جديد على المكانة التي باتت تحتلها موريتانيا على الساحة الدولية»، مشيراً إلى أن ماكرون قدم موريتانيا على أنها «نموذج في تبنِّي نهج قائم على الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية».

وخلص الوزير الأول إلى أن نتائج الزيارة من شأنها تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات؛ بينما لم يصدر أي بيان مشترك حول نتائج الزيارة.

علاقة مضطربة

ترتبط موريتانيا وفرنسا بعلاقات شديدة التعقيد، بدأت منذ بداية القرن العشرين حين دخلت فرنسا الأراضي الموريتانية كقوة استعمارية، ولكنها منحتها الاستقلال عام 1960.

غير أن قوى معارضة آنذاك ظلت تعد ذلك الاستقلال «شكلياً»؛ لأن الإدارة وقيادة الجيش والأمن كانت بيد الفرنسيين، كما أن الثروات المعدنية هي الأخرى كانت تهيمن عليها شركات فرنسية، جرى تأميمها فيما بعد، في عام 1974.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي بباريس (الرئاسة الموريتانية)

ومنذ الاستقلال، مرت العلاقات بفترات من التقلب، وصولاً إلى ذروة التوتر عام 1999 حين طردت موريتانيا المسؤولين العسكريين الفرنسيين وقوات كانت تتولى مهام تدريب وتأطير العسكريين الموريتانيين. وجاء القرار على خلفية اعتقال ضابط موريتاني في باريس في إطار اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان.

وعادت العلاقات بين البلدين إلى التهدئة ثم القرب الوثيق، خصوصاً مع تصاعد خطر الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل، وموجة الانقلابات في دول الساحل، وطرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، ثم خروجها فيما بعد من كوت ديفوار والسنغال، وفقدان باريس كثيراً من مراكز قوتها التقليدية.


مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

جددت مصر التأكيد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت أو أي دولة عربية. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأحد، خلال استقباله وزير خارجية الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، أن «أمن الكويت وسائر الدول العربية هو امتداد طبيعي لأمن مصر القومي»، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار الكويت ولما تتخذه من إجراءات لحماية مقدرات شعبها».

ونقل بيان الرئاسة المصرية تثمين وزير الخارجية الكويتي «المواقف التاريخية لمصر في دعم أمن وسيادة واستقرار الكويت، ووقوفها الدائم إلى جانب أمن دول الخليج العربي»، معرباً عن «تطلع بلاده إلى تكثيف التشاور والتنسيق مع مصر، بما يسهم في الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليمي وصون أمن الدول العربية».

وعقد السيسي جلسة مباحثات مع وزير الخارجية الكويتي تناولت تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الاستثمارية والتجارية، حسب الإفادة. كما عقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الكويتي جراح الصباح جلسة مشاورات سياسية تناولت الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الحرب، ومستجدات المفاوضات الأميركية - الإيرانية، حسب المتحدث باسم الخارجية المصرية.

محادثات مصرية - كويتية موسعة الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وجدد عبد العاطي التأكيد على «موقف مصر الثابت والداعم لدولة الكويت»، معرباً عن «إدانة القاهرة الكاملة للاعتداءات التي استهدفت أمن واستقرار دولة الكويت، والرفض التام لأي محاولات للمساس بسيادتها».

كما أطلع وزير الخارجية المصري نظيره الكويتي على نتائج زيارته الأخيرة إلى واشنطن والاجتماع الرباعي الذي عُقد السبت في أنطاليا لوزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، مشيراً إلى «تأكيد مصر على أهمية مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية». وشدد عبد العاطي على أن «أمن الكويت يُعد جزءاً لا يتجزأ من أمن مصر»، مؤكداً أهمية تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين الدول العربية لمواجهة التحديات الراهنة.

وعلى صعيد العلاقات الثنائية أعرب الوزيران عن التطلع لعقد الدورة الرابعة عشرة للجنة المشتركة بين البلدين قبل نهاية العام الحالي، بما يسهم في دفع مسارات التعاون المشترك إلى آفاق أرحب، حسب السفير تميم خلاف.

وأكد عبد العاطي «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية»، منوهاً إلى «الفرص الواعدة التي يجب اغتنامها في قطاعات البنية التحتية والتطوير العقاري والصناعة والطاقة»، ومشيراً إلى «ضرورة تعزيز التعاون الثلاثي في القارة الأفريقية بالتنسيق مع الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والصندوق الكويتي للتنمية».

وزيرا خارجية مصر والكويت يترأسان مشاورات سياسية في القاهرة ويؤكدان عمق العلاقات الأخوية بين البلدين (الخارجية المصرية)

بدوره، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن أهمية زيارة وزير الخارجية الكويتي للقاهرة، كونها تأتي بعد الاجتماعات التي عقدت في أنطاليا بشأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «عبد العاطي أطلع نظيره الكويتي على تفاصيل ما دار في اللقاءات بشأن إنهاء الحرب، لا سيما مع تعرض الكويت لاعتداءات خلال الحرب».

وأشار إلى أن «المشاورات بين الجانبين تأتي في إطار التنسيق المشترك، وتأكيد التضامن المصري مع الكويت ومع دول الخليج بشكل عام في مواجهة أي اعتداءات».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي، أن زيارة وزير خارجية الكويت للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية دقيقة، تتقدم فيها الأزمة مع إيران إلى صدارة مشهد التهديدات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الزيارة لا تندرج ضمن الروتين الدبلوماسي، بل تعكس إدراكاً مشتركاً لضرورة بناء مقاربة عربية متماسكة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة».

وأشار حجازي إلى أن «العلاقة المصرية - الكويتية مرشحة للانتقال من مستوى التشاور إلى مستوى التنسيق التنفيذي، ويتجلى ذلك في ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولاً، توحيد التقديرات الاستراتيجية بشأن التهديدات الإيرانية، وثانياً دعم الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة في الخليج دون عسكرة مفرطة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ثالثاً تعزيز التنسيق الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة والاستثمار، لتخفيف آثار أي اضطرابات محتملة في الإمدادات».

وقال إن «زيارة الوزير الكويتي إلى القاهرة تمثل خطوة متقدمة نحو بلورة مقاربة عربية عقلانية، تسعى إلى احتواء التصعيد مع إيران دون التفريط في محددات الأمن القومي العربي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended