الرسم بالأقمشة... مغامرة تشكيلية لصناعة «سحر النسيج»

الرسم بالأقمشة... مغامرة تشكيلية لصناعة «سحر النسيج»

معرض مصري يضم 25 عملاً
الخميس - 9 جمادى الآخرة 1443 هـ - 13 يناير 2022 مـ

تثبت أعمالها دوماً أنه ليس بالضرورة استخدام الفرشاة والألوان في الرسم؛ فهي تبدع لوحاتها الفنية من النسيج والخيط والأقمشة الرقيقة الأكثر تشبعاً بالمعاني والمشاعر، وفي أحدث معارضها، المقام الآن بغاليري «سفر خان»، تروي الفنانة المصرية نعمة السنهوري حكايات على قطع القماش؛ فوراء كل لوحة تلخيص درامي لإحدى الحضارات المصرية أو مناظر طبيعية تحتضنها أرض الكنانة.

يضم المعرض المقام تحت عنوان «سحر النسيج» 25 لوحة فنية ينتمي جميعها إلى فن الرسم بالقماش، عبر استخدام أسلوب تركيبي ابتكرته الفنانة، يقوم على تجميع قطع من أنواع مختلفة من الأقمشة متعددة الألوان والمقاسات، وحياكتها يدوياً على الكانفاس أو الخشب أو الكتان من دون «إسكتشات» سابقة، تستكملها أحياناً بعناصر من أعمال الكولاج المعقدة والمجردة لخلق مجموعة متنوعة من اللوحات التأثيرية الجاذبة.

تتنوع أنواع الأقمشة التي تستخدمها السنهوري، منها الحرير الطبيعي والصوف والكتان، إلى جانب الأقمشة اليدوية التراثية، تقول لـ«الشرق الأوسط»؛ نعتقد أن الرسم لا يكون سوى بالفرشاة والألوان والأقلام! بينما «لا أستخدم شيئاً من ذلك؛ فالبطل الأساسي والوحيد في أعمالي هو القماش الذي ألف العالم بحثاً عنه، وأزور معارض المنسوجات والمتاجر المتخصصة في الدول المختلفة، ولا سيما تلك التي تقدم أقمشة يدوية عتيقة مسكونة بتراث الإنسانية وحضاراتها، ومنها جنوب فرنسا وإسبانيا».

تتابع: «بعض هذه الأقمشة هي ملابس ومفروشات متوارثة عن أسر أرستقراطية أوروبية؛ تحتفظ بكامل رونقها وعراقتها، ومن قطع النسيج التي لا أنساها شال يدوي رائع التصميم والألوان لسيدة فرنسية أصررت على اقتنائه رغم ارتفاع سعره».

تضيف: «في اللحظات التي أضع فيها القماش على اللوحة أشعر بلمسات الفرشاة، لكنه له سحر خاص لا تنافسه عندي أي خامات أخرى». رغم ذلك لا يمكن حساب لوحاتها على فنون الأوبيسون أو الخيامية أو الباتش ورك وغيرها من فنون النسيج المعتادة؛ لأن الفنانة تحتفي بالظل والنور والإضاءة، بل أحياناً يجد المتلقي تأثيرات معمارية فيها كالمنظور والواجهات والفراغات.

تتمتع لوحاتها بألوان خيالية وهادئة في آنٍ واحد، ما يجعل المتلقي يشعر كما لو أنه يطالع كتب الأطفال المصورة المتلاشية حيث القصص التي تتحدى الواقعية بقوة وثقة وسلاسة درامية شيقة، ويرتبط ذلك بحرصها على استخدام القماش بألوانه الطبيعية، تقول: «لا أصبغ القماش، إنما أتركه بلونه الحقيقي؛ حتى أحقق التأثير الذي أرجوه على المتلقي، كما أن عدم صباغة القماش يحميه من تغير ألوانه عند استخدام مواد الحماية ضد عوامل الزمن».

لم تترك الفنانة نفسها أسيرة تجارب فنية نسيجية سابقة لفنانين آخرين كالاستغراق في الرموز والموتيفات الشعبية أو اتباع النمط الأوروبي، تقول: «لا أبتعد في التكنيك والألوان فقط عن الأعمال النسيجية الأخرى، إنما أخوض موضوعات مختلفة، فمع تقديري البالغ للفلكلور الشعبي، لكن لا يُعد النسيج مرادفاً له، كما اعتادت العين المصرية أن تجده دوماً! أيضاً لا أقدم فنوناً نسيجية أوروبية الطابع بشكل عام، وهو الجانب المسيطر على أعمال نسيجية أخرى واسعة الانتشار في مجتمعنا، فرغم ثقافتي الفرنسية لا أسمح لنفسي بتقليد الغرب بمفاهيمه المختلفة في فنوننا».

في السياق ذاته، تسعى الفنانة لاستعادة ذكريات مصرية بشكل معاصر حمايةً للهوية الوطنية، تقول: «أصبحت البيوت المصرية بعيدة عن بيوت أجدادنا حيث الروح المصرية التي تسكن أرجاءها عبر التفاصيل الصغيرة، ومنها الأعمال الفنية واليدوية، وقد حاولت أن أواجه هذا الغياب بلوحاتي».

في هذا المعرض، تحتفي الفنانة بالحضارات المصرية المختلفة بشكل غير مباشر وبلمسات معاصرة، منها لوحات تجسد القاهرة الفاطمية والفنون الإسلامية، حتى إنها في إحدى لوحاتها قدّمت مجموعة من لوحاتها السابقة بشكل مصغر، كما ربطت في لوحة أخرى بين النسيج والأرابيسك تعبيراً عن شغفها بهذا الفن وارتباطه بقيم جمالية واجتماعية وثيقة الصلة بالفن الإسلامي، وفي بعض أعمالها تستشعر عظمة الحضارة المصرية القديمة، ثم تنتقل في أعمال أخرى إلى الفن القبطي.

هذه التعبيرات الخاصة تعود بها إلى حيث كانت طفلة صغيرة تزور مع أسرتها معالم مصر السياحية، وفي مقدمتها مزارع سقارة حيث كانت تمتلك أسرتها منزلاً للاستجمام بالقرب منه، تقول: «كنت أتجول بين البنايات القديمة فأنبهر بالعمارة والزخارف الإسلامية، وأزور الحقول فأتأثر كثيراً باللون الأخضر والمزارعين وأتخيلهم بملابس زرقاء اللون لون السماء التي يمارسون عملهم تحتها في الصباح، وأقف مشدوهة أمام الأهرامات والجداريات الفرعونية ومقتنيات المتاحف... كنت أستمتع برسم الأمكنة والمفردات الأثرية».


اختيارات المحرر

فيديو