ذكريات: معطف أحمد رامي لشتاء بغداد ومهرجانها الشعري!

TT

ذكريات: معطف أحمد رامي لشتاء بغداد ومهرجانها الشعري!

كثيراً ما أتذكر مؤتمر الأدباء العرب الذي عُقد في بغداد عام 1965. رأيت فيه جمهرة من الأدباء والشعراء العرب؛ خصوصاً من المصريين، وأتصوره عُقد في الربيع؛ لكن مشاهدتي -وبمصادفة- لفيديو يظهر فيه معطف الشاعر أحمد رامي محلقاً في الهواء؛ جعلني أتراجع نحو الشتاء، وتتداعى في ذهني ذكريات أخرى!
يظهر في الفيديو مغني المقام الشهير محمد القبنجي، بقامته الفارعة على مسرح قاعة حديثة في بغداد مزدحمة برجال ونساء، في حفل خاص أقيم تكريماً لوفود المؤتمر، يبدؤه بمقام: «عن وحدة العرب، لا عن غيرها نغمي» وبستة: «أنا المغني في كل نادي، دوماً أنادي تحيا بلادي». يجلس في الصف الأمامي الشاعر أحمد رامي منتشياً؛ «استخفه الطرب» فراح يتمايل ويرقص جالساً، قاذفاً معطفه الأسود إلى الأعلى، ليتلقفه بحركات جعلت رجالاً، وفتيات أنيقات، بجانبه، يتضاحكون ويمازحونه.
الآن وكما رأيت سابقاً، ونسيت؛ أتذكر أن المؤتمر ومهرجانه الشعري عقدا شتاءً، وأن تصوري أنهما عقدا في الربيع ربما لنكهة خاصة لتلك الأيام، أو لإيهام يرافق عادة الذكريات القديمة، لتكون مزيجاً من قوة الشباب المتلاشية، وأحلام أيام توارت سريعاً أو هباءً!
لم تخبُ ذكرى تلك الواقعة من خيالي حتى اليوم، وكم تطيب الذكرى كلما بعدت! كنت خارجاً من كلية الحقوق في منطقة الوزيرية بعد انتهاء المحاضرات، ربما بعد الظهيرة. أمر في طريقي ببناية وزارة الدفاع في الميدان، وبوابة قاعة الشعب الملحقة بها، والتي كانت تسمى قبل انقلاب يوليو (تموز) 1958 قاعة الملك فيصل الثاني، قاعة حديثة متوسطة الحجم، أنيقة جميلة مرتبة، بمقاعد ذات بطانات قديفة حمراء!
أمام باب القاعة الخارجي، وعلى الرصيف العريض، واجهني تجمع لشعراء مصريين، لم أجد صعوبة في معرفة معظمهم، والذين كنت قد رأيتهم في برامج تلفزيونية ومجلات مصرية أدمنتُ قراءتها، وكنت أقتطع صور بعضهم وألصقها على صفحات كتبي المدرسية في الأدب أو النحو؛ حيث توجد نصوص أو نُبذ عن بعضهم.
عرفتُ في مقدمتهم أحمد رامي الشاعر الذي صنع شطراً من وجدان كثيرين في مختلف البلدان، بقصائده من الزجل والقريض التي شدت بها أم كلثوم، والشاعر صالح جودت الذي غُنيت كثير من قصائده، وعُرف بمديحه للملك فاروق وملوك آخرين، فسُمِّي مادح الملوك، وأشهر ما غنى له عبد الوهاب: «الدنيا ليل». كان صحافياً وروائياً قرأت له في المتوسطة روايته «عودي إلى البيت». والشاعر محمود حسن إسماعيل صاحب ديوان «أغاني الكوخ»، غنى له محمد عبد الوهاب أيضاً: «دعاء الشرق»، و«النهر الخالد». والشاعر صلاح عبد الصبور، عُرف مجدداً في القصيدة الحديثة بمصر، وبديوانه «أحلام الفارس القديم».
كان جمعاً لم أحلم يوماً أن أراه وقريباً مني إلى هذا الحد. بقيت أرقبهم يتحدثون في حلقات، تتعالى ضحكاتهم، ويبدو على ملامحهم البشر والانطلاق. طالعني إعلان ملصق على أحد أعمدة سياج وزارة الدفاع، لإحدى جلسات أو أمسيات المهرجان الشعري لمؤتمر الأدباء العرب، و«الدعوة عامة للجميع».
دخلنا باحة القاعة؛ حيث ينتظر جمهور كبير، بينهم رجال كثر بعباءات وعمائم، وقليل من النساء. كانوا ينتظرون رئيس الجمهورية عبد السلام محمد عارف، ليفتحوا الباب الداخلي. سمعت بعضهم يردد اسم الجواهري، وأنه جاء مع أحد الوفود الكبيرة الذي أصر ألا يأتي دون أن يكون معه في بغداد. ذلك زادني فضولاً واهتماماً، كانت قصيدة الجواهري «يا دجلة الخير» قد نشرتها الصحف العراقية قبل أشهر!
ورحت أتصفح الوجوه. لم يطالعني وجهه الذي رأيته لمرات في التلفزيون، ولا أنسى أنني حاولت رسمه في لوحة مدرسية. سرعان ما أدركت أن ما تحدثوا به عن مجيء الجواهري، هو إما تصورات وإما تمنيات، وإما دعوات للتساؤل عن سبب غيابه، كنوع من الإثارة السياسية ضد السلطة.
وقف وراء المنصة الشاعر مصطفى جمال الدين، قامة فارعة ووجه أسمر بملامح بدوية:
بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر إلا ذوت ووريق عمرك أخضر
مرت بك الدنيا وصبحك مشمس ودجت عليك ووجه ليلك مقمر
وقست عليك الحادثات فراعها أن احتمالك من أذاها أكبر
... والحور بين يديه ترتجل الهوى غزلاً به حتى الستائر تسكر
ضجت القاعة بين تصفيق وإطلاق: «أحسنت، أحسنت»، وبدا الشعراء والأدباء المصريون في مقاعدهم يميل بعضهم على بعض هامساً.
تلاه الشاعر أحمد الوائلي؛ كانت قصيدته بعنوان «رسالة الشعر»، وكان صوته ناعماً وصارخاً:
لغدٍ سخي الفتح ما نتجمع ومدى كريم العيش ما نتوقع
يا مهرجان الشعر حسب جراحنا أن الهوى مما تعتق يكرع
هذي رحاب القدس منذ ترنحت صرعى إلى زعقاتنا تتسمع
تصحو على نوء فتتلع جيدها فتراه من خدع السحاب فتهطع
صوته يعلو ويخفت، وفجأة مد يده على طولها، وبقوة باتجاه الشرفة التي تقابله؛ حيث يجلس رئيس الجمهورية؛ مطلقاً غضبه:
لا تطربن لطبلها؛ فطبولها كانت لغيرك قبل ذلك تقرع!
سُمعت من الشرفة جلبة وهياج. رفع كثير ممن في القاعة رؤوسهم متلفتين. كان عبد السلام ينهض غاضباً ويغادر القاعة. ساد المكان وجوم وترقب، ولكن لم يحدث شيء؛ فواصل الوائلي:
ومشت تصنفنا يد مسمومة؛ متسنن هذا وذا متشيع
يا قاصدي قتل الأخوة غيلة لموا الشباك فطيرنا لا يخدع
بغداد يا زهو الربيع على الربى بالعطر تعبق والسنا تتلفع
يا ألف ليلة لا تزال طيوفها سَمراً على شطآن دجلة يُمتع
كانت إشارة الوائلي لرئيس الجمهورية، وامتعاض الرئيس، ومغادرته، حدثاً إن لم يكن سياسياً مباشراً؛ فهو حدث ثقافي بمدلولات فكرية وسياسية، ما زالت جذورها ناشبة حتى الآن. لا أتذكر أن أحداً توقف عند الواقعة؛ لا في حينها ولا بعد حين! وأتصور اليوم لو أن إشارة الوائلي كانت لصدام؛ ماذا كان سيفعل به وبعائلته وأصدقائه؟ أو حتى لو أنها إلى عبد السلام عارف ذاته قبل سنوات من ذلك، أي وهو في أيام نشوته بعد تنفيذه انقلاب 14 يوليو 1958، عندما كان صارماً وأكثر عنفاً وتهوراً؟ لكن الأحداث القاسية التي مر بها بعد سنوات، منحته شيئاً من سعة الصدر، وإن لم تصل به إلى حد الإصغاء للشاعر حتى يكمل قصيدته، ويلتقيه لحوار هادئ أو ودي معه.
لا يتعامل الحكام في العراق عموماً بسمو ورقي مع المثقفين المبدعين، وكذلك الحال في بلدان عربية أخرى كثيرة! تبلغ سورة الغضب بالجواهري أن يرسل قذيفته الشعرية العنيفة إلى نوري السعيد وبحضوره كما قيل، مخاطباً الدكتور هاشم الوتري:
نُبِّئتُ أنك لست تبرح سائلاً عني تناشد ذاهباً أو آيبا
وتقول كيف يظل نجم ساطع ملء العيون عن المحافل غائبا
أنا ذا أمامك ماثلاً متجبراً أطأ الطغاة بشسع نعلي عازبا
يقولها وهو يشير إلى نوري السعيد، فلا تمر الإهانة العلنية دون عقاب؛ لكن العقاب في ذلك العهد خفيف نسبياً.
قبل هياج عبد السلام عارف، غضب زميله الزعيم عبد الكريم قاسم على الجواهري، فتسبب في تشريده بقية عمره الطويل؛ لأنه انتقده بعشر معشار ما امتدحه! لم أسمع أن أحداً من رجال السلطة تعرض آنذاك للوائلي بأذى، وكان هذا يعد آنذاك بحبوحة للشاعر. مات عبد السلام عارف بعد ذلك بأشهر قليلة بتحطم طائرته، وجاء أخوه من بعده. كان عهدهما -على علاته وجموده- عهد هدوء والتقاط أنفاس، ظهرت فيه حركة الستينيين الأدبية، وتفتحت فيه مواهب في الشعر والقصة ومختلف الفنون، حتى مجيء البعثيين في 17 يوليو 1968، فانقلب كل شيء رأساً على عقب.
أقيم الحفل الذي طيَّر فيه أحمد رامي معطفه؛ لكي يرى الشعراء والأدباء العرب روح بغداد الحقيقية تتجلى غناءً وموسيقى وحضوراً كبيراً من الرجال والنساء، محبة للشعر والشعراء.
لم يحضر رئيس الجمهورية؛ ليس لأنه لم يزل غاضباً على الوائلي؛ بل ربما لأنه يرى أن الغناء والموسيقى لا يليقان بمقامه، والوائلي ومن معه لم يحضروا أيضاً؛ لأنهم يرون أن الغناء والموسيقى من المحرمات أو لا يليقان بزيهم! قد يفوت الأمر على الرئيس فلا يدرك أنه يحكم بلاداً هي مهد الموسيقى والغناء، ولكن كيف يفوت على الشاعر، فلا يرى أن في القصيدة التي ينظمها قدراً كبيراً من الموسيقى والغناء أيضاً، فيحلل هذه ويحرم تلك؟
ظل معطف أحمد رامي من وقائع الحفل التي لا تنسى، فكأنه يلقيه على كتفي بغداد، بما فيه من أغانٍ لأم كلثوم وغيرها، في لمسة دفء وحب!



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».