عباس: أزمة احتجاز إسرائيل للأموال الفلسطينية انتهت

منظمة التحرير تدفع باتجاه مشروع جديد لإنهاء الاحتلال في مجلس الأمن

الرئيس عباس يتلو مع أعضاء الحكومة آيات من القرآن الكريم خلال اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في رام الله أمس (أ.ف.ب)
الرئيس عباس يتلو مع أعضاء الحكومة آيات من القرآن الكريم خلال اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في رام الله أمس (أ.ف.ب)
TT

عباس: أزمة احتجاز إسرائيل للأموال الفلسطينية انتهت

الرئيس عباس يتلو مع أعضاء الحكومة آيات من القرآن الكريم خلال اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في رام الله أمس (أ.ف.ب)
الرئيس عباس يتلو مع أعضاء الحكومة آيات من القرآن الكريم خلال اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في رام الله أمس (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) عن انتهاء أزمة احتجاز إسرائيل للأموال الفلسطينية، وقال إن تل أبيب ستقوم بتحويل كل المستحقات المالية للسلطة خلال أيام، مؤكدا أن الحكومة الفلسطينية ستصرف راتبا كاملا للموظفين الشهر القادم، وذلك لأول مرة منذ نهاية العام الماضي.
وقال عباس في مستهل اجتماع للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أمس في رام الله، إن «الحكومة الفلسطينية ستكون قادرة على صرف الرواتب كاملة، إن شاء الله، في آخر الشهر، عندما تصل الأموال المحجوزة من قبل إسرائيل»، مؤكدا أن تحويل الأموال للسلطة تم بعد الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة لبحث ملف المستحقات المالية على الجانبين.
وأضاف موضحا: «نحن لنا ديون على الجانب الإسرائيلي، وهم يزعمون بأن لهم ديونا علينا، لذلك سنقوم بطرح هذه المسائل على اللجنة، وما يتم الاتفاق عليه سنكون مستعدين أن نقبل به».
وجاء الاتفاق بعد أن رفضت السلطة بداية الشهر الحالي تسلم المستحقات منقوصة، بعد أن خصمت إسرائيل ديونا على الفلسطينيين لشركات الكهرباء والوقود. وفي هذا الصدد قال عباس: «لقد قررت الحكومة الإسرائيلية في السابق إرسال أموال الضرائب الفلسطينية مع خصم ثلث المبلغ، لكن رفضنا ذلك، وقمنا بإعادة الأموال رغم ظروفنا الصعبة، لكن الآن حصل اتفاق، وهو أن ترسل هذه الأموال كاملة، وأن تكون هناك لجنة ثنائية فلسطينية- إسرائيلية لتناقش كل المستحقات المالية، سواء علينا أو عليهم».
وكانت إسرائيل قد احتجزت أموال الضرائب الفلسطينية منذ 4 شهور، وهو ما وضع الحكومة الفلسطينية في حالة عجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية. وتشكل هذه الأموال، التي تقدر بنحو 130 مليون دولار شهريا، ثلثي دخل السلطة الفلسطينية.
من جهته، قال رئيس هيئة الشؤون المدنية حسين الشيخ، إن إسرائيل ستفرج عن مستحقات الضرائب الفلسطينية التي تحتجزها منذ قرابة 4 أشهر، خلال يومين. وأكد حدوث «اتفاق بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على ذلك خلال اجتماع عقد الجمعة».
وكان الملف المالي للسلطة على طاولة اللجنة التنفيذية للمنظمة التي ناقشت كذلك ملفات مخيم اليرموك، والعودة إلى مجلس الأمن بمشروع جديد لإنهاء الاحتلال. وبخصوص هذا الملف قال عباس: «لقد أصدرنا قرارا بخصم يوم عمل من القطاع العام لصالح أهلنا في مخيم اليرموك، وسنتابع هذا الملف». وأضاف موضحا: «هناك لجنة هامة شكلت من قبل الأشقاء العرب، وهي اللجنة السداسية العربية التي انبثقت عن وزراء الخارجية العرب لمناقشة القرار الذي سيقدم لمجلس الأمن الدولي. وخلال شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي قدمنا قرارا لمجلس الأمن، لكن فشل مجلس الأمن في تنفيذ هذا القرار، والآن هناك 6 دول عربية تريد أن تناقش مشروع القرار، وليس لدينا أي مانع في نقاشه، ليكون مشروع القرار الذي سيقدم إلى مجلس الأمن موضع إجماع عربي». كما عرج عباس على ملف المصالحة، وإعادة الإعمار، مؤكدا أنهم سيتابعون تقارير حول الأمر من الحكومة.
وأعلنت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أمس عن قرارها بإرسال وفد من قيادة منظمة التحرير، يضم جميع الفصائل العاملة في المخيم لمتابعة المعالجة الميدانية هناك بشكل متواصل. وأكدت في بيان «عدم الانجرار إلى الصراع الدائر في سوريا الشقيقة، وتجنب الوقوع في الخيار العسكري لأنه سيقود إلى نتيجة واحدة خطيرة بتدمير المخيم، وتهجير أبنائه الصامدين البواسل، وذلك يعني اتخاذ موقف إيجابي يتطلب أعلى درجات المسؤولية في بذل الجهد الوطني والسياسي الموحد مع جميع الأطراف لحماية المخيم، وضمان البقاء والصمود فيه».
كما أعربت اللجنة التنفيذية عن ثقتها بأن «قرارات القمة العربية تجاه دعم إعادة أعمار قطاع غزة، وتعزيز قدرات السلطة الوطنية الفلسطينية على جميع الصعد، ستلقى طريقها إلى التنفيذ، خصوصا في ما يتصل بدعم صمود القدس ومؤسساتها الوطنية»، كما أيدت اللجنة التنفيذية «النهج الذي اعتمدته القمة العربية من أجل حماية الأمن القومي، وضمان سيادة كل بلد عربي وخيارات شعبه ومؤسساته الوطنية، ورفض جميع محاولات التفتيت بما يحمي وحدة جميع الشعوب والبلدان العربية، ومواجهة التطرف والإرهاب بجميع أشكاله»، كما أعلنت اللجنة التنفيذية «مساندتها للموقف الذي اتخذته المملكة العربية السعودية الشقيقة وجميع أطراف التحالف العربي لمنع انهيار اليمن الشقيق وحماية وحدته والشرعية فيه، والالتزام بالحل السياسي سبيلا وحيدا للخروج من أزمته الداخلية».
ولم ينتهِ اجتماع التنفيذية إلى قرارات بشأن ملفات ساخنة مثل وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل والتوجه إلى الجنايات الدولية. وجاء في بيان التنفيذية أن «اللجنة التنفيذية بحثت نتائج أعمال اللجان المختصة بتنفيذ قراراتها السابقة وقرارات المجلس المركزي بشأن وقف التنسيق الأمني وإعادة النظر في الاتفاقيات الاقتصادية، وكذلك متابعة العمل مع المحكمة الجنائية الدولية لعرض القضايا ذات الأولوية، خصوصا الاستيطان والعدوان على غزة، وسرقة الممتلكات الفلسطينية في القدس». كما ثمنت اللجنة التنفيذية دعوة 16 بلدا من الاتحاد الأوروبي لتحديد ومقاطعة منتجات المستوطنات، وتطالب باعتماده رسميا، ودعت إلى توفير كل الشروط الكفيلة بتمكين الحكومة الفلسطينية للقيام بواجباتها في قطاع غزة، وحل كل المشكلات العالقة بما فيها مواصلة عملية إعادة الإعمار.
ومن المفترض أن يتوجه وزراء حكومة التوافق اليوم إلى قطاع غزة لمتابعة القضايا العالقة في وزارتهم ومع حركة حماس.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.