تلبية لنداء الأمم المتحدة.. خادم الحرمين يأمر بتخصيص 274 مليون دولار للإغاثة في اليمن

هادي للملك سلمان: اليمنيون لن ينسوا مواقفكم وأياديكم البيضاء * مفوضية شؤون اللاجئين لـ {الشرق الأوسط} : المواد الطبية والإغاثية على رأس الأولويات

جانب من مساعدات  سعودية سابقة للشعب اليمني («الشرق الأوسط»)
جانب من مساعدات سعودية سابقة للشعب اليمني («الشرق الأوسط»)
TT

تلبية لنداء الأمم المتحدة.. خادم الحرمين يأمر بتخصيص 274 مليون دولار للإغاثة في اليمن

جانب من مساعدات  سعودية سابقة للشعب اليمني («الشرق الأوسط»)
جانب من مساعدات سعودية سابقة للشعب اليمني («الشرق الأوسط»)

في استجابة للنداء الذي وجهته الأمم المتحدة لتقديم مساعدات إنسانية في اليمن، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، مساء أمس، أمرا بتخصيص 274 مليون دولار لأعمال الإغاثة الإنسانية في اليمن، وصدر في وقت متأخر أول من أمس (الجمعة)، عن الديوان الملكي، البيان التالي: «استجابة للاحتياجات الإنسانية للشعب اليمني الشقيق التي تضمنتها مناشدة الأمم المتحدة بتاريخ 17/ 4/ 2015، فقد صدر أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بتخصيص مبلغ 274 مليون دولار لأعمال الإغاثة الإنسانية في اليمن من خلال الأمم المتحدة. وتؤكد السعودية وقوفها التام إلى جانب الشعب اليمني، وتدعو المولى عز وجل أن يعيد الأمن والاستقرار لليمن الشقيق. إنه ولي ذلك والقادر عليه».
ويأتي تقديم تلك المساعدات إلى جوار ما قدمه الصندوق السعودي للتنمية لعدد من القروض لليمن في مختلف المجالات بمبلغ إجمالي قدره 560 مليون دولار (2.1 مليار ريال سعودي)، للمساهمة في تمويل 24 مشروعًا إنمائيًا تتركز في قطاعات الطرق، والصحة، والتعليم المهني، والتدريب الفني، حيث اكتمل تنفيذ كثير من المشروعات التنموية السابقة وتبقى 8 مشروعات تحت التنفيذ.
من جانبه، أعرب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي عن شكره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، مثمنًا له تخصيصه مبلغ 274 مليون دولار لأعمال الإغاثة الإنسانية في اليمن من خلال الأمم المتحدة ووقوفه إلى جانب أبناء الشعب اليمني ومساندتهم لتجاوز محنتهم الحالية.
وقال الرئيس اليمني في برقية بعث بها أمس إلى الملك سلمان: «إن استجابة خادم الحرمين الشريفين السريعة لمناشدة الأمم المتحدة لتوفير الاحتياجات الإنسانية للشعب اليمني تؤكد حرصه الشخصي وحرص المملكة العربية السعودية ووقوفها التام إلى جانب الشعب اليمني الذي بدأ يعاني من أوضاع إنسانية صعبة وشح في الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة اليومية من كهرباء وماء ومشتقات نفطية نتيجة انقلاب الميليشيات الحوثية وعصابة صالح على الشرعية الدستورية». وأضاف الرئيس هادي: «إن الشعب اليمني لن ينسى مواقف خادم الحرمين الشريفين وأياديه البيضاء التي تعمل على الانتصار لإرادة الحياة الحرة والكريمة والعمل على التخفيف من معاناة الشعب اليمني». وأشار إلى أن علاقات الأخوة بين الشعبين اليمني والسعودي «ضاربة في جذور التاريخ»، وأنها علاقات راسخة ارتبطت بوشائج أخوية وتاريخية وجغرافية.
وقال مأمون حسن، مستشار الممثل الإقليمي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لـ«الشرق الأوسط»، إن تبرع السعودية يأتي استكمالاً للمساعدات الإنسانية التي قدمتها في السابق، لافتًا أنه بمجرد ما أطلقت الأمم المتحدة نداءها الإنساني لتوفير المساعدة الإنسانية العاجلة للشعب اليمني، قدمت السعودية تغطية كل المتطلبات التي تضمنها النداء الإنساني. وأشار مأمون إلى أن الأوضاع الإنسانية في اليمن صعبة للغاية، وأدى استهداف ميليشيا الحوثي للمدنيين لمضاعفة تلك المأساة الإنسانية، لافتًا إلى أن للسعودية دورا وحضورا بارزا في المؤتمر الثالث للمانحين لمساعدة اللاجئين والنازحين السوريين، وقدمت فيه 190 مليون دولار؛ بعد أن قدمت المساعدة الكبيرة للملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز بـ500 مليون دولار مساعدات الشعب العراقي.
وأوضح مأمون حسن أن الأمم المتحدة بمختلف منظماتها الإنسانية، تقدر الدعم الذي قدمته السعودية، وأن تلك المساعدات ستسهم بتغطية المتطلبات الإغاثية التي أعلنتها في مبادرتها الأخيرة لمدة 3 أشهر، ومقابلة احتياجات نحو 7 مليون محتاج.
وذكر أن مفوضية شؤون اللاجئين لها حضور إنساني كبير في اليمن – أخيرًا - فهي مسؤولة عن توفير الحماية والرعاية لـ300 ألف نازح داخلي في اليمن، إضافة إلى 250 لاجئا من الصومال ودول القرن الأفريقي.
وقدر مستشار الممثل الإقليمي للأمم المتحدة عدد النازحين الذين فروا من استهداف ميليشيا الحوثي بنحو 150 ألف نازح داخلي، موضحًا أن الأموال التي قدمتها السعودية ستخصص بشكل عاجل لقطاع الإيواء والمواد الطبية والغذائية، فضلاً عن الحاجة إلى توفير مستلزمات للنقل والمحروقات ومسائل مرتبطة بالاحتياجات التي توقفت وتباطأت عملية توفيرها للمحتاجين، نتيجة لتعقيد الأوضاع.
ولفت مأمون حسن أن جميع موظفي الأمم المتحدة جميعهم غادروا نتيجة للوضع الأمني، وأن عمليات الإغاثة تتواصل بوتيرة أقل من الوضع الطبيعي نتيجة للوضع الأمني وعدم توفر وسائل النقل والمحروقات، وأنها ستواصل توصيل المساعدات وسيقوم بها الموظفون المحليون التابعون للمفوضية.
وأكد أن مفوضية شؤون اللاجئين سيستمر في التنسيق مع قوات التحالف بشأن إدخال المساعدات الطبية والإنسانية، موضحًا أن كل العمليات الإغاثية الإنسانية سوف تتطلع بها كافة منظمات الأمم المتحدة.
من جانب آخر، قال مختار الربحي، المستشار الصحافي للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، المساعدات التي أمر خادم الحرمين الشريفين بها ستحقق قفزة في نوعية المساعدات، موضحًا خلال تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف السعودية ليس بغريب عنها، إذا ساهمت في دعم اليمن سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، مضيفًا: «مبادرة السعودية الإنسانية ستنعكس بالارتياح على الشعب اليمني». وأضاف أن ميليشيا الحوثي واتباع الرئيس المخلوع علي صالح ستعمل على قطع تلك المساعدات؛ وذلك ضمن مسلسل خلق المشكلات التي تعمل عليه باستهداف الآمنين.
وأشار الربحي أن تلك المبالغ «ستسهم في توفير الغداء والأمن للمدنيين جراء محاربة ميليشيا الحوثي واتباع صالح للمدنيين عبر حرمانهم من الغذاء ومنع بيع البترول والمشتقات النفطية، وتحويلها للمجهود العسكري»
وذكر مستشار الصحافي للرئيس اليمني أن الأمم المتحدة لديها خبرات لإيصال تلك المساعدات، وأن الرئاسة اليمنية ستعمل على إيصال تلك المساعدات لكل المحافظات اليمنية بلا استثناء، بما في ذلك محافظة عدن المحاصرة.
من جهة أخرى، بلغ إجمالي التمويلات المعتمدة من البنك الإسلامي للتنمية والمؤسسات الأعضاء في مجموعة البنك لصالح اليمن نحو 1.8 مليار دولار أميركي، موزعة كالآتي: من البنك الإسلامي للتنمية 471 مليون دولار، ومن المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة 425 مليون دولار، ومن المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص 144 مليون دولار، بالإضافة إلى عمليات تأمين من المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات بمبلغ إجمالي 149 مليون دولار.
وبحسب آخر تقرير للبنك الإسلامي للتنمية، فإن البنك مول 88 مشروعًا تنمويًا في اليمن بمبلغ إجمالي 471 مليون دولار، حيث تم استكمال 59 مشروعًا منها، في حين يجري حاليا تنفيذ 29 مشروعًا بمبلغ إجمالي 248 مليون دولار، وقد شملت تمويلات البنك الإسلامي للتنمية في اليمن قطاعات عدة، تركز معظمها على وجه الخصوص في قطاعات الزراعة والطاقة والنقل والتعليم، إضافة إلى تعاون البنك الإسلامي مع البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية والاتحاد الأوروبي بإعداد تقرير التقييم الاجتماعي والاقتصادي لليمن، وهي الوثيقة الرئيسية التي تم على أثرها وضع الخطة التمويلية للبرنامج المرحلي للاستقرار والتنمية 2012 - 2014.
من جهة أخرى، يعد الصندوق السعودي للتنمية أبرز الداعمين للتنمية في اليمن، حيث قدم الصندوق عددًا من القروض، وأشرف على عدد من المنح، شملت عدة قطاعات، من أبرزها الصحة، والتعليم، والطرق، والمياه، واستفادت من المشروعات التنموية جميع محافظات الجمهورية اليمنية سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر.
واعتمد الصندوق خطوط تمويل وعمليات مباشرة لتمويل الصادرات الوطنية بمبلغ إجمالي 320 مليون دولار (قدره 1.2 مليار ريال)، منها نحو (مليار ريال سعودي) لصالح مؤسسات القطاع العام باليمن في قطاعات متنوعة من أبرزها الماء والكهرباء، ونحو 69.6 مليون دولار (261 مليون ريال) لصالح مؤسسات القطاع الخاص خطوط تمويل بنوك وعمليات مباشرة، إضافة إلى تسهيلات ائتمانية لضمان الصادرات الوطنية بقيمة إجمالية قدرها 8 مليون دولار (30 مليون ريال سعودي).
يشار إلى أن السعودية قدمت عام 2006 منحة بمقدار 453 مليون دولار (1.7 مليار ريال) وذلك خلال مؤتمر المانحين الذي عقد في لندن، وقد خصصت لتنفيذ 27 مشروعًا، وفي عام 2012 أعلنت السعودية عن مساعدات بمقدار 3.2 مليون دولار (12 مليار ريال)، وذلك في مؤتمر المانحين الذي عقد في مدينة الرياض منها، 986 ألف دولار (3.7 مليون ريال) وديعة في البنك المركزي اليمني، وخصصت مبالغ للمساهمة في تمويل 25 مشروعًا في مختلف القطاعات الإنمائية وفي جميع المحافظات، كما تم اعتماد مبلغ 426 مليون دولار (1.6 مليار ريال) للمساهمة في صندوق الرعاية الاجتماعية الذي يهدف لتمويل البرامج الموجهة للحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.