توقع انخفاض عدد الضحايا مع بدء تطبيق قانون السير الجديد

اللبنانيون يتخوفون من عدم استمراريته

شرطي سير يحرر مخالفة مرورية لأحد السائقين ({الشرق الأوسط})، سائقة ترتب مشترياتها أثناء القيادة
شرطي سير يحرر مخالفة مرورية لأحد السائقين ({الشرق الأوسط})، سائقة ترتب مشترياتها أثناء القيادة
TT

توقع انخفاض عدد الضحايا مع بدء تطبيق قانون السير الجديد

شرطي سير يحرر مخالفة مرورية لأحد السائقين ({الشرق الأوسط})، سائقة ترتب مشترياتها أثناء القيادة
شرطي سير يحرر مخالفة مرورية لأحد السائقين ({الشرق الأوسط})، سائقة ترتب مشترياتها أثناء القيادة

بعد عشر سنوات من الانتظار سيتم تطبيق قانون السير الجديد في لبنان الذي سيؤدي، حسب تقديرات القيمين عليه، إلى انخفاض عدد ضحايا السير من ألف إلى 250 شخصًا في المرحلة الأولى. هذه المرة أعلن عن البدء بتطبيقه «تدريجيا» بدءًا من 22 الحالي بعد أن كان من المقرر ذلك في 15 منه. فعدم جهوزية بعض الوزارات والإدارات المنوط بها تطبيقه، ساهم في التأجيل.
ولعلّ ما حفظه اللبنانيون من جميع الحملات الإعلانية التي رافقت موعد التطبيق المنتظر، هو قيمة الغرامات المالية المرتفعة التي سيدفعونها في حالات المخالفة؛ فالعنوان العريض لهذا القانون هو أنه عندما تقود مركبتك عليك أن تركّز فقط على فعل «تقود».
ممنوع مثلا على سائق مركبة نقل بالأجرة أن يدخّن أو يأكل أو التلهي بالأحاديث أثناء قيامه بعمله وإلا تكبّد غرامة بمبلغ يتراوح ما بين 200 و300 ألف ليرة لبنانية، أي ما يوازي 200 دولار. ويمنع أيضا إخراج الرأس أو أي عضو من أعضاء الجسم تحت طائلة دفع غرامة تصل إلى 150 ألف ليرة (ما يوازي 100 دولار). أما عدم مراعاة استعمال المنبّه الصوتي فتتراوح غرامة مخالفته ما بين 200 و300 ألف ليرة. أما استعمال أي جهاز اتصال أثناء القيادة فإن ذلك سيكبّد صاحبه غرامة تصل إلى 450 ألف ليرة أي ما يقارب 300 دولار. ولعلّ الغرامات الخاصة بتجاوز إشارات السير أو تجاوز السرعة المحددة، تعدّ غراماتها من العيار الثقيل بحيث تصل إلى 3 ملايين ليرة وإلى عقوبة السجن في بعض الحالات.
وتطول لائحة المخالفات والغرامات في قانون السير الجديد لتطال عدم وضع حزام الأمان أو عدم صلاحيته، ونقل عدد ركاب يخالف العدد المحدد في رخصة السير، واجتياز الفاصل بين مسلك وآخر، وعدم استعمال كرسي الأمان للأطفال دون خمس سنوات، وعدم التوقف أو تخفيف السرعة للسماح بمرور المشاة والمعوقين، وقيادة مركبة تحت تأثير الكحول أو في غير الاتجاه المحدد، والقيام بحركات بهلوانية أثناء قيادة الدراجة الآلية وما إلى هنالك من مخالفات يشملها هذا القانون.
ومن البنود الجديدة التي يتضمنها القانون الجديد والتي لم يسبق للبنانيين أن سمعوا بها رغم شيوعها في بلاد الغرب، هو تطبيق نظام النقاط على المخالفات، بحيث ينشأ لدى قوى الأمن الداخلي سجل مروري ممكن لكل سائق بغية تطبيق هذا النظام. وتكون الأعمال المتعلقة بهذا النظام ذات طابع إداري. يمنح لكل سائق يحمل رخصة سوق صالحة 12 نقطة رصيدا في السجل المروري. يُحسم من هذه النقاط بالتناسب مع المخالفات المرتكبة.
عندما يفقد السائق مجموع نقاطه، تفقد رخصة السوق صلاحيتها وتسحب منه لمدة ستة أشهر يخضع خلالها السائق لدورة متخصصة في إحدى مدارس السوق. عند تكرار فقدان مجموع النقاط خلال ثلاث سنوات، تسحب الرخصة لمدة سنة، على أن يخضع المخالف للدورة المذكورة أعلاه، إضافة إلى إعادة امتحان السوق. أما في حال فقد المواطن 6 نقاط فقط في السنة فهو سيتلقى في المقابل 3 نقاط إضافية مكافأة له.
المحامي لحود لحود المتحدث الرسمي لمؤسسة «yasa» للحدّ من وقوع حوادث السير، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الهدف من هذا القانون الذي ولد بفعل عملية قيصرية بعد جهد كبير، أن يبعث الخوف في قلوب اللبنانيين فيردعهم عن القيام بمخالفات سير من شأنها أن تفقدهم حياتهم أحيانا وأن تصيبهم بالإعاقة أحيانا أخرى. وأضاف: «هذا القانون سيجبر اللبناني على أن يقود سيارته على مهل وان يحافظ على سلامته وسلامة الآخرين، للحد من وقوع حوادث السير التي وصل معدّلها إلى وفاة 3 أشخاص يوميا». وتابع: «لقد صرنا مقتنعين بأن اتباع أسلوب التوعية وحده لا يؤدي إلى نتيجة ملموسة إلا إذا ما ترافق مع تشديد في العقوبات، وقد لمس الفرنسيون مثلا والذين طبّقوا قانونا مشابها على طرقاتهم أن التقيّد به خفّض عدد ضحايا حوادث السير من 12 ألفا إلى 3 آلاف في السنة».
ورأى المحامي لحود أنه إذا ما تمّ تطبيق هذا النظام في لبنان، فإنه من المنتظر أن يخفّض عدد الضحايا في لبنان من ألف إلى 250 في المرحلة الأولية لتطبيقه آملين أن يصل إلى الصفر يوما ما.
وكثرت تعليقات اللبنانيين على تطبيق هذا القانون الصارم، وعما إذا كانت الدولة اللبنانية ستؤمن لهم في المقابل طرقات آمنة وإنارة دائمة.
ويرد النائب خضر حبيب عضو في لجنة الأشغال والنقل النيابية فيقول: «لا شك أننا في صدد العمل على هذا الموضوع، وقد وضعنا خطة شاملة لتنفيذه، ولكني أتساءل هنا ما علاقة تطبيق قانون السير بوضع الطرقات؟ فالحفر أو عدم وجود الإنارة من شأنها أن تحفّز المواطن على قيادة سيارته بأدنى سرعة ممكنة، وليس بسرعة قد تؤدي إلى مقتله أو وفاة آخرين، وهذا ما يجب أن يدفعه لتفادي مخالفات عدة. كما أن المجلس الوطني للسلامة العامة الذي انبثق من خلال هذا القانون سيعمل من أجل تطويره وتنفيذه. وهو يتألّف من رئيس مجلس الوزراء ووزراء الداخلية والأشغال العامة والإعلام، ومن شأنه أن يطّلع ويراقب كل ثغرة يمكن أن تصادفنا في طريق تنفيذه على الأرض بشكل شامل».
ورأى النائب خضر حبيب أن قانون السير الجديد يشكّل الرادع الأفضل للحدّ من حوادث السير، وأن الغرامات المالية ليست هي الأولوية فيه.ومن المنتظر أن تخصص وحدة من قوى الأمن الداخلي يصل عددها إلى 1500 شرطي، تكون مسؤوليتهم توعية الناس على الطرقات ومساعدتهم في تنفيذ القانون واستيعاب بنوده بأقل ضرر ممكن.
ومن الناحية التوعوية فقد بدأت حملات إعلامية كبرى في هذا الصدد موزّعة على شاشات التلفزة والمواقع الإلكترونية وملصقات الطرقات وغيرها من وسائل الإعلام لتوعية المواطن وإعطائه معلومات عن القانون الجديد. وستوزّع في موازاة ذلك 3 ملايين «بروشور» (كتيّب) على جميع الأراضي اللبنانية، ولا سيما على سائقي الأجرة والباصات لإعطاء أصحابها فكرة وافية عنه.
والجدير ذكره أن لبنان يفقد سنويا عددا مرتفعا من ضحايا حوادث السير يصل إلى ألف قتيل، ارتكازا إلى إحصاءات أجرتها كل من مؤسسة «yasa» ومؤسسة الصليب الأحمر اللبناني.
وعن إمكانية أن يلقى هذا القانون نفس مصير قانون منع التدخين الذي فشلت الدولة في تطبيقه على الأرض، أجاب النائب خضر حبيب: «أعتقد أن قانون منع التدخين لم يتم درسه بدقة كما هو المطلوب، وقد تسرّعت الدولة في تطبيقه قبل تعديل بعض بنوده؛ فلبنان بلد سياحي بامتياز وكان من الأفضل أن نبتكر مناطق (zones) أو أقساما في المكان نفسه تتيح التدخين أو العكس». وأضاف: «في موضوع قانون السير نحن لم نتسرّع، بل أعتقد أننا تأخرنا في تطبيقه، بل هو كان جاهزا منذ 10 سنوات وأخذنا نحو السنة لدرس فقراته وتجهيزه ليصبح صالحا لتنفيذه على الأرض».
أما إحدى الثغرات الكبرى التي تشوب القانون الحالي، فهي أن عائدات الغرامات المالية ستعود إلى جيوب القضاة وقوى الأمن الداخلي. وعلّق النائب خضر على هذا الأمر بالقول: «الموضوع تمّ بحثه مع وزير المال علي حسن خليل، الذي أكد لنا أنه بصدد تقديم اقتراح قانون لتعديل هذه الفقرة، وأنه من المفروض أن يصار إلى منح هذه العائدات إلى خزينة الدولة، التي ستقوم بدورها بتوزيعها على الإدارات الرسمية الأخرى».
ومن التعليقات التي شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي حول تطبيق قانون السير الجديد، تلك التي تناولت بشكل كبير عائدات غراماته المالية؛ فكتب أحدهم على صفحته بموقع «فيسبوك» يسأل: «لو افترضنا أنه سيتم تطبيق هذا القانون، وأنا أشك بذلك، هل سيتم تحسين طرقاتنا من عائدات غراماته؟». فيما علّق آخر بالقول: «عائدات غرامات فرنسا التي تريدوننا أن نتشبّه بها، تذهب لتحسين السلامة المروريّة والبنية التحتية وتدريب الشرطة البلدية والقيام بحملات توعية وشراء رادارات وكاميرات لتعزيز قدرات مراكز التحكّم. أما في لبنان فستذهب إلى جيوب القضاة وعناصر قوى الأمن الداخلي. وأين أوجه الشبه في الموضوع؟».
ونقل أحدهم صورة سيدة تنقّي البقدونس وهي واقفة في عجقة السير فكتب في أسفلها معلّقا: «في غرامات لمخالفات تنال إخراج أي عضو من أعضاء الجسم، ولكن تنقية البقدونس ما غرامتها؟»، غامزا بذلك في قناة التفاصيل الدقيقة التي تشملها غرامات القانون الجديد.
وكتب أحد الشبان اللبنانيين على صفحته الإلكترونية قائلاً: «أنا فخور كوني لبنانيا، صار في لبنان قانون يعزل وزراء وشرطة ويطيّر رؤسا من مقاعدها... ويغرّم ويدخل إلى الحبس هل من المعقول أن ينفّذ؟». وغرّدت إحدى اللبنانيات بالقول: «يا شوفور دعاس بنزين عالـ199! يعني هالاغنية صار ممنوع نغنيها مع تطبيق القانون الجديد؟».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».