{الشرق الأوسط} في مهرجان: برلين السينمائي - 3 : كيت بلانشيت: ما يشدني إلى التمثيل ذلك التنوع في الأدوار

بمناسبة عرض فيلمها الجديد في برلين

كما تبدو في «رجال النُصب»
كما تبدو في «رجال النُصب»
TT

{الشرق الأوسط} في مهرجان: برلين السينمائي - 3 : كيت بلانشيت: ما يشدني إلى التمثيل ذلك التنوع في الأدوار

كما تبدو في «رجال النُصب»
كما تبدو في «رجال النُصب»

لا علاقة للممثلة كيت بلانشيت بالجدال القائم حول ما إذا كان المخرج وودي ألن تعرّض جنسيا لابنته من شريكته السابقة الممثلة ميا فارو، واسمها ديلان، أم لا. ديلان تقول إنه فعل (حين كانت في السابعة من العمر - وهي الآن في العشرين) وهو يرد قائلا بأنها أكاذيب مفتعلة فترد عليه لتقول إنه هو الذي يكذب. السجال تحوّل إلى فضيحة في الأيام الأخيرة وإذ تحضر حفلة فيلم الافتتاح «فندق بودابست الكبير» التي أعقبت العرض الليلي، تسمع حديثين منتشرين بين الموجودين: موت فيليب سايمور هوفمن وفضيحة وودي ألن.
لكن كيت ليست معنية بالطبع - باستثناء أنها بطلة فيلم وودي ألن الأخير «جاسمين الحزينة» Blue Jasmine وهي مرشحة لأوسكار أفضل ممثلة. البعض في هوليوود يقترح بأنها قد تقع في مرمى إطلاق النار من دون قصد فتخسر الترشيح بناء على موقف أخلاقي قد يعتمده أعضاء أكاديمية العلوم والفنون السينمائية مانحة الأوسكار.
لكن أن يفكر الأعضاء في حجب الأوسكار عن الممثلة بناء على قضية شخصية يخوضها المخرج والكاتب الشهير دفاعا عن سمعته، لمجرد أنها مثّلت بطولة ذلك الفيلم أمر مستبعد، أو - إذا ما كان محتملا - فإن احتماله محدود للغاية.
حين تمّت هذه المقابلة في لوس أنجليس، بعد حصول بلانشيت على غولدن غلوب أفضل ممثلة في فيلم درامي في الشهر الماضي، لم تكن القضية قد وُلدت بعد. وجل الحديث هو الفيلم الجديد الذي تشترك كيت في بطولته تحت عنوان «رجال النُصب» من بطولة وإخراج جورج كلوني. هذا الفيلم بوشر بعرضه تجاريا يوم أول من أمس (الجمعة) وشهد عرضه الأول في مهرجان برلين ضمن المسابقة ظهر يوم أمس (السبت).
إنه الفيلم الواحد والأربعون من بين ما حققته كيت بلانشيت (44 سنة) من أعمال منذ أن مثلت أول أفلامها سنة 1994 في فيلم أسترالي بعنوان «إنقاذ بوليسي» وهي بقيت تعمل في نطاق السينما الأسترالية إلى أن طلبها المخرج الهندي شيخار كابور بطلة لفيلمه البريطاني «إليزابيث» (1998) بعدها انطلقت ولا تزال في رحاب السينما العالمية. و«رجال النُصب» هو ثاني فيلم لها إلى جانب جورج كلوني وذلك بعد «الألماني الطيّب» الذي أخرجه ستيفن سودربيرغ سنة 2006. الفيلم الجديد، كالسابق، يدور حول أحداث تقع في تلك الفترة الزمنية التي شهدت قيام الحرب العالمية الثانية. هذه المرّة يدور البحث حول كيفية إنقاذ لوحات ثمينة من قبضة القوّات النازية التي تعتزم نقلها إلى برلين من متاحفها الأصلية.
* هل كنت تعلمين الكثير عن الأحداث التي يعرضها «رجال النُصب» حول سرقة النازيين للوحات فنية ثمينة؟
- لا. لم أكن أعلم عن هذا الموضوع أي شيء يذكر. لقد درست مادة الفنون في المعهد واهتممت كثيرا بتاريخ الفنون وأنواعها، لكني لم أكن أعرف شيئا عن هذا الجزء من التاريخ. أعتقد أن جورج (كلوني) و(الكاتب) غرانت هسلوف قاما بعمل رائع هنا كشفا فيه عن قدرة رائعة على سرد حكاية تدور حول فريق ينوي إنقاذ اللوحات الفنية من النازيين ويتعرّض لتلك الفترة السوداء من التاريخ. أعتقد أنني كنت أريد أن أكون جزءا من هذا الفيلم.
* هل اهتمامك بالرسم من بين الفنون دفعك لاقتناء بعض اللوحات الثمينة مثلا؟
- ليس على نحو كبير. لدي مجموعة صغيرة منها، لكن اهتمامي بها كبير. ليس عندي لوحة لبيكاسو أو رمبرانت لكن المرء لا يمتلك الفن حتى ولو اشترى اللوحة. أنا مؤمنة بديمومة هذا الفن. هذه اللوحات موجودة للعموم لكي يقدروها ويحتفلوا بها كثراء إنساني وفني.
* كان هناك فيلم سابق يدور حول الموضوع نفسه..
- تقصد «القطار»؟
* نعم.
- أعتقد أن الفارق أن الفيلم السابق (أخرجه جون فرانكنهايمر سنة 1964) عمد إلى الكثير من الحكايات الخيالية. سمح لنفسه بإضافة أحداث لم تقع بالفعل، وهذا ما حاول «رجال النُصب» تحاشيه، لذلك هو مختلف عن ذلك الفيلم. جورج سعى إلى الحقائق وشاهد فيلما وثائقيا بعنوان «اغتصاب أوروبا» واستوحى منه بعض الأحداث.
* هناك قدر من الحداثة في هذا الفيلم. صحيح أنه يتحدّث عن وقائع حدثت في الأربعينات، لكن في الآونة الأخيرة تم اكتشاف مجموعة من اللوحات المنهوبة في قبو تاجر في ميونيخ.
- صحيح. الموضوع الذي يطرحه الفيلم لا يزال قائما. متاحف العالم ما زالت تسعى لاسترداد بعض اللوحات ذات المصير المجهول، وهي هناك في مكان ما بالتأكيد. لكن انظر إلى ما يحدث في سوريا من تدمير وخراب وسرقة ثروات تجد أن للفيلم علاقة حالية بما يحدث هناك وبأي سرقة متاحف وقعت خلال حرب ما. من هذه الناحية أعتقد أن الفيلم يتعامل مع تبعات الحروب بشكل عام.
* ما الذي يعنيه لك ظهورك المتكاثر في السينما اليوم؟ هناك «جاسمين الحزينة» و«ذا هوبيت» و«رجال النُصب»، كما يوجد عدد من الأفلام الجديدة التي سنشاهد بعضها هذه السنة.
- جزء من عمل الممثل أن يكون حاضرا لدخول الشخصيات المختلفة التي يمثّلها. ما دام وافق على تمثيل هذه الشخصيات فهو ملتزم بتأمينها بكل اختلافاتها. وهذا ما يشدّني إلى التمثيل: القدرة على التنوّع والتلوّن لكي ألعب شخصيات مختلفة تماما بعضها عن بعض. وكل شخصية لها جمهورها.. جمهور «رجال النُصب» يختلف في رأيي عن جمهور «ذا هوبيت». الانتقال من نوع إلى آخر يبقي الصلة قائمة بينك وبين القدرة على إحياء حب العمل. تشعر بالانتعاش مع كل دور جديد لأنه مختلف عن الدور الذي مثلته من قبل.
* هناك مجموعة كبيرة من الأفلام التي قمت بتمثيلها تتناول حقبة الأربعينات. ربما الاختلاف الكبير هنا هو أن «رجال النُصب» يتطرّق أيضا إلى الهولوكوست..
- لا تستطيع أن تأتي على ذكر كل المواضيع المتصلة بما حدث خلال الحرب العالمية الثانية في فيلم واحد. لكن صحيح.. مثلت في «الألماني الطيّب» ولعبت فيه دور متعاونة، ومثلت «تشارلوت غراي» ولعبت فيه دور مقاومة. ومنذ سنين مثلت في مسرحية لديفيد هير حول امرأة خاضت تجربة بقاء خلال تلك الحقبة. «رجال النُصب» يتضمن الحديث عن الهولوكوست لكنه لا يزال أساسا فيلما عن سرقة اللوحات.
* مثلت سابقا أمام جورج كلوني في فيلم «الألماني الطيّب»، كيف تنظرين إلى هذا التعاون بينكما؟
- للأسف «الألماني الطيّب» لم يجد نجاحا كبيرا رغم أنني فخورة به وأعتقد أنه فيلم جيّد. قبل مدّة سألني زوجي قائلا: «ماذا بينك وبين جورج كلوني والحرب العالمية الثانية» (نضحك). هذا من باب أن جورج وأنا التقينا في فيلمين كل منهما يدور في تلك الفترة. حين جلست مع جورج وحكى لي ما يريد أن يحققه في هذا الفيلم وقعت في حب الفكرة. وما أراده للفيلم حققه بالفعل. جورج يعرض عملا يتناول جوانب تاريخية مؤلمة ويتعامل معه من منطلق إنساني أساسا.
* أنت الآن في خضم موسم الجوائز. كيف تواجهين ذلك؟ هل هناك ضغط كبير عليك من الناحية الإعلامية على الأقل؟
- هناك ضغط إعلامي كبير دائما (تضحك). انظر، عندما تكون فخورا بما تحققه من أفلام، وعندما تنجح تلك الأفلام في إبراز جهدك فيها، تشعر بأنك تقوم بالشيء الصحيح وأنك في مكان يجلب لك السعادة والرضا. لكن ما تقوله صحيح. قبل أيام اتصلت بوكيلة أعمالي وقلت لها: «عندي أفلام علي العودة إليها». أقصد أن الفيلم حين ينجح في استقطاب الاهتمام بممثليه يجد هؤلاء أنفسهم أمام ضرورة تأجيل أعمالهم لاستيعاب المقابلات وهي كثيرة. لكني لا أشكو. في مثل هذه المواقف أكون سعيدة حيث أنا.
الصوت الصغير للسينما العربية
* مهرجانات السينما العالمية هي مهرجانات أصوات. كل مهرجان يمتلئ بها بلغاتها وثقافاتها وفنونها. هناك الصوت الفرنسي والصوت الإسباني والصوت الألماني والصوت الروسي، كما هناك - من القارة الأخرى - الصوت الأميركي والصوت الأرجنتيني والصوت المكسيكي وفي حيز ثالث أي صوت آخر من أي منطقة من العالم.
مهرجان برلين الحالي (من السادس حتى السادس عشر من هذا الشهر) لا يختلف في هذا الصدد. فكل صوت يعبّر عن سينما معيّنة وكل الأصوات موجودة، بعضها هادر (كأصوات الدول المذكورة أعلاه) وبعضها خافت كأصوات السينما العربية المشتركة فيما يبدو تظاهرة صدفية أكثر منها مخططة.
بالتأكيد هناك أسماء مخرجين عرب، من الجزائر (رشيد بوشارب) ومن مصر (ناجي إسماعيل، جيهان نجيم، فيولا شفيق، مها مأمون) ومن فلسطين (مهدي فليفل) ومن لبنان (غيث الأمين، جو نامي، روي ديب)، لكن هذه الأعمال جميعا (وما قد يُضاف إليها إذا ما وُجد) ليست - في معظمها - من إنتاج عربي.
فهرس المهرجان يضع، مثلا، فيلم رشيد بوشارب «رجلان في البلدة» تحت اسم الجزائر، وهو تمويليا يحمل مساهمة جزائرية لكن تمويله الغالب فرنسي. ويخطأ كثيرون باعتبار أن فيلم «الميدان» لجيهان نجيم مصري، في حين أن تمويله أميركي محض. والفيلم القصير الذي يوفره مهدي فليفل تحت عنوان «غرباء» هو ألماني التمويل، بينما «ابتسم للعالم يبتسم لك» لا يحمل اسم مخرج كونه من إنتاج هيئة حقوق إسرائيلية - فلسطينية قررت إنتاج هذا الفيلم القصير. «أم أميرة» لناجي إسماعيل تمويل ألماني ولو أنه يحمل اسم مصر أيضا.
ويشترك الجزائري كريم عينوز بفيلم من إخراج جماعي اسمه «كاتدرائية الثقافة» (أحد المشتركين فيه أيضا فيم فندرز) وهو تمويل ألماني بالكامل كذلك حال فيلمه المقدّم في المسابقة الرسمية «بيريا المستقبل».
الفهرس الرسمي المعتمد لهذا الحديث لا يذكر فيلم «الأوراق تسقط في كل الفصول» إخراج السعودي أحمد مطر ولا فيلم «وراء الشمس» للكويتية منيرة القديري، لكن تقريرا كتبه الزميل سمير فريد ينص على أنهما فيلمان مشاركان. لو كانا كذلك فهما، على الأرجح، الفيلمان العربيان الوحيدان المموّلان بالكامل محليا.
لكن بصفة عامة وبارزة، الاشتراكات ذات الأسماء العربية مثل السمك الصغير الذي تراه يخاطر بحياته في مياه مليئة بالأسماك الكبيرة. الأصوات الهادرة هي التي تستوجب الإنصات وتشد الاهتمام، والسينما العربية لها صوت صغير عليك أن تتزوّد بجهاز خاص لاكتشافه.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».