تجاوزنا عامين من التجربة الجماعية للعالم مع فيروس «كورونا» المستجد، ووباء «كوفيد-19» الذي تسبب فيه، وصار السؤال الذي يشغل الناس هو: كيف سينتهي الوباء؟
مع بداية الوباء، أدركنا أننا أمام فيروس مختلف، وبالتالي تم استبعاد فرصة توقف انتشار الفيروس من دون لقاح، كما حدث مع ابن عمه «سارس»، وهو من فيروسات عائلة «كورونا»، وكان الأمل الآخر هو أن يكون اللقاح طريقنا للخروج من الوباء، وهو طريق مكلف للغاية، ولن يتمكن سوى عدد قليل من البلدان من الوصول إليه على المدى القريب.
ربما يبدو هذا قاتماً؛ لكنه لا يدعو لليأس، بسبب حقيقة أن الأوبئة تنتهي دائماً، وفي كثير من الأحيان لا تلعب اللقاحات أبداً دوراً مهماً في القضاء عليها، هذا لا يعني أن اللقاحات لا تلعب دوراً حاسماً هذه المرة، فهي بلا شك ساعدت في أن عدداً أقل بكثير من الأشخاص لقوا حتفهم بسبب «كوفيد–19».
لكن الحقيقة أنه لم تكن هناك لقاحات ضد الإنفلونزا عام 1918، عندما لم يكن العالم يعلم بعد أن الإنفلونزا نتجت عن فيروس «H1N1». وفي عام 1957، عندما اجتاح العالم جائحة «H2N2»، كان لقاح الإنفلونزا أداة عسكرية بشكل أساسي. وفي جائحة عام 1968 الذي شهد «H3N2»، أنتجت الولايات المتحدة ما يقرب من 22 مليون جرعة من اللقاح، ولكن بحلول الوقت الذي أصبحت فيه جاهزة، كان الوباء قد انتهى، وانحسر الطلب. وظهر هذا الأمر مرة أخرى عام 2009، عندما أصبح العالم قادراً على صنع مئات الملايين من الجرعات من لقاح «H1N1». وألغت بعض الدول أجزاء كبيرة من طلباتها؛ لأنه انتهى بها الأمر إلى عدم حاجتها إليها.
كيف انتهت تلك الأوبئة؟ الحقيقة أن الفيروسات لم تختفِ، فسليل فيروس الإنفلونزا الإسبانية، «H1N1» الحديث ينتشر حتى يومنا هذا، كما يفعل «H3N2»، ولم يطور البشر مناعة القطيع تجاههما أيضاً، وهي ظاهرة يتوقف من خلالها العامل الممرض عن الانتشار؛ لأن كثيراً من الناس محميون منه؛ لأنهم أصيبوا بالفعل أو تم تطعيمهم.
وبدلاً من ذلك، خضعت الفيروسات التي تسببت في هذه الأوبئة إلى تحول؛ حيث تعلمت أجهزة المناعة لدينا ما يكفي عنها لدرء أخطر مظاهر العدوى، ووصل البشر والفيروسات إلى انفراج مناعي، وبدلاً من التسبب في أمواج تسونامي بأمراض مدمرة، أدت الفيروسات بمرور الوقت إلى اندلاع موجات صغيرة من الأمراض الخفيفة، وأصبحت الإنفلونزا الوبائية إنفلونزا موسمية. وإذا استمر هذا النمط، فمن المتوقع أن ينضم «كورونا» المستجد، في مرحلة ما، إلى حفنة من فيروسات «كورونا» البشرية التي تسبب نزلات البرد؛ خصوصاً في فصل الشتاء.
لكن متى سيحدث ذلك؟ هذا هو السؤال الكبير غير القابل للإجابة؛ حيث اعترفت ماريا فان كيركوف، الخبيرة الرائدة في مجال فيروس «كورونا» في منظمة الصحة العالمية: «اعتقدت أننا سنخرج من هذه المرحلة الحادة بالفعل، أسوة بما حدث مع الأوبئة الأخرى، ولكن يبدو أننا لا نزال بعيدين».
وتشير الخبرة المكتسبة من الجوائح السابقة إلى أن الفيروسات تتحول من مسببات الأمراض الوبائية إلى مصدر موسمي للأمراض، في غضون عام ونصف أو عامين من ظهورها؛ لكن كل تلك الأوبئة كانت من أوبئة الإنفلونزا، وقد يعني عامل ممرض مختلف أننا سنرى نمطاً مختلفاً.
لكن جيني لافين، زميلة أبحاث في جامعة إيموري الأميركية، والتي كانت مؤلفة لورقة نُشرت في مجلة «ساينس» حول تصور انتهاء الوباء، قالت إننا سنصل يوماً ما لهذه المرحلة عندما يكتسب البالغون الأكبر سناً والأكثر عرضة للدخول إلى المستشفى والموت بسبب «كوفيد-19»، خبرة في التعامل مع الفيروس، بحيث لا يسبب لهم -على الأقل- مرضاً شديداً.
وأضافت في تصريحات لموقع «ذا ستيت» الأميركي، أول من أمس، أنه مع تدريب الجهاز المناعي، من المرجح أن تتحول عدوى «كوفيد-19» المستقبلية إلى ما يعادل الزكام. وبمرور الوقت، عندما تصبح درجة الحماية أكثر شيوعاً لدى البالغين، فإن الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالمرض سيكونون أطفالاً صغاراً، ونادراً ما تكون العدوى لديهم خطيرة.
ولا تنزعج لافين من فكرة أن الفيروس يمكن أن يظل معنا، وقالت: «ليس حكماً بالإعدام، فنحن لن نحظى بحصانة قطيع، وهذا يعني أنه سيصبح متوطناً، ومن ثم السؤال: هل سيكون خفيفاً ومتوطناً، أم أنه سيكون شديداً ومتوطناً؟ وأود أن أقول إن احتمالاتي أنه سيكون معتدلاً ومتوطناً في مرحلة ما».
ولافين ليست وحدها التي ترى أننا لن نتحكم في انتشار الفيروس من خلال مناعة القطيع. ففي وقت سابق، نشر جوناثان يودل، كبير الباحثين في البيولوجيا الخلوية وعلم المناعة الفيروسي، في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية بأميركا، مقال رأي في مجلة «بلوس بيولوجي»، توقع فيه أن فيروسات «كورونا» لا تؤدي إلى نوع من الحماية المناعية طويلة الأمد، وبالتالي لن نحتاج إلى مناعة القطيع للتخلص من الوباء.
ويقول فلوريان كرامر، اختصاصي اللقاحات في مستشفى «ماونت سيناي» في نيويورك، لموقع «ذا ستيت»: «قد يكون للفيروس نمط موسمي متوطن، بحيث ينتشر في أشهر الشتاء عندما يكون الأطفال في المدرسة، وعندما نقضي مزيداً من الوقت في الداخل، بعضنا على مقربة من بعض، وقد تكون بعض المواسم أكثر حدة من غيرها؛ لكن لن يكون هناك وضع وبائي شديد».
ويضيف: «إذا أصبح هذا الشيء موسمياً، وكان لديك بلدان يكون فيها معدل التطعيم منخفضاً، وخلفية المناعة منخفضة، فقد تكون تلك المواسم في البداية أقوى قليلاً. وفي البلدان التي ترتفع فيها معدلات التطعيم، فقد تكون منخفضة للغاية».
10:2 دقيقه
خبراء يرجِّحون «الوباء المتوطن» ويستبعدون «مناعة القطيع»
https://aawsat.com/home/article/3395906/%D8%AE%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%8A%D8%B1%D8%AC%D9%91%D9%90%D8%AD%D9%88%D9%86-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B7%D9%86%C2%BB-%D9%88%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%A8%D8%B9%D8%AF%D9%88%D9%86-%C2%AB%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D9%8A%D8%B9%C2%BB
خبراء يرجِّحون «الوباء المتوطن» ويستبعدون «مناعة القطيع»
مستشفى «ماونت سيناي» في نيويورك
- القاهرة: حازم بدر
- القاهرة: حازم بدر
خبراء يرجِّحون «الوباء المتوطن» ويستبعدون «مناعة القطيع»
مستشفى «ماونت سيناي» في نيويورك
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

