استئناف جولات مباحثات فيينا... وتحذير إيراني للأوروبيين

طهران دافعت عن الدور الروسي ـ الصيني في عملية التفاوض

صورة وزعتها الخارجية الإيرانية من اجتماع باقري كني ومفاوضي الترويكا الأوروبية بفندق «باليه كوبورغ» وسط فيينا أمس
صورة وزعتها الخارجية الإيرانية من اجتماع باقري كني ومفاوضي الترويكا الأوروبية بفندق «باليه كوبورغ» وسط فيينا أمس
TT

استئناف جولات مباحثات فيينا... وتحذير إيراني للأوروبيين

صورة وزعتها الخارجية الإيرانية من اجتماع باقري كني ومفاوضي الترويكا الأوروبية بفندق «باليه كوبورغ» وسط فيينا أمس
صورة وزعتها الخارجية الإيرانية من اجتماع باقري كني ومفاوضي الترويكا الأوروبية بفندق «باليه كوبورغ» وسط فيينا أمس

ببطء لا يعكس إلحاح المتفاوضين الغربيين، استؤنفت في فيينا أمس المحادثات الهادفة لإنعاش الاتفاق النووي الإيراني في جولتها الثامنة، التي بدأت قبل أيام قليلة من نهاية العام الماضي، وتوقفت في الأيام الثلاثة الأخيرة من السنة لأسباب لوجيستية. وقبل عقد الاجتماعات غير الرسمية، حذرت طهران، على لسان الناطق باسم خارجيتها سعيد خطيب زاده، بأن نافذة المفاوضات لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، رغم تأكيده على لمس «واقعية» من الأوروبيين في الأيام الأخيرة.
ورغم أن الوفد الإيراني المفاوض برئاسة علي باقري كني وصل إلى فيينا منذ الصباح، فإنه لم يشارك بأي اجتماعات مع المفاوضين طوال اليوم، وكان منشغلاً بالمشاركة في مراسم السفارة الإيرانية بالعاصمة النمساوية في ذكرى مقتل قاسم سليماني بغارة أميركية قبل عامين، بحسب ما أظهرت صور نشرتها وكالة «إرنا» الإيرانية. ولم يأت باقري كني إلى فندق التفاوض للاجتماع بالمنسق الأوروبي إنريكي مورا الموجود منذ الظهر، إلا في وقت متأخر بعد الظهر؛ قبل أن يجتمع بمفاوضي الترويكا الأوروبية.
وبالتزامن مع الاجتماع الإيراني والترويكا الأوروبية، توجه مورا إلى مقر الوفد الأميركي وأجرى مباحثات مع المبعوث الخاص إلى إيران، روبرت مالي.
وكان دبلوماسيون غربيون أكدوا أنهم يسعون إلى التوصل لاتفاق مع إيران في نهاية الشهر الحالي أو مطلع فبراير (شباط) المقبل، وأن الجولة الحالية ستبقى مفتوحة حتى إنهاء التفاوض، حتى ولو عادت الوفود إلى العواصم للتشاور.
وبدأ التفاوض خلال الجولة الثامنة على المسودة التي اتُفق عليها في الجولة السابعة مع الوفد الإيراني الجديد برئاسة باقري كني. واستبدلت بالمسودة القديمة التي كان توصل إليها المتفاوضون في الجولات الست الماضية مع الوفد السابق برئاسة عباس عراقجي، المسودة الجديدة التي أضيفت إليها نقاط من الحكومة الإيرانية، برئاسة إبراهيم رئيسي.
وقالت مصادر مقربة من المحادثات قبيل وقف الجولة الثامنة قبل أيام إن هناك «رضاً غربياً» عن «الاتجاه الذي تسير فيه المحادثات»، ولكن ما زال هناك عدم رضا حول تقدمها ببطء شديد. وقالت المصادر إن «المحادثات لا تسير بالوتيرة الكافية للتوصل لاتفاق سريع». وأشارت تلك المصادر إلى أن المفاوضات هذا الأسبوع ستركز على مسارين بشكل متواز؛ أي مسار رفع العقوبات الأميركية، ومسار العودة للالتزامات النووية من طرف إيران، بعد أن كان التركيز في الأيام الماضية في معظمه على العقوبات ومسألة الضمانات التي يطالب بها الوفد الإيراني والتي ما زالت تشكل العقبة الأساسية أمام المفاوضات.
ومع استمرار تشكيك الجانب الأميركي في نية إيران في التفاوض والتوصل لاتفاق، قالت المصادر إن «احتمال فشل المفاوضات وارد بالطبع»، وإنه يمكن أن يأتي يوم «يتوصل فيه المتفاوضون إلى استنتاج بأنه من المستحيل التوصل لاتفاق… ولكن من الصعب تصور أن الأطراف المتفاوضة تريد المغادرة من دون اتفاق».
وعاد الطرف الإيراني وعبر عن رفضه المهل الزمنية التي تتحدث عنها الأطراف الغربية القلقة من استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي مقابل مشاركتها في المحادثات. وكرر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، أن إيران «لن تقبل بمواعيد نهائية مصطنعة»، في إشارة إلى مهلة «الأسابيع» التي تحدث عنها الدبلوماسيون الغربيون. وكان الدبلوماسيون من الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) قد كرروا الأسبوع الماضي أنهم لا «يحددون مهلاً زمنية مصطنعة»، وأن «تقدم برنامج إيران النووي يعني أن الاتفاق النووي لن تكون له أي قيمة قريباً».
ولكن خطيب زاده قال إن «الكرة الآن في ملعب الطرف الآخر»، وإن المحادثات «أحرزت تقدماً أقل فيما يخص العمل بالتزامات الطرف الآخر». وأضاف: «الكرة اليوم في ملعب الغربيين لكي يظهروا أنهم يريدون التوصل إلى اتفاق جيد في أقصر وقت ممكن».
ومع ذلك؛ قال خطيب زاده إن إيران ومجموعة «4+1» لديها «موقف مشترك حول مبدأ تقديم الضمانات والتحقق». وقال: «أوصي الترويكا الأوروبية بأن تبتعد عن الطريق التي تسلكها خلال هذه الفترة»، دون أن يخوض في التفاصيل.
وسئل خطيب زاده عما ورد على لسان رئيس الوفد الروسي، ميخائيل أوليانوف، بشأن تراجع إيران عن بعض مواقفها في فيينا، وقال: «إذا توصلنا اليوم إلى مسودة مشتركة؛ فلأن الغربيين أدركوا أنه يجب التراجع عن مطالبهم القصوى. ما نلمسه اليوم تراجع؛ أو بالأحرى واقعية من الأطراف الغربية التي أدركت أنه لا يمكن أن تكون لديها مطالب تتخطى الاتفاق النووي، ولا يمكنهم الوفاء بالتزامات أقل من الاتفاق النووي».
ويلعب أوليانوف دور «الوسيط» غير الرسمي في المفاوضات بين الوفدين الأميركي والإيراني، ويعقد اجتماعات ثنائية متكررة مع باقري كني من جهة؛ وروبرت مالي المبعوث الأميركي الخاص بإيران والذي يترأس وفد بلاده من جهة أخرى.
ولكن خطيب زاده حاول التقليل من أهمية كلام أوليانوف والانتقادات الموجهة للفريق الإيراني المفاوض، وقال إن «تعاون ومواقف إيران وروسيا والصين (متقاربة)؛ سواء في قضايا مفاوضات فيينا، والقضايا الأخرى». وردا على سؤال آخر بشأن الموقف الإيراني من الدور الصيني - الروسي، صرح: «على نقيض الترويكا الأوروبية؛ لا تعاني الصين وروسيا من مرض ألزهايمر، ويعلمون بأن الأميركيين هم من حاولوا تدمير الاتفاق النووي، وحاولوا منع أي طرف آخر من التعهد بالاتفاق، ومنعوا الشركات من العمل في سوق إيران، واليوم هم في (فيينا) دون تغيير أي من السياسات».
وتوقف بشكل أكبر عند الجدل في إيران بشأن صورة أوليانوف وروبرت مالي، وحول ما إذا كانت روسيا تتفاوض مع الولايات المتحدة نيابة عن إيران، موضحاً أن «هناك آليات للحوار والمفاوضات في فيينا، لكن البعض يريد إثارة القضايا الهامشية، وعلى هذا الأساس يقدمون انطباعاً خاطئاً»، مشيراً إلى وجود آلية ثلاثية بين إيران والصين وروسيا. وقال: «لن نتدخل في الآليات بين مجموعة (4+1) والولايات المتحدة، وليست المرة الأولى التي تجرى محادثات ثنائية أو متعددة الجوانب، وهذا لا يخص روسيا».
واستمر الجدل في الصحف الإيرانية بشأن دور أوليانوف؛ خصوصاً بعد تصريحاته لمجلة «فورين بوليسي» التي قال فيها إنه لعب دوراً إلى جانب الصين في إقناع إيران بالتخلي عن بعض أكثر مطالبها تشدداً. وكتبت صحيفة «كيهان» التابعة لمكتب المرشد الإيراني، أن «انتشار صورة من لقاء أوليانوف ومالي أعطت ذريعة لوسائل الإعلام المأجورة لكي تطلق حملة نفسية جديدة، ويقولون: لماذا لا نتفاوض مباشرة مع أميركا؟». واتهمت الصحيفة المنتقدين بخوض معركة بالوكالة عن الغربيين بعدما أصبحت اتفاقيات التعاون مع روسيا والصين «جدية». كما ربطت بين الانتقادات والزيارة المرتقبة للرئيس الإيراني إلى موسكو.
بدورها؛ انضمت صحيفة «إيران»؛ الناطقة باسم الحكومة، إلى الدفاع عن دور روسيا في المفاوضات النووية. وكتبت: «الفريق المفاوض الإيراني يوظف بذكاء التحديات والمواجهة بين الصين وروسيا من جهة؛ وأوروبا وأميركا من جهة ثانية».
ونوهت الصحيفة بأن «التوجه المشترك بين إيران وروسيا والصين لا ينحصر في المفاوضات فقط؛ بل إن إيران وهذين البلدين يربطهم تعاون مشترك شامل واستراتيجي منذ سنوات، وأظهروا ذلك في مجالات مختلفة». وأضافت: «الحكومة الجديدة أثبتت أن استراتيجية التوجه إلى الشرق، تحظى بقيمة كبيرة في حد ذاتها». ووجهت اتهامات إلى «محللين مقربين من الحكومة السابقة» ووسائل إعلام في الخارج بتقديم «رواية مقلوبة» لـ«الوضع الحالي في المفاوضات». وأضافت: «إيران أحرزت نجاحاً في المفاوضات، لكن الحوارات المتعددة؛ خصوصاً مع الصين وروسيا، لعبت دوراً كبيراً في هذا التقدم».
وكانت وكالة «نور نيوز»؛ المنبر الإعلامي في مجلس الأمن القومي، قد هاجمت السبت منتقدي الدور الروسي في المفاوضات.



تكثيف استهداف إيران مع اقتراب نهاية المهلة


دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
TT

تكثيف استهداف إيران مع اقتراب نهاية المهلة


دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)

تكثّف استهداف منشآت إيران، أمس، مع اقتراب نهاية المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فيما اصطدمت خطةٌ باكستانيةٌ لوقف الحرب بتحفظ من واشنطن وطهران، بالتزامن مع إعلان إسرائيل مقتل رئيس جهاز استخبارات «الحرس الثوري» مجيد خادمي في غارة على طهران.

وشدد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض على أن المهلة التي تنتهي مساء اليوم هي «مهلة نهائية»، وقال إن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية كبيرة جداً»، وإن حرية مرور النفط عبره يجب أن تكون جزءاً من أي اتفاق مع إيران. كما رفض فرض إيران رسوماً على عبور السفن في المضيق، وطرح في المقابل فكرة أن تفرض الولايات المتحدة رسوماً على المرور. وأضاف أنه لو كان الأمر بيده «لأخذ النفط» الإيراني.‌ وقال ترمب إنه من الممكن القضاء على إيران في ليلة واحدة، «وقد تكون ليل غد»، محذراً طهران من أن عليها إبرام اتفاق بحلول مساء اليوم (الثلاثاء) وإلا ستواجه عواقب وخيمة.

ونقلت «رويترز» عن مصدر مطلع قوله إن الخطة الباكستانية تقترح وقفاً فورياً لإطلاق النار يعقبه تفاوض على اتفاق شامل خلال 15 إلى 20 يوماً، لكن البيت الأبيض قال إن ترمب لم يوافق عليها. وفي المقابل، أفادت وكالة «إيرنا» بأن إيران سلّمت باكستان رداً من عشرة بنود، رفضت فيه وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، وشددت على ضرورة إنهاء الحرب بشكل دائم.

وتركزت الضربات الإسرائيلية أمس على مطارات ومنشآت جوية وعسكرية في العاصمة، بينها مهرآباد غرب العاصمة وبهرام وآزمایش في الشرق، قبل أن تمتد إلى مواقع صناعية وبتروكيماوية في الوسط والجنوب، لا سيما في ميناء عسلوية، حيث قالت إسرائيل إنها استهدفت بنية تستخدم في إنتاج مواد مرتبطة بالصواريخ والأسلحة.


القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

رأت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، الثلاثاء، أن «الألفاظ الوقحة» التي يطلقها دونالد ترمب بشأن الحرب في الشرق الأوسط «لن يكون لها أي تأثير» على الجنود الإيرانيين، وذلك بعد تلويح الرئيس الأميركي بنسف البنى التحتية لإيران.

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

ونقل التلفزيون الرسمي عن إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم «مقر خاتم الأنبياء»، وهو غرفة العمليات المركزية للقوات المسلّحة الإيرانية، قوله إن «الألفاظ الوقحة» و«التهديدات الواهية» التي يطلقها «الرئيس الأميركي الواهم (...) لن يكون لها أي تأثير على استمرار العمليات الهجومية الساحقة» التي تشنّها القوات الإيرانية «ضد الأعداء الأميركيين والصهاينة».


حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
TT

حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات إقليمية مكثفة للتهدئة، وسط تهديدات أميركية وإيرانية متبادلة، مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الثلاثاء، وما تحمله من مسار تصعيد غير مسبوق.

تلك الجهود التي تسعى لاتفاق جزئي لوقف إطلاق النار في إيران لمدة 45 يوماً، حسب تسريبات أميركية، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تأتي في إطار «دبلوماسية الضغط التي تُمارَس تحت سقف تهديدات غير مسبوقة، على أمل أن تحرز تقدماً بتمديد مهلة ترمب أو وقف مؤقت، في ظل ما تتمتع به الوساطة الثلاثية من ثقل إقليمي ورغبة دولية لوقف هذه الحرب المستعرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي».

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

وتُجري الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، مصر وتركيا وباكستان، مناقشات حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، وفقاً لأربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات تحدثت لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، واصفة المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وأكدت «رويترز»، الاثنين، أن إيران والولايات المتحدة تلقتا مقترحاً لإنهاء الأعمال العدائية.

وفي تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، فإن الوساطة التي تقودها مصر وتركيا وباكستان «تكشف ملامح لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الردع مع ضغوط التهدئة، في محاولة لخلق مساحة زمنية لإعادة ترتيب موازين التفاوض، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز الإطار الإقليمي».

وهو يرى أن الوساطة الثلاثية لها أهمية خاصة نظراً لطبيعة الأطراف المنخرطة فيها؛ فـ«مصر تمثل ثقلاً تقليدياً في إدارة الأزمات الإقليمية، وتركيا تمتلك قنوات اتصال مركبة مع مختلف الفاعلين، في حين تضطلع باكستان بدور بالغ الحساسية في التواصل مع طهران، بما يعكس هندسة دبلوماسية متعددة المسارات... لكن عدم وجود الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي بين أطراف الصراع، يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى تسويتها».

ويرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير بالشأن الإيراني، محمد محسن أبو النور، أن المبادرة تعكس تحوّلاً مهماً في نمط إدارة الأزمة؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية إلى احتواء التصعيد عبر صيغة متعددة الأطراف وليس من خلال قنوات ثنائية تقليدية، لافتاً إلى أن المبادرة لا تستهدف فقط وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، بل تسعى إلى تأسيس ترتيبات أوسع لضبط التوتر في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية.

ووسط ترقب نتائج المسار التفاوضي، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه يوم الاثنين من رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، جهود مصر الرامية لوقف الحرب، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية تحقيقاً لهذا الهدف، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة، ورفض أي مساس بسيادتها واستقرارها ومقدرات شعوبها»، مجدداً تأكيد «موقف مصر الثابت في دعم تلك الدول العربية الشقيقة».

واعتبر عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، في منشور عبر منصة «إكس»، الاثنين، الجهود المصرية مع تركيا وباكستان «محاولات اللحظة الأخيرة لإنقاذ المنطقة من طوفان الحرب المدمرة»، لافتاً إلى أن «الساعات المقبلة حاسمة».

ويرى أبو النور أن دور مصر في مثل هذه المبادرات «يظل مرشحاً لأن يكون دوراً حاسماً، وخاصة أنها تمتلك خبرة تراكمية طويلة في إدارة قنوات الاتصال بين أطراف متنازعة، إلى جانب شبكة علاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج، مع احتفاظها بقنوات تواصل مباشرة مع إيران».

الدخان يتصاعد بعد هجمات استهدفت منطقة معشور للبتروكيماويات في محافظة الأهواز (رويترز)

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، الاثنين، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله: «ندعو إلى إنهاء الحرب ومنع تكرارها»، رافضاً وقف إطلاق النار المؤقت.

وأضاف أن أي محادثات دبلوماسية «تتعارض تماماً مع الإنذارات والتهديدات بارتكاب جرائم حرب»، في إشارة إلى تهديد ترمب بقصف البنية التحتية الإيرانية الرئيسية مساء الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الطاقة ويوم الجسور»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك ما يشبهه»، في إشارة إلى ضربات واسعة محتملة تستهدف البنية التحتية الإيرانية.

كما تحدث ترمب عن وجود مسار تفاوضي مفتوح، قائلاً في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن هناك «فرصة جيدة» للتوصل إلى اتفاق، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة.

ووسط تلك الاختلافات، يرى السفير حجازي أن الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جزئي مسألة مرتبطة ليس فقط بالإرادة السياسية، وإنما تدفع نحو منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، وخاصة أنه لا يمكن قراءة الوساطة الثلاثية إلا في إطار «دبلوماسية الضغط القسري»؛ إذ تُستخدم التهديدات العسكرية لدفع الأطراف نحو التفاوض، دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر شروط التسوية.

وتشير المعطيات حتى الآن، حسب حجازي، إلى أن المنطقة لا تزال أقرب إلى إدارة تصعيد مضبوط منها إلى الدخول في مسار تهدئة مستدامة، ما لم يحدث تحول نوعي في مواقف الأطراف خلال الساعات القليلة المقبلة.

ويرى أبو النور أن هناك «تردداً إيرانياً محسوباً»، ربما بهدف اختبار جدية الضمانات المقدمة، أو تحسين شروط التفاوض، مقابل حذر تكتيكي أميركي، خصوصاً في ظل عدم وضوح ما إذا كانت المبادرة ستُترجم إلى مكاسب استراتيجية، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تمنح إيران مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويمكن القول، بحسب أبو النور، إن نجاح المبادرة مرهون بقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات أمنية وسياسية مقنعة للطرفين، «وإلا فسيظل الطرفان مستمرين في إدارة الصراع ضمن حدود التصعيد الحالية، بدلاً من الانتقال إلى مسار تسوية حقيقية في هذه المرحلة».